ضربة بضربة.. هكذا وَصف مشهد التصعيد بين الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران والولايات المتحدة، بعد شهر على تبادل التهديدات على خلفية الأحداث التي يشهدها قطاع غزة.

فالضربة الأمريكية الأخيرة التي استهدفت مواقع الحشد الشعبي العراقي جاءت لتؤكد أن السكوت الأمريكي لن يدوم طويلا على الهجمات التي تعرضت لها القواعد العسكرية الأمريكية في العراق وسوريا.

فجر الأربعاء 22 نوفمبر / تشرين الثاني 2023، شنت طائرات مسيرة أمريكية هجوما استهدف مواقع عسكرية للحشد الشعبي وتحديدا كتائب حزب الله العراقي في ناحية جرف الصخر جنوب العاصمة بغداد ما أسفر عن مقتل وإصابة 12 عنصرا من الحشد، بحسب الإعلان الرسمي لهيئة الحشد.

وأعلن الجيش الأميركي أن مقاتلاته استهدفت منشأتين في العراق لمن قال إنهم مسلحون مدعومون من إيران، ردا على الهجمات التي تعرضت لها القواعد الأميركية في كل من سوريا والعراق خلال الأسابيع الماضية.

وأمس الثلاثاء قال مسؤولون عسكريون وأمنيون عراقيون في محافظة الأنبار إن "قصفاً أميركيا، استهدف شاحنة واحدة على الأقل تابعة لفصيل مسلح كانت متجهة من بغداد إلى محافظة الأنبار على الطريق الدولي السريع المؤدي إلى سوريا، ما أدى إلى تدميرها".

 

مقتل 8 مسلحين

هيئة الحشد الشعبي قالت في بيان وصل شبكة "الساعة": إنه "في الساعة 02:30 من فجر اليوم الأربعاء، تعرض عدد من مواقع هيئة الحشد الشعبي إلى إعتداءات أمريكية غادرة أسفرت عن مقتل 8 عناصر وإصابة 4 آخرين بجروح، وبينت أن "الإعتداءات شملت قيادة عمليات الجزيرة ضمن قاطع جرف الصخر شمال بابل".

وقبل غروب شمس الأربعاء، شيعت هيئة الحشد قتلى القصف الأمريكي على مقاره في منطقة جرف الصخر، حيث حضر مراسيم التشييع رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض ورئيس هيئة الأركان عبد العزيز المحمداوي "ابو فدك" القائد الفعلي للحشد، إضافة إلى قيادات في الحشد وشخصيات سياسية.

الحشد الشعبي أكد إلتزامه الكامل والتام بتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة على اعتبار إنه جزء من المنظومة الأمنية والعسكرية والدفاعية للعراق ولن تتردد بالقيام بأي واجب دفاعاً عن العراق وسيادته، حسب ما جاء في البيان.

 

حزب الله يهدد

وكالعادة جاء بيان هيئة الحشد الشعبي الرسمي مختلفا عن ما تعلنه الفصائل المسلحة المنضوية في الحشد، حيث هددت كتائب حزب الله بالرد على القصف الأمريكي لمقرات الحشد، مشددة على توسيع دائرة الأهداف.

وقالت الكتائب في بيان طالعته "الساعة": إن "العراق على أعتاب الذكرى السنوية الرابعة "للجريمة" الأمريكية باستهداف مقاتلي الحشد الشعبي في القائم، ولا زالت قوات الاحتلال الأمريكي على نهجها "القذر"، لتستهدف مرة أخرى مقرات الحشد في قاطع جرف "النصر" شمالي بابل".

وأضافت: أن "عجز آلتهم العسكرية عن حماية قواعدهم من هجمات "المقاومة الإسلامية" زاد من تخبط العدو فأقدم على ارتكاب الجرائم بحق من حموا العراق، وأمنوا مناطقه، وحرروا أرضه، من شر صنيعتهم داعش".

وشددت كتائب حزب الله على أن جريمة القصف الأمريكي لمقرات الحشد فجر اليوم والتي أسفرت عن مقتل 8 من منتسبي الحشد لن تمر دون عقاب، وهو ما يستدعي توسيع دائرة الأهداف إذا ما استمر العدو بنهجه الإجرامي، حسب ما جاء في البيان.

 

الوجود العسكري الامريكي

وفتح الهجوم الأمريكي الباب مجددا أمام مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في العراق الذي تعلن السلطات العراقية والأمريكية أنه جاء باتفاق وبطلب من الحكومة العراقية، لدعم القوات العراقية في محاربة تنظيم داعش.

الأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري طالب بإنهاء الوجود الأمريكي في العراق عبر إخراج القوات الأجنبية كافة من البلاد.

واللافت في دعوة العامري، أنها الأولى التي تطلقها أطراف في الإطار التنسيقي منذ تسلمها السلطة في العراق من خلال حكومة محمد شياع السوداني والتي تعرف بأنها حكومة الإطار أو حكومة الفصائل المسلحة القريبة من إيران.

العامري في بيان أدان بأشد العبارات القصف الجوي الأمريكي الذي طال قوات الحشد الشعبي فجر أمس الثلاثاء واليوم الأربعاء.

وقال العامري في بيان تلقته "الساعة": إن "هذا العمل الجبان يُعتبر انتهاكا صارخاً للسيادة الوطنية، واعتداء آثماً على كرامة العراقيين، ودليلاً مضافاً واضحاً لا يقبل الشك على كذب الادعاءات الأمريكية بحصر تواجدهم في العراق "بالمستشارين والمدربين"، بل هو دليل قطعي على إن تواجدهم هذا، هو قتالي صرف سواء في قاعدتي عين الاسد وحرير، أم في باقي القواعد الاخرى".

وأكد على "ضرورة إخراج القوات الأمريكية، وكل قوات التحالف الدولي من العراق فورا، إذ أن بقاءهم سيؤدي الى مزيدٍ من إراقة الدماء العراقية، ويسبب إرباكاً للوضع الأمني، وإعادة العراق الى المربع الأول من عدم الإستقرار"، مردفا بالقول "إن تواجدهم لا يوجد له أي غطاء دستوري أو قانوني". حسب تعبير العامري.

 

الموقف الحكومي

الموقف الرسمي الحكومي ركز على الرفض والإدانة والاستنكار للقصف الأمريكي على الحشد الشعبي، حيث أدانت الحكومة العراقية التصعيد الأخير خلال اليومين الماضيين من الجانب الأمريكي وعدته "تجاوزا مرفوضا على السيادة".

وقال باسم العوادي، المتحدث الرسمي باسم الحكومة، في بيان ورد لشبكة "الساعة" إن "الحكومة تؤكد أنها تتعامل مع التصعيد الأخير، الذي شهدته الساحة العراقية خلال اليومين الماضيين، على أنه تصعيد خطير فيه تجاوز مرفوض على السيادة العراقية، التي نلتزم، تحت كلّ الظروف، بصيانتها وحفظها والدفاع عنها، وفقاً للواجبات الدستورية والقانونية للحكومة".

وأضاف: "ندين بشدة الهجوم الذي استهدف منطقة جُرف النصر، والذي جرى دون علم الجهات الحكومية العراقية، ما يُعد انتهاكاً واضحاً للسيادة، ومحاولة للإخلال بالوضع الأمني الداخلي المستقر"، مشددا على أن "الحكومة العراقية هي المعنية حصراً بتنفيذ القانون، ومحاسبة المخالفين، وهو حق حصري لها، ولا يحق لأية جهة خارجية أداء هذا الدور نيابةً عنها، وهو أمر مرفوض وفق السيادة الدستورية العراقية والقانون الدولي".

وأكد المتحدث، أنّ "وجود التحالف الدولي في العراق، هو وجود داعم لعمل قواتنا المسلحة عبر مسارات التدريب والتأهيل وتقديم الاستشارة، وأنّ ماجرى يعد تجاوزاً واضحاً للمهمة التي تتواجد من أجلها عناصر التحالف الدولي لمحاربة داعش على الأراضي العراقية؛ لذلك فإنها مدعوة إلى عدم التصرّف بشكل منفرد، وأن تلتزم بسيادة العراق، التي لا تهاون إزاء خرقها بأي شكل كان.

كما تشدد الحكومة العراقية، وفق العوادي، على أنها الجهة المسؤولة دستورياً، عن رسم وتنفيذ سياسات الدولة، وحفظ النظام والاستقرار، والدفاع عن الأمن الداخلي، وأنّ أيّ عمل أو نشاط مسلّح يتم ارتكابه من خارج المؤسسة العسكرية، يعد عملاً مداناً ونشاطاً خارجاً عن القانون، ويعرض المصلحة الوطنية العليا للخطر، وأنّ أية عناصر مسلحة أو غيرها لا تلتزم بهذا المبدأ فإنها تعمل بالضدّ من المصلحة الوطنية العليا، وستتخذ الحكومة الإجراءات الضرورية للدفاع عن مصالح العراق العليا.

 وأضاف أن "القائد العام للقوات المسلحة، رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، قد وجه القوات المسلحة كافة، وجميع الأجهزة الأمنية، للقيام بواجباتها وتنفيذ القانون وفرضه، وعدم السماح لأية جهة أن تخلّ أو تضرّ بأمن البلد واستقراره، لذا فالحفاظ عليه مسؤولية الجميع ولا يجوز لأية جهة التفريط به، بأي حال من الأحوال"، وفق بيان المتحدت.

 

مقاضاة أمريكا

برلمانيا، أعلنت كتلة حقوق التي تمثل أحد الفصائل المسلحة في البرلمان نيتها بمقاضاة الولايات المتحدة الأمريكية لارتكابها ما أسمته بالجرائم منذ العام 2003 ولغاية الآن.

وقال النائب عن الكتلة سعود الساعدي: إن "الكتلة النيابية سنقدم مشروع قانون مقاضاة الولايات المتحدة الأمريكية لارتكابها جرائم ضد العراقيين ما بين الأعوام 2003 و2023 ومن ضمنها كل العمليات الإجرامية سواء كانت استهداف المدنيين والقطعات العسكرية والحشد الشعبي وخصوصاً ما حدث فجر يوم الأربعاء في جرف الصخر".

وأضاف "نطالب الحكومة بتنفيذ قرار مجلس النواب في 5/1/2020 بإخراج القوات الأجنبية من الأراضي العراقية، وسيكون لكل حادث حديث حسب تجاوب الحكومة العراقية".

سياسيا، جدد الإطار التنسيقي الذي يضم القوى الشيعية الحاكمة رفضه القاطع لأي استهداف وتجاوز على السيادة العراقية، وأدان الاستهدافات التي نفذت على الأرض العراقية آخرها في منطقة جرف الصخر.

وفي بيان شدد الإطار على "الالتزام بالمهام المحددة لجميع القوات التابعة للتحالف الدولي وفق القوانين العراقية"، مبينا أن "أي نشاط للتحالف خارج حدود محاربة داعش يعد تجاوزاً خطيراً ومداناً، محذرا من أن ما جرى من اعتداءات يسهم في زيادة المواجهات مع قوات التحالف".

 

تحذير من القادم

أما نوري المالكي زعيم ائتلاف القانون، فحذر من اندلاع مواجهات جديدة جراء القصف الأمريكي ضد مقار الحشد الشعبي، مؤكدا على أن مبدأ القوة لن يكون عاملا مساعدا لتجاوز الأزمات.

وقال المالكي في تغريدة على موقع "X": إن "ما حصل من قصف من قبل قوات الولايات المتحدة الأمريكية ضد مقار القوات الأمنية والحشد الشعبي في عدد من مدن البلاد أمر مستنكر ومدان وخطير قد يجر إلى مزيد من المواجهات التي لا نتمناها على الأرض العراقية".

واضاف قائلا "نعد هذه الأعمال تجاوزا صارخا على سيادة العراق وأمنه، اذ أن الاحتكام إلى مبدأ القوة لن يكون عاملا مساعدا لتجاوز الأزمات سيما وأن الحكومة ملتزمة في حماية البعثات الدبلوماسية والمقار الأمنية التي يتواجد فيه المستشارون التابعون للتحالف الدولي".

وعقب ساعات من الهجوم الأمريكي، أعلنت الفصائل المسلحة في العراق التي تطلق على نفسها تسمية "المقاومة" استهداف قاعدة عسكرية تتمركز بها قوات التحالف الدولي في مطار حرير في محافظة أربيل.

ويحذر مراقبون للشأن العراقي من أن رد الفصائل المسلحة على الهجوم الأمريكي الأخير سيتبعه رد أمريكي ربما يكون أقوى من السابق، وربما يتضمن استهداف قيادات ومواقع السيطرة في الحشد الشعبي والفصائل المسلحة.

 

ماذا تفعل الفصائل في جرف الصخر؟

ويثير وجود الفصائل المسلحة في ناحية جرف الصخر علامات استفهام حول بقائها في المنطقة السكنية بعد تهجير السكان منها بدوافع طائفية قبل تسع سنوات.

فكتائب حزب الله حولت ناحية جرف الصخر منذ استعادة السيطرة عليها نهاية عام 2014، إلى منطقة عسكرية مغلقة لا يمكن لأحد دخولها حتى القوات الأمنية العراقية ولا الوزراء الأمنيين، وهو ما حصل عندما منعت قوات الكتائب وزير الداخلية محمد سالم الغبان من دخول الجرف عام 2015.

ومنذ سنوات ترفض الفصائل المسلحة المتواجدة في الجرف عودة سكان ناحية جرف الصخر وهم من العرب السنة، فيما تؤكد تلك الفصائل صراحة أنها لن تسمح بعودة العائلات النازحة إلى الناحية في الوقت الحالي ولا مستقبلا.

ووعدت حكومة السوداني والحكومات التي سبقته، بإنهاء ملف جرف الصخر وإنهاء وجود الفصائل المسلحة فيها وإعادة النازحين إليها، لكن تلك الوعود ذهبت أدراج الرياح، وما يزال أهل الناحية نازحون خارج مناطقهم، في حين ما تزال المعسكرات التي أقامتها الفصائل موجودة لغاية اليوم، ولا أحد يعرف عما يجري في داخلها إلا عندما تتعرض للاستهداف بالقصف الأمريكي.