شتاء جديد يحل ضيفا ثقيلا على العراقيين النازحين في المخيمات التي أمضوا فيها عامهم التاسع على التوالي، بينما لا تلوح في الأفق آمال قريبة لغلق ملف النزوح في البلاد وإعادة المهجرين إلى مناطقهم لأسباب سياسية، وأمنية واجتماعية واقتصادية.
ويواجه النازحون العراقيون في المخيمات، مخاطر البرد القارس، وهطول الأمطار، مع حلول فصل الشتاء، خاصة أن أغلب هذه المخيمات تقع في إقليم كردستان العراق، حيث تنخفض درجات الحرارة بشكل كبير.
وللعام التاسع، يعيش أكثر من مليون نازح، في ظروف إنسانية صعبة، مع غياب المستلزمات الأساسية والمعيشية، وانتشار الأمراض والأوبئة، وضعف المساعدات الواصلة إلى هناك.
وعلى الرغم من مرور 6 سنوات على إعلان السلطات العراقية النصر على تنظيم داعش واستعادة جميع المناطق التي كان يسيطر عليها التنظيم منذ 2014 حتى 2017، إلا أن ملف النزوح ما يزال قائما لغاية اليوم في العديد من المحافظات العراقية.
نهاية أكتوبر/ تشرين الأول 2022، تشكلت الحكومة العراقية الحالية برئاسة محمد شياع السوداني، بعد توافق بين الكتل السياسية المتمثلة بتحالف القوى الشيعية ضمن الإطار التنسيقي، والقوى الكردية المتمثلة بالحزبين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، والقوى السنية المتمثلة بتحالف السيادة، والتي شكلت تحالف إدارة الدولة الذي بدوره اتفق على وثيقة سياسية تتضمن أبرز مطالب القوى السياسية مقابل تمرير الحكومة، ومن بين تلك المطالب إنهاء ملف النازحين في البلاد.
عام من الوعود
مضى أكثر من عام على تشكيل حكومة السوداني، وملف النازحين من جرف الصخر ومناطق يثرب وجنوب تكريت ومناطق السعدية والمقدادية في ديالى ومناطق غربي الأنبار ما يزال معلقا دون معالجات، في دليل يعكس إما غياب الإرادة السياسية في العراق على إنهاء ملف النزوح أو عجز السلطات العراقية في تنفيذ وعودها بسبب رفض جهات متنفذة وفي مقدمتها الفصائل المسلحة لعودة المهجرين إلى مناطقهم.
وكانت وزيرة الهجرة إيفان فائق قد أكدت نهاية العام الماضي على التزام الحكومة وفقا للبرنامج الحكومي بإغلاق ملف النزوح خلال 6 أشهر ومن ضمنهم النازحون من جرف الصخر.
لكن المتحدث باسم وزارة الهجرة والمهجرين في العراق علي جيهانكير أعلن عدم إمكانية غلق ملف النزوح في البلاد خلال الفترة الحالية.
وقال جهانكير، إن "الأخبار المتداولة عن عزم الوزارة على إنهاء ملف النزوح في وقت محدد عارية عن الصحة"، مشيراً إلى أن "هذا الملف يتضمن خطوات والوزارة تعمل على إزالة التحديات التي تواجهها".
وبحسب جهانكير فإن "عدد المخيمات المتبقية في كردستان يبلغ 26 مخيما يقطن فيها أكثر من 36 ألف عائلة نازحة غالبيتهم من محافظة نينوى، خاصة من قضاء سنجار ذي الغالبية الإيزيدية، حيث يبلغ عددهم نحو 27 ألف عائلة نازحة، والبقية (قرابة 10 آلاف عائلة) هم من مناطق أخرى من نينوى ومحافظة صلاح الدين وديالى وغيرها".
وفي إقليم كردستان فقط، يتواجد أكثر من 700 ألف نازح، 30 % منهم يتواجدون في مخيمات النازحين والباقي يسكنون على حسابهم الخاص، بحسب ما تعلن السلطات في الإقليم.
لا جدية لإعادة النازحين
عضو مجلس النواب العراقي رعد الدهلكي أكد عدم وجود أي خطوات فعلية من جانب الحكومة لإنهاء ملف النزوح في البلاد، فضلا عن تنفيذ باقي فقرات البرنامج الحكومي.
وقال الدهلكي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "القوى السياسية سمعت خلال العام الماضي الكثير من الوعود الطيبة بخصوص المطالب السنية في الوثيقة السياسية التي وقع عليها تحالف إدارة الدولة ولاسيما المتعقلة بملف النازحين وقانون العفو العام وإخراج الحشود من المدن والكشف عن مصير المغيبين وتعويض المتضررين وإنهاء ملف المساءلة والعدالة"، مبينا أنه "بعد مرور عام على تشكيل حكومة السوداني لم نلتمس أي خطوة لتنفيذ الفقرات والاتفاقات السابقة على أرض الواقع".
وأشار النائب الدهلكي إلى أن "ما تحقق من البرنامج الحكومي لغاية الآن هو تقديم الحكومة لقانون العفو إلى مجلس النواب والذي يتضمن إعادة تعريف المتورط بالجرائم الإرهابية".
وشدد الدهلكي على أن "إعادة النازحين إلى المدن المحررة وإخراج الفصائل المسلحة تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقة وتنفيذ عاجل من رئيس الوزراء"، مبينا أن "ملف إعادة النازحين يتوقف على القرار والإرادة الحكومية في التنفيذ ولا يتطلب تشريعا برلمانيا ليتطلب المزيد من الوقت".
وكشف البرلماني عن "وجود ضغوطات تمارسها قوى سياسية متنفذة حالت دون تنفيذ السوداني لبرنامجه وتعهداته تجاه المناطق السنية، ومن بينها ملف إعادة النازحين إلى مناطقهم".
وفيما يخص الفترة الزمنية التي يمكن من خلالها إنهاء ملف النزوح، رجح الدهلكي عدم حل هذا الملف في القريب العاجل، كما استبعد تنفيذ بنود الاتفاق السياسي خلال الفترة المقبلة المتبقية من عمر حكومة السوداني.
أكثر من مليون نازح
المنظمة الدولية للهجرة وفي تقرير لها الشهر الماضي، كشفت عن "وجود أكثر من مليون ومئة ألف نازح في عموم العراق، وبينت أن ما يزيد على 64 ألف نازح في العراق يشكلون نسبة 7% من مجموع النازحين الكلي في البلد يعيشون في ظروف سيئة جدا"، مشيرة إلى أن "أكثـرهم يتمركزون في محافظات صلاح الدين، والأنبار ونينوى وديالى".
وتذكر المنظمة الدولية في تقريرها: أنه "مع انتهاء الحرب مع داعش في العراق فإن مشكلة النزوح المزمنة أصبحت ملازمة لبيئة ما بعد الحرب في البلد"، مشيرة إلى أنه "ما يزال هناك 1.14 مليون يعيشون حالة نزوح بين ظروف معيشية شديدة القسوة ومتوسطة وقليلة الحدة، أغلبهم تقريبا نزحوا من مناطق سكناهم الأصلية ومضى عليهم في المخيمات أو مواقع النزوح أكثر من خمس سنوات".
وقالت المنظمة إنه "في ضوء ما ذكر أعلاه، فإنه من الضروري إدخال حلول مستدامة لمشكلة النزوح في العراق وذلك بتحسين ظروف المعيشة لتمكين الأشخاص النازحين من أن يتخذوا خطوات طوعية تجاه العودة لمناطقهم والاندماج مع المجتمع المحلي أو الاستقرار في أماكن ومواقع جديدة".
أسباب طائفية
الباحث والصحفي العراقي عمر الجنابي أرجع سبب بقاء النازحين خارج مدنهم بعد 9 سنوات من النزوح إلى طائفية السلطة الحاكمة في العراق والتي ترفض صراحة عودة العرب السنة الذين يشكلون أغلبية النازحين إلى ديارهم لأسباب التغيير الديموغرافي.
وقال الجنابي في حديث لشبكة "الساعة": إن "آخر تصريح لوزارة الهجرة والمهجرين العراقية وفي لقاء بين الوزيرة والسفيرة الأمريكية تحدثت عن وجود مليون وربع المليون نازح بعد تسع سنوات من النزوح"، مبينا أن "من يتابع الوضع السياسي وطبيعة تعامل النظام السياسي مع فئات الشعب العراقي لا يستغرب من بقاء النازحين في المخيمات لغاية اليوم".
وأكد الجنابي أن "العراق منذ العام 2003 شهد حملات تهجير ممنهجة وطائفية في العاصمة بغداد وحزامها وبابل وواسط ومحافظات جنوبي العراق ومحافظة ديالى، وذلك خلال حكومات إبراهيم الجعفري ونوري المالكي"، لافتا إلى أن "تهجير العرب السنة من المناطق التي شهدت عمليات عسكرية بعد العام 2014 يأتي استكمالا لحملة التهجير السابقة والتي تستهدف تغيير ديمغرافية العديد من المناطق".
وأضاف: أن "النظام الحالي في العراق هو نظام طائفي بامتياز، وملف النازحين لا يتم غلقه لأن القوى الشيعية الماسكة بالسلطات كافة ترفض إعادتهم وتنقلب على الاتفاقات السياسية التي تبرمها مع القوى السياسية السنية بشأن إعادة النازحين وغلق ملفهم"، مشددا على أنه "لا يوجد أي مبرر لبقاء النازحين كل هذه السنوات لا أمنيا ولا اجتماعيا ولا اقتصاديا".
ودعا الصحفي والباحث العراقي: "أصحاب الرأي والقوى السياسية ووسائل الإعلام إلى تسمية الأمور التي تخص النازحين بمسمياتها وتوضيح الأسباب التي تدفع نحو استمرار ملف النزوح، والتي تتمثل بطائفية السلطة الحاكمة في العراق ورفض تحالف القوى الشيعية الحاكم لإعادة النازحين العرب السنة إلى مناطقهم".
وفي وقت سابق أكد مرصد "أفاد" المعني بحقوق الإنسان في العراق أن التغيير الديمغرافي والعنصرية والطائفية والفساد الحكومي تمثل أبرز الأسباب التي تقف وراء بقاء ملف النزوح مفتوحا.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام