فتح احتلال العراق في نيسان 2003 الباب على مصراعيه أمام التدخلات الخارجية ولا سيما الإيرانية، التي يصفها البعض بأنها الحاكم الفعلي في العراق منذ ذلك التاريخ ولغاية اليوم.
تبرز البصمة الإيرانية في العراق بمختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، ورغم الحديث عن تحرك أمريكي لتحجيم الدور الإيراني في العراق، إلا أن البعض يرى أن نفوذ طهران ما يزال يتصاعد بتوافق وضوء أخضر أمريكي.
في السنوات الأولى لغزو العراق، حاولت إيران التوغل في الداخل العراقي عبر الأحزاب والفصائل الشيعية التي كانت تعيش في إيران خلال سنوات حكم حزب البعث، ولكن النفوذ الإيراني تصاعد أكثر ليشمل إقليم كردستان العراق والمناطق العربية السنية التي كانت بعيدة عن الهيمنة الإيرانية إلى أحداث العاشر من حزيران 2014 عندما سيطر تنظيم داعش على المدن العراقية.
بعد أحداث حزيران بات النفوذ الإيراني أكثر وضوحا في المناطق السنية، وذلك عبر تواجد الفصائل المسلحة التي تدين بالولاء لإيران، وهو ما يفسر رفض تلك الفصائل الانسحاب من تلك المدن أو المناطق الحدودية ابتداء من سنجار شمال غربي العراق مرورا بالحدود العراقية – السورية، والحدود العراقية – الأردنية، وصولا إلى الحدود العراقية – السعودية جنوب غرب محافظة الأنبار.
سيطرة سياسية
لم يقتصر التمدد الإيراني على الناحية العسكرية، إذ تعدى الأمر إلى السيطرة على الواقع السياسي في المدن السنية، حيث باتت طهران ووكلاؤها في العراق يتحكمون بالقيادات السياسية السنية وهو ما يؤكده العديد من المسؤولين والسياسيين والنواب.
وسادت في الأوساط العراقية أن إيران لها الوصاية على منصب رئيس الوزراء في جميع الحكومات المتعاقبة، لكن السنوات الأخيرة باتت تحركات طهران واضحة تجاه التأثير على اختيار المرشحين لمنصبي رئيس الجمهورية والبرلمان.
وساد في العراق العرف السياسي القائم على منح منصب رئاسة الوزراء للمكون الشيعي ورئاسة البرلمان للمكون العربي السني ورئاسة الجمهورية للمكون الكردي.
سليماني يصادق على المناصب
مؤخرا كشف النائب المقال مشعان الجبوري عن تحكم إيران بمنصب رئيس مجلس النواب في العراق، ولكنه أبعد عن المنصب عندما خرج من القطار الإيراني وركب في قطار (خليجي – تركي).
تصريحات الجبوري جاءت بالتزامن مع قرار من المحكمة الاتحادية العليا القاضي بإنهاء عضوية رئيس البرلمان محمد الحلبوسي على خلفية دعوى قدمها في وقت سابق النائب ليث الدليمي.
الجبوري قال في لقاء متلفز تابعته "الساعة": إن "محمد الحلبوسي وصل إلى رئاسة مجلس النواب بقرار إيراني"، وأكد الجبوري أن نجله يزن هو من أوصل الحلبوسي إلى مقر إقامة قائد فيلق القدس الإيراني السابق قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، وجرى لقاء بينهم انتهى بمنح الحلبوسي منصب رئاسة البرلمان".
وتابع الجبوري: أن "الحلبوسي فاز برئاسة البرلمان في الدورة السابقة بقرار ودعم إيراني متمثلا بدعم سليماني، ولكنه وصل إلى البرلمان في المرة الثانية بقطار (خليجي – تركي) فانتهى به المطاف أن أصبح خارج البرلمان لأنه خرج من القطار الإيراني".
تعكس تصريحات الجبوري مدى نفوذ وسلطة إيران على منح المناصب الخاصة بالمكون السني (رئاسة البرلمان) والشيعي (رئاسة الوزراء) والكردي (رئاسة الجمهورية)، كما تؤكد أن نفوذ إيران بالرغم من تراجعه بعد مقتل سليماني بضربة أمريكية بداية العام 2020، لكنه ما يزال مؤثرا وله الكلمة العليا في الداخل العراقي.
في العام 2018، حسم منصب رئيس البرلمان لصالح مرشح القوى المدعومة من إيران، وكان حينذاك "محمد الحلبوسي" الذي حظي بدعم تحالف القوى الشيعية القريبة من طهران.
في تلك الفترة وصف مراقبون ما جرى في حراك تشكيل الحكومة بأنه فوز ساحق حققه سليماني على المبعوث الأمريكي في العراق بريت ماكغورك، في اختيار مرشح رئاسة الجمهورية ومرشح البرلمان ومن ثم مرشح رئيس الوزراء.
قبل سنوات، تحدث رئيس مجلس النواب العراقي الأسبق أسامة النجيفي عن ضغوطات مارستها إيران عليه، وبسبب عدم استجابته لعرض قدمه "قاسم سليماني" آنذاك فإن داعش سيطر على المدن السنية، ثم أخفق النجيفي في الحصول على منصب رئاسة البرلمان لولاية ثانية رغم أنه كان يتزعم المشهد السياسي السني عقب انتخابات 2014.
وبات التدخل الإيراني في تحديد شكل الحكومات العراقية واضحا من خلال الزيارات التي كان يجريها في السابق قاسم سليماني، ولاحقا خلفه إسماعيل قآني، الذي يتردد على بغداد كثيرا خلال كل حراك لتشكيل الحكومة.
وتشمل الولاية الإيرانية السياسيين السنة الذين يلاحقون داخل العراق بتهم مختلفة ثم يعودون إليه بعد مغادرته بضوء أخضر إيراني.
وتؤكد مصادر أن إنهاء ملفات العديد من السياسيين السنة أمثال رافع العيساوي وخميس الخنجر وغيرهم جرى تسويتها من قبل الجانب الإيراني رغم أن دعاوى قضائية وأحكاما كانت صادرة ضدهم بتهم الإرهاب وغيرها من التهم.
ولاية إيرانية على المناصب السنية
الناشط السياسي العراقي عبد القادر النايل أكد أن إيران وتحديدا الحرس الثوري الإيراني منذ 2003 ولغاية الآن كان وما زال المتحكم الرئيس بالعملية السياسية في العراق.
وقال النايل في تصريح لشبكة "الساعة": إن "الأمريكيين والإيرانيين منذ احتلال العراق اتفقوا على تشكيل العملية السياسية وأسسوا لنظام المحاصصة القائم على الطائفية والمكونات بعيدا عن المؤسسات"، وبين أن "الإيرانيين والأمريكيين تعمدوا وضع أسس مغلوطة للعملية السياسية تعتبر العرب السنة 17 % في العراق دون إنصاف او تعداد سكاني، بينما تمثيلهم الحقيقي يتراوح بين 40 إلى 42 %".
وأضاف: أن "إيران منذ ذلك التاريخ تتحكم بالمناصب العليا في العراق والتي تخص جميع المكونات دون استثناء وذلك كله يجري برضا أمريكي".
وتابع النايل: أن "المناصب السنية الرئيسية المتمثلة برئاسة البرلمان كعرف سياسي، وبعض الوزارات في الحكومة والهيئات والوقف السني لا تمنح إلا بمباركة وموافقة إيرانية، حيث كان قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري هو المعني والمسؤول عن اختيار أسماء المرشحين لتلك المناصب، ولا يمكن تمرير أي مرشح لهذه المناصب دون موافقة سليماني سابقا وإسماعيل قآني حاليا".
ولفت الناشط السياسي إلى أن "الملف العراقي يدار من قبل الحرس الثوري حصرا وليس الحكومة الإيرانية أو وزارة الخارجية في إيران، ولذلك فإن اختيار أسماء المسؤولين للمناصب الوزارية والحكومية ورئاسة البرلمان يتم عبر الحرس الثوري الذي قد يلجأ للقوة في فرض أسماء المرشحين الذين يراهم مناسبين للمصلحة الإيرانية، واكد أن الواقع السياسي في المناطق السنية مؤلم للغاية، لأن ممثلي المكون منتدبين وليسوا ممثلين حقيقيين وقيادات من المكون عشائريا أو اجتماعيا، وهو ما سهل تحكم الجانب الإيراني بالواقع السياسي السني".
وأشار النايل إلى أن "الدليل الواضح على أن من قدموا باسم المكون السني أغلبهم يتماشى مع المصالح الإيرانية وأذرع طهران بالعراق هو بقاء ملفات ومطالب العرب السنة دون حلول منذ سنوات وأبرزها ملفات المعتقلين والعفو العام والتهجير والنازحين والتعذيب وغيرها من الملفات التي بقت لغاية اليوم دون حلول".
ولفت النايل إلى "منصب رئيس مجلس النواب في العراق ورغم أنه منصب شكلي لا أهمية له على أرض الواقع، إلا أنه يخضع للقرار الإيراني"، مشددا على "إبعاد الحلبوسي سياسيا عبر المحكمة الاتحادية جاء بتوجيه إيراني، رغم أنه وصل سابقا بقرار ودعم إيراني".
وشدد على أن "الكتل السنية اليوم عاجزة عن تقديم البديل للحلبوسي لرئاسة البرلمان لسببين، الأول هو أن تلك الكتل ليست صاحبة القرار بهذا الموضوع، والثاني أن إيران منشغلة حاليا ولم توافق بعد على اسم المرشح للمنصب"، موضحا أن "ما يجري حاليا هو مخالفة قانونية واضحة بسبب عدم اختيار رئيسا للبرلمان في أول جلسة عقدت بعد إبعاد الرئيس السابق".
ونوه النايل إلى أن "التدخل الإيراني لا يشمل فقط مناصب رؤساء الوزراء والجمهورية والنواب فقط، ولا يشمل فقط المناطق الجنوبية الشيعية، بل تعدى الأمر إلى التدخل في المناصب الفرعية كالمحافظين وقائمي المقام والمسؤولين الأمنيين في المحافظات السنية، وما عملية إبعاد ومحاكمة قائد عمليات الأنبار السابق محمود الفلاحي إلا خير دليل على ذلك".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام