يتكرر الحديث في العراق عن الفساد المالي والإداري وسرقة المال العام وتهريبه إلى الخارج طيلة السنوات العشرين الماضية، دون معرفة مصير الأموال المسروقة والمهدورة.

اللافت أن جميع المسؤولين العراقيين والأحزاب السياسية والحكومات المتعاقبة على السلطة رفعوا شعار محاربة الفساد والحفاظ على الأموال العامة واستغلالها لتعزيز القدرة الاقتصادية والبنية التحتية ورفع مستوى الخدمات، لكن الوضع بقى على ما هو عليه أو ازداد سوءا بحسب رؤية الكثير من العراقيين.

وخلال السنوات الأخيرة، برزت في العراق شريحة محدودة فاحشة الثراء اكتسبت أموالها بطرق مشبوهة أو مجهولة خلال فترات زمنية قصيرة.

ويؤكد باحثون للشأن العراقي أن الأموال التي تمتلكها هذه الشريحة والتي يصفها البعض بالمافيات، جاءت نتيجة ارتباطها بشكل غير مباشر مع مسؤولين حكوميين وجهات حزبية ومسلحة.

 

نخبة الأثرياء الجدد

دراسة لمركز الأبحاث الفرنسي (CFRI) حول العراق كشفت عن وجود طبقة من الأغنياء العراقيين يمتلكون مليارات الدولارات، وأكدت أن تلك الطبقة تضم كبار المسؤولين التنفيذيين في الأحزاب السياسية والفصائل المسلحة ومديري الشركات التابعة لهم.

وأشار المركز الفرنسي إلى اتساع حجم الفوارق بين الطبقات المجتمعية في بلد يطفو على بحر من الثروات وانقسام المجتمع إلى طبقات عليا تعيش الترف يمثلها الأقلية من الشعب وطبقة دنيا تحت خط الفقر تصارع من أجل البقاء، بسبب الفساد المستشري وسوء إدارة موارد الدولة

وذكرت الدراسة: أن "هناك 36 مليارديرا يمتلكون أكثر من مليار دولار، وأكثر من 16 ألف مليونير يمتلكون أكثر من مليون دولار في العراق"، وبينت أن "هذه الأقلية المميزة تتكون من كبار المسؤولين التنفيذيين في الأحزاب السياسية ومنظمات الميليشيات، فضلا عن مديري الشركات التابعة لهم، والنواب والوزراء الحاليين أو المتقاعدين، والعائلات التي تنتمي إلى البرجوازية العليا والدنيا، والمجموعات الإعلامية المؤثرة، ومديري الشركات المتوسطة، أو الكبيرة المرتبطة بدول النظام الإقليمي".

وبحسب الدراسة فإنه "منذ عام 2003 كانت قضية العدالة الاجتماعية في قلب الاحتجاجات المختلفة، لأسباب كثيرة ومعقدة"، لافتة إلى "المجتمع العراقي منقسم الآن بين طبقة عليا حيث تعيش الأقلية بشكل مريح وطبقة دنيا حيث الأغلبية تناضل بشدة من أجل البقاء. وبين الاثنين، اختفت ببساطة الطبقة المتوسطة التي كانت حاضرة إلى حد كبير بين السبعينيات والتسعينيات".

وأوضحت أن لدى هذه الطبقة إمكانية الوصول إلى السلع التي نادرًا ما تكون متاحة للسكان الأكثر حرمانًا، والسكن في مجمعات جديدة مبنية وفقًا للنموذج الغربي، ومدارس مستقلة باللغة الإنجليزية لأطفالهم، وحمامات سباحة، وملاعب، وحدائق، ومناطق ترفيهية، ومسارح ودور سينما، ووجهات مميزة لقضاء العطلات مثل إسطنبول ولندن وواشنطن وباريس، أو السفر على درجة رجال الأعمال أو كبار الشخصيات.

 

 

هشاشة الدولة

أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد إياد العنبر وصف طبقة الأثرياء في العراق "بالطبقات الطفيلية الصاعدة"، وقال في مقال منشور له تابعته شبكة "الساعة": إن "هذه الطبقة تضم رجالات السياسة وزعماء الحروب والجماعات المسلحة وشخصيات ترتبط بالمكاتب الاقتصادية للأحزاب السلطوية، وكذلك شخصيات ترتبط بصلات قرابة مع القيادات السياسية، ورجال الأعمال المقربين من الحكومات أو الزعامات السياسية. ومن ثم، فإن هذه الطبقة الطفيلية باتت تضم خليطا من مافيات وميليشيات ورجالات السياسة وحاشيتهم".

وقال العنبر إن "صعود المافيات والطبقات الطفيلية يرتبط طرديا بهشاشة الدولة وتغول الفساد فيها، فهذه الطبقات تنمو وتزدهر في ظل غياب القانون واستمرار العلاقة بين الفساد ومنظومة الحكم".

وأضاف: "ما دامت الطبقة السياسية تعتقد أن السيطرة على المجال السياسي هو المنفذ الوحيد لإدامة حصولها على النفوذ، وأن بقاءها في السلطة هو الضامن الوحيد لاستمرار تدفق ثرواتها، فإنها ستعمل على إدامة الفوضى التي تمكنها من بسط نفوذها وسيطرتها على المال العام، وحتى تستعيد الدولة عافيتها وسطوتها ستبقى هذه المافيات والطبقات الطفيلية تحظى بالسطوة والنفوذ السياسي والاقتصادي".

واستدرك: "عندما تتحالف مافيات السياسة والاقتصاد والسلاح المنفلت وتدير المنظومة السلطوية، فلا يمكن أن تنتج إلا نظام الكليبتوكراسية (Kleptocracy) أو حكم اللصوص، وهو النظام الذي يسمح بالفساد وسرقة المال العام والخاص من خلال تسهيل استغلال المناصب الإدارية والسياسية من القائمين على مرافق الدولة. وهو التوصيف الأدق لنظام الحكم في العراق".

وذكر أيضا: أن "رئيس الجمهورية السابق برهم صالح تحدث عن وجود مؤشرات ومعطيات تخمّن بأن ما لا يقل عن 150 مليار دولار من صفقات الفساد، تم تهريبها إلى الخارج منذ 2003! وبالتأكيد هذه الأموال تقاسمتها شخصيات من الطبقة السياسية ومن يرتبط بها، وتم تهريبها إلى خارج العراق أو تحويلها إلى عقارات أو استثمارات في داخل العراق وخارجه، ومن ثم أصبحت رأسمال المافيات الصاعدة التي بدأت بالانتقال نحو عالم الرفاهية وطبقة رجال الأعمال".

 

فقدان الأموال

ونشرت مؤسسة عراق المستقبل للدراسات والاستشارات الاقتصادية، دراسة تفيد بفقدان 158 ترليون دينار عراقي (110) مليار دولار أمريكي من الفائض التراكمي في الموازنات العراقية.

وقال رئيس المؤسسة منار العبيدي، في تصريح لشبكة "الساعة"، إن "مجمل إيرادات الدولة العراقية منذ العام 2004 ولغاية 2021 بلغت ألفًا و390 ترليون دينار عراقي أي ما يقارب الترليون دولار أمريكي".

وتابع أن "مجمل مصروفات الدولة في تلك الفترة بلغت نحو ألف و231 ترليون دينار عراقي، أي أن الفائض التراكمي بلغ قرابة الـ 158 ترليون دينار عراقي أي ما يقارب الـ 110 مليار دولار أمريكي"، وأضاف أن "السؤال الذي يجب أن يطرح أين ذهبت الـ 158 ترليون دينار عراقي".

وأوضح العبيدي، أن "هنالك كارثة كبيرة تعرف بالسلف تجاوزت قيمتها الـ 147 ترليون دينار عراقي والتي تمنح خارج التعليمات والقوانين".

 

أمراء الحروب

وعلى ما يبدو فإن الأموال المفقودة والمهربة إلى الخارج قد ذهبت لحساب مافيات الأثرياء الجدد الذين تحولوا إلى متحكمين بالقرار في العراق.

الباحث في الشأن العراقي غانم العابد يرى أن مافيات الفساد في البلاد تقسم من الناحية الزمنية إلى قسمين، الأولى مافيات ما قبل أحداث حزيران عام 2014، والتي كان ثراؤها من أموال الفساد والعمولات والصفقات التي جرت بتواطؤ جهات سياسية وحكومية.

وأوضح في تصريح لشبكة "الساعة" أن "المافيات الثانية هي التي تتكون من أمراء الحروب وقادة الفصائل الذين زاد نفوذهم بعد العمليات ضد تنظيم داعش، وذلك من خلال استيلائهم على المشاريع والثروات في المناطق المحررة فضلا عن سيطرتهم على الأنشطة الاقتصادية في تلك المناطق".

وأكد العابد أن "تجمع الأموال بيد مافيات الفساد خلق طبقة من الأثرياء الذين باتوا اليوم يتحكمون بمراكز صنع القرار والمناصب".

وأشار العابد إلى أن "الثراء الفاحش لمافيات المال الجديدة يقابله وجود ملايين من العراقيين الذين يعيشون تحت خط الفقر، وملايين آخرين يعانون من البطالة وانعدام فرص العمل لأصحاب الشهادات والخريجين".

ولفت إلى أن "الأجهزة الرقابية قد تعمل على اعتقال صغار الموظفين والمخالفين وسارقي المال لكن لا أحد يجرؤ على محاسبة حيتان الفساد وسارقي الأموال"، مبينا أن "سرقة القرن وإطلاق سراح المدانين بالسرقة فيها خير دليل على امتلاك منظومة الفساد للنفوذ وتحكمهم بمصادر القرار في البلاد".

ووفقا لإحصاءات رسمية تتصدر محافظات الجنوب معدلات الفقر، ففي مقدمتها محافظة المثنى بنسبة 52 %، وتليها محافظة القادسية وميسان وذي قار بنسبة 48 %، وتبلغ نسبة الفقر في العاصمة بغداد 13 %، وفي محافظة نينوى 34.5 %، في حين تصل نسبة الفقر في محافظات الوسط إلى 18 %.

وكانت الإحصائية الرسمية التي أعلنت عنها وزارة التخطيط لعام 2022، قدرت عدد العراقيين الذين هم تحت خط الفقر بأكثر من 10 ملايين مواطن بنسبة تجاوزت 25 %، وأن هذه النسبة ارتفعت مقارنة بعامي 2019 و2020، حيث كانت لا تتجاوز 20 %.

 

المال العام "مجهول المالك"

ولا يستبعد البعض ظهور شريحة الأغنياء الجدد بسرقة المال العام الذي تقوده أحزاب متنفذة في إدارة الدولة بفتاوى سابقة لمراجع دينية في العراق.

النائب فائق الشيخ كشف في تصريحات سابقة أن الأحزاب الدينية في العراق كغيرها من الأحزاب تسرق المال العام ومتورطة بصفقات الفساد، لكن المشكلة في أن الأحزاب الدينية تسرق وتبرر سرقاتها من الناحية الشرعية.

وأضاف الشيخ علي أن "الإسلام السياسي في العراق يعتبر المال العام مالا مجهول المالك ويحق للجميع استثماره والأخذ منه خارج إطار الدولة أو داخلها".

وكانت مراجع دينية شيعية رئيسية في العراق قد أفتت بأن المال العام هو مال مجهول المالك، ووفق هذه الفتاوى يتم الاستحواذ على المال العام كما يرى مراقبون.

 

الفساد الممول الأبرز

الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد عيد أكد أن "صفقات الفساد الكبيرة وتحكم الفصائل المسلحة بالأنشطة الاقتصادية تعتبر أهم المنافذ لتمويل طبقة الأثرياء الجدد في العراق".

وقال عيد في حديث لشبكة "الساعة" إن "العديد من الجهات السياسية تمكنت من السيطرة على منافذ مهمة لتوفير الأموال الطائلة عبر مكاتبها الاقتصادية، مع وجود شخصيات ارتفعت إراداتها المالية بطرق احتيال غير مشروعة".

وأضاف: أن "أهم المنافذ التي تدر أموالاً طائلاً لهذه الجهات والشخصيات هي صفقات الفساد المشبوهة وعمليات الرشوة المنتشرة في جميع مفاصل الدولة العراقية، والتي تتم عبر وكلاء في مناصب معينة ومنها وزارات سيادية".

وأشار عيد إلى "السلاح المنفلت هو الآخر باب من أبواب التمويل لتلك الجهات من خلال فتح المجال للميليشيات بفرض سطوتها على الكثير من المواقع سواء كانت تجارية عبر الضغط على التجار وأصحاب رؤوس الأموال بدفع إتاوات بمبالغ نقدية طائلة، كما هو الحال في سيطرة الميليشيات على أسواق الجملة الرئيسية وسوق البورصة".