أكملت الحكومة العراقية برئاسة محمد شياع السوداني عامها الأول دون أن تحقق أي نتائج ملموسة على أرض الواقع في معالجة التحديات التي تواجه البلاد.
وواجه العراق في الفترة الماضية ومازال، جملة أزمات ومشاكل داخلية وخارجية ابتداء من مشكلة الدولار والبطالة وقلة الخدمات والفساد المالي والإداري والمحاصصة الحزبية والسلاح المنفلت ومشكلة النازحين والمغيبين قسرا ووجود عشرات الآلاف من المعتقلين الأبرياء، وصولا إلى التهديدات التي تطلقها الفصائل المسلحة القريبة من إيران لتحويل الأرض العراقية إلى ساحة صراع مع القوات الأمريكية والتحالف الدولي على خلفية التصعيد الأخير في الأراضي الفلسطينية والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
في السابع والعشرين من تشرين أول/ أكتوبر صوت مجلس النواب على منح الثقة لحكومة السوداني بعد صراع طويل بين طرفي البيت الشيعي "الإطار التنسيقي" و "التيار الصدري"، وفي الجلسة نفسها صوت البرلمان على البرنامج الحكومي الذي قدمه السوداني والذي كان انعكاسا لوثيقة الاتفاق السياسي الذي وقعت عليه القوى السياسية في تحالف "إدارة الدولة" الذي شكل الحكومة الحالية.
تضمن وثيقة الاتفاق السياسية التي كانت شروطا للتصويت في البرلمان على منح الحكومة الثقة، إنهاء وجود الفصائل المسلحة في المدن والأحياء السكنية، وإطلاق برنامج حصر السلاح بيد الدولة، وإعادة النازحين، وإنهاء ظاهرة المدن منزوعة السكان التي تستولي عليها مليشيات حليفة لإيران.
كما شملت الاتفاق على تمرير قانون العفو العام، الذي يستهدف بالدرجة الأولى أولئك الذين انتزعت منهم اعترافات تحت التعذيب أو بوشاية المخبر السري، وإتاحة محاكمات عادلة لهم مجدداً، وتعويض المتضررين من العمليات الإرهابية والأخطاء العسكرية، والكشف عن مصير المختطفين، ومعالجة أزمة السكن، وإطلاق إستراتيجية مكافحة الفقر والبطالة، وتشكيل محكمة مستقلة لملفات الفساد، وتنفيذ إصلاحات في القطاعات الاقتصادية والمالية والخدمية، وإلغاء هيئة "المساءلة والعدالة" وتحويلها إلى ملف قضائي بعيداً عن التسييس، وتقديم مشروع لتعديل بعض فقرات الدستور الحالي، وإجراء انتخابات محلية، والتحضير لانتخابات برلمانية تشريعية في غضون عام واحد، بعد إقرار قانون الانتخابات، إلى جانب إقرار قانون النفط والغاز، والتفاهم الأمني على المناطق المتنازع عليها مع إقليم كردستان، وتنفيذ اتفاق سنجار القاضي بإنهاء سيطرة حزب العمال الكردستاني على القضاء وسحب الفصائل المسلحة.
القوى السياسية السنية المتمثلة بتحالف "السيادة" برئاسة خميس الخنجر وتحالف "تقدم" برئاسة محمد الحلبوسي رئيس البرلمان، ترى أن حكومة السوداني لم تنفذ بنود البرنامج الحكومي الخاص بمناطقها، ولا سيما الخاصة بقانون العفو العام والكشف عن المغيبين وإعادة النازحين لمناطقهم وفي مقدمتها جرف الصخر.
كما ترى القوى الكردية "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و "الاتحاد الوطني الكردستاني" أن حكومة المركز لم تنفذ ما عليها من تعهدات خاصة بقانون النفط والغاز ورواتب إقليم كردستان وحصتها من الموازنة وإدارة المناطق المتنازع عليها.
كما ترى أطراف شيعية أن السوداني لم يحقق فقرات الاتفاق السياسي الخاصة بملفات محاربة الفساد وتقديم الخدمات ومعالجة البطالة رغم مساعي الحكومة التي بذلت في هذا المجال.
عدم تنفيذ البرنامج الحكومي
عضو مجلس النواب العراقي رعد الدهلكي أكد أن "القوى السنية لم تلتمس أي خطوات فعلية لتحقيق البرنامج الحكومي على أرض الواقع".
وقال الدهلكي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "القوى السياسية العراقية تأملت قبل عام بترشيح محمد شياع السوداني إلى منصب رئاسة الوزراء كونه ابن العراق ومن أنصار دولة المؤسسات، والأهم من ذلك أنه بعيد عن العقد التي كانت موجودة في رؤساء وزراء قبله وبعيد عن منظومة الفصائل المسلحة".
وأضاف: أنه "خلال العام الماضي سمعنا الكثير من الوعود الطيبة بخصوص المطالب السنية في الوثيقة السياسية التي وقع عليها تحالف إدارة الدولة ولاسيما المتعقلة بملف النازحين وقانون العفو العام وإخراج الحشود من المدن والكشف عن مصير المغيبيبن وتعويض المتضررين وإنهاء ملف المساءلة والعدالة"، مبينا أنه بعد مرور عام على تشكيل حكومة السوداني لم نلتمس أي خطوة لتنفيذ الفقرات والاتفاقات السابقة على أرض الواقع.
وأشار النائب الذي يرأس تحالف العزم في محافظة ديالى، إلى أن ما تحقق من من البرنامج الحكومي لغاية الآن هو تقديم الحكومة لقانون العفو إلى مجلس النواب والذي يتضمن إعادة تعريف المتورط بالجرائم الإرهابية.
وشدد الدهلكي على أن "فقرات البرنامج الحكومي تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقة وتنفيذ عاجل من رئيس الوزراء كملف إعادة النازحين الذي يتطلب تشريع قانون في البرلمان كما هو شأن قانون العفو".
ولفت البرلماني العراقي إلى أن "الهدوء كان سيد الموقف خلال العام الماضي، ودعم القوى السياسية كان مفتوحا للسوداني لكن رغم ذلك لم ينجز من بنود البرنامج الحكومي إلا القليل"، مؤكدا "وجود ضغوطات تمارسها قوى سياسية حالت دون تنفيذ السوداني لبرنامجه وتعهداته تجاه المناطق السنية".
وتابع الدهلكي: أن "الحكومة لم تخفق في تنفيذ البرنامج الحكومي تجاه القضايا السنية فقط، بل حتى القضايا الكردية والقضايا الوطنية العراقية الأخرى، وفي مقدمتها ملف الدولار الذي ما يزال ينهار دون حلول حكومية".
ووصف الدهلكي حكومة السوداني بأنها أشبه بـ "حكومة تصريف أعمال وليست حكومة حقيقية لأنها عاجزة عن تنفيذ أي من تعهداتها التي قطعتها على نفسها أمام الشعب العراقي، فيما استبعد تنفيذ بنود الاتفاق السياسي خلال الفترة المقبلة المتبقية من عمر حكومة السوداني، مرجحا أن تكون المرحلة المقبلة أسوأ من الفترة السابقة إلا إذا كان للسوداني موقفا واضحا تجاه تعهداته التي أكد العمل على تنفيذها في فترة حكومته".
الغدر والتنصل السياسي
من جهته؛ استبعد الناشط السياسي العراقي عبد القادر النايل تنفيذ فقرات البرنامج الحكومي خلال حكومة السوداني، مشددا على أن الغدر والتنصل السياسي الذي يفرض وجوده داخل الإطار التنسيقي هو السبب الرئيس وراء عدم تنفيذ الاتفاقات السياسية.
وقال النايل في حديث لشبكة "الساعة": إن "العام الأول مر من عمر حكومة السوداني ولم تستطع تنفيذ البرنامج الحكومي الذي تعهدت به أمام الشعب العراقي والذي جاء بناء على الاتفاق السياسي في تحالف إدارة الدولة رغم أن الاتفاق السياسي خضع لتعهدات إقليمية من الجانب الإيراني ودولية من الجانب الأمريكي وعربية من إحدى الدول العربية".
وأضاف أن "حكومة السوداني تمشي بنفس الأطر التي مشت عليها الحكومات السابقة، وأن الحكومة الحالية انشغلت بملفات هامشية منها إجراء انتخابات مجالس المحافظات وإقامة بعض البطولات الرياضية، بينما تركت الملفات المهمة الرئيسية للشعب العراقي ومنها انهيار الدولار؛ إذ وعدت الحكومة بإعادة الصرف إلى 1300 دينار للدولار الواحد فيما الدولار يواصل الارتفاع إلى أرقام غير مسبوقة بسبب استمرار تهريب الدولار وعدم السيطرة على عمليات غسيل الأموال"، موضحا أن "الحكومة نفذت 10% فقط من برنامجها الحكومي على الأرض".
ولفت النايل إلى أن "الموازنة المالية للعام 2023 لم تباشر الحكومة الحالية بتنفيذها لغاية اليوم، وهو أمر بالغ الخطورة حسب وصفه، متسائلا، هل الموازنة العراقية تخضع للسيادة العراقية أم أن تنفيذها يقتضي الحصول على الموافقات الدولية؟".
وتابع النايل: أن "حكومة السوداني تنصلت أيضا عن وعودها الخاصة بالمدن السنية، والتي تتمحور حول قضايا 3 رئيسية الأولى قضية النازحين وإعادتهم لمناطقهم، والثانية قضية إخراج الحشود من المدن وفي مقدمتها جرف الصخر، والثالثة إقرار قانون العفو العام".
وأكد أن "الغدر والتنصل السياسي التي يمارسها الإطار التنسيقي هي السبب وراء عدم تنفيذ المطالب السنية ويظهر ذلك من خلال ومهاجمة قانون العفو العام، والتصريحات التي تطلق من قادة الحشود الرافضة للانسحاب من المدن، إضافة لمنع عودة النازحين لمناطقهم في جرف الصخر وناحية عزيز بلد في صلاح الدين وقرى المقدادية في ديالى وقضاءي سنجار وتلعفر في نينوى ومنطقة الفوسفات غربي الأنبار".
وزاد أن "الخلافات داخل البيت السني أضعفت هي الأخرى الموقف من المطالب السنية الواردة في البرنامج الحكومي، فالقوى السنية تشضت وأصبح كل منها يحاول التقرب إلى الإطار للحصول على مكاسب حزبية شخصية على حساب المطالب الرئيسية للمكون السني".
وختم النايل حديثه بالقول: إن "الطائفية السياسية والغدر ونهج التنصل السياسي الذي يهيمن على الإطار التنسيقي ستجعل من تنفيذ فقرات البرنامج الحكومية أمرا مستبعدا في الوقت الحالي وفي السنوات المقبلة أيضا".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام