قصف "إسرائيلي" غير مسبوق يستهدف قطاع غزة، وتحضيرات لبدء عملية عسكرية برية لاتياج القطاع للقضاء على حركة المقاومة الفلسطينية "حماس"، وتصعيد بالصواريخ جنوب لبنان بين حزب الله والاحتلال الإسرائيلي، وتهديد بدخول المعركة من قبل الفصائل المسلحة العراقية، وقصف يستهدف القواعد العسكرية الأمريكية في العراق، ما سبق أبرز التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الأسبوع الماضي.
وتأتي هذه التطورات عقب عملية طوفان الأقصى التي نفذتها المقاومة الفلسطينية في منطقة غلاف غزة فجر السابع من تشرين أول/ أكتوبر الجاري.
يتزامن مع التطورات الأخيرة تحذيرات إيرانية من اتساع نطاق العمليات العسكرية جراء الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة.
آخر التحذيرات الإيرانية جاء على لسان وزير خارجيتها حسين أمير عبد اللهيان الذي حذر كلا من الولايات المتحدة الأميركية و"إسرائيل" من خروج الوضع في المنطقة عن السيطرة، ما لم توقف إسرائيل اعتداءاتها على قطاع غزة.
وقال عبد اللهيان إن "المنطقة اليوم أشبه ببرميل بارود، وأريد أن أحذر الولايات المتحدة والنظام الصهيوني بأنه في حال لم يضعا حدا وبشكل فوري للجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية في غزة، فكل الاحتمالات ممكنة في أي لحظة، والوضع في المنطقة سيصبح خارجا عن السيطرة".
الولايات المتحدة الامريكية والغرب قابلا تلك التحذيرات بتحذيرات مقابلة لطهران من الانخراط في الصراع بين "إسرائيل" والمقاومة الفلسطينية "حماس".
ويرى مراقبون للأوضاع أن إيران لن تدخل الحرب التي هددت مرارا بدخولها، كما يرون أن الفصائل القريبة منها في المنطقة لن تدخل المواجهة أيضا لاسيما حزب الله والنظام السوري والفصائل العراقية، لأن إيران لا تريد أن تخسر أجنحتها في المنطقة.
تصعيد الفصائل
خلال الأسبوعين الماضيين لوحت الفصائل العراقية بدخول المواجهة إذا استمر العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، لكنها رهنت المشاركة في المواجهة بعاملين: الأول، إن طلبت تطلب المقاومة الفلسطينية ذلك، والثانية دخول الجانب الأمريكي إلى المعركة.
وبعد دقائق معدودة من عملية طوفان الأقصى التي خلفت نحو 1500 قتيلا إسرائيليا، أعلنت واشنطن دعمها العسكري المباشر للاحتلال الإسرائيلي، وأرسلت الآلاف من مقاتليها إلى الأراضي المحتلة تمهيدا لمشاركتهم في عملية اقتحام قطاع غزة، كما قامت بنقل أسحلة ومعدات عسكرية لإسرائيل، إلى جانب نقل حاملات طائرات وقطع عسكرية إلى المنطقة لضمان تحييد حزب الله اللبناني وباقي الفصائل المسلحة القريبة من إيران ومنها من دخول المواجهة.
الأسبوع الماضي شنت الفصائل المسلحة في العراق سلسلة هجمات استهدفت قواعد أمريكية عسكرية في بغداد (قاعدة فكتوري) قرب مطار بغداد، وأربيل (قاعدة الحرير) قرب مطار أربيل، والأنبار (قاعدة عين الأسد) في ناحية البغدادي.
كما شملت هجمات الفصائل العراقية قاعدة "التنف" العسكرية التابعة للتحالف الدولي قرب الحدود العراقية السورية الأردنية والذي تبنته ما تعرف بـ "المقاومة الإسلامية بالعراق" عبر طائرات مسيرة.
الفصائل لا تحرق جميع أوراقها
الباحث السياسي العراقي عباس العرداوي توقع تصاعد ضربات الفصائل العراقية ضد الأهداف والمصالح الأمريكية على خلفية دعم واشنطن للاحتلال الإسرائيلي في العدوان على قطاع غزة.
وقال العرداوي المعروف بقربه من الفصائل المسلحة العراقية في حديث لشبكة "الساعة": إن "ما جرى خلال اليومين الماضيين من استهداف للقواعد الأمريكية في العراق رسائل لواشنطن لوقف دعم العدوان على غزة"، واصفا موقف الفصائل بأنه "الموقف المطلوب والأخلاقي والمتوقع الذي يعبر عن إدارة شعوب المنطقة".
وأضاف: أن "الفصائل المسلحة تقوم باستهداف القوات الأمريكية بشكل متصاعد حيث أنها لاتقوم بحرق جميع أوراقها، تحسبا لتطورات مقبلة في المواجهة".
وتابع العرداوي: أن "الكيان الصهيوني" أقل من أن يواجه محور المقاومة فهو يخشى دخول غزة بعد تهديدات حزب الله بدخول المعركة من جبهة الشمال، وتهديدات إيران بالتدخل المباشر".
وعن إمكانية تسبب تحركات الفصائل بعقوبات ضد العراق، قال العرداوي: إن "التحرك باتجاه ضد القواعد الأمريكية لا يحرج الحكومة العراقية، بل سيكون ورقة لصالحها لفرض قراراتها وإرداتها"، فيما توقع "صدور المزيد من العقوبات الأمريكية ضد الفصائل المسلحة ومنها الادراج على لوائح الإرهاب وتحجز الأموال وغيرها من العقوبات".
الفصائل أضاعت بوصلة المواجهة
لكن السياسي العراقي المعارض أحمد الأبيض ذهب بعكس ما أعلنته الفصائل المسلحة، ووصف حراكها الأخير التصعيدي تجاه القواعد العسكرية الأمريكية بأنه محاولة للابتزاز ليس أكثر.
وقال الأبيض في حديث لشبكة "الساعة": إن "الفصائل المسلحة رفعت شعار المقاومة ضد القوات الأمريكية وضد "إسرائيل" في حال الهجوم على قطاع غزة، ولكن الهجوم نفذ والدعم الأمريكي قدم لإسرائيل لكن الفصائل لم تتحرك على الأرض"، وتوقع أنها "ستبقى تطلق الشعارات الغارغة دون تنفيذ".
وأكد الأبيض أن "الفصائل التي ترتبط بإيران لن تدخل المواجهة، ولو كانت تنوي الدخول لدخلت منذ اليوم الأول من جبهة جنوب لبنان حيث يتواجد حزب الله اللبناني"، مشيرا إلى أن "الفصائل ضيعت بوصلة المواجهة من خلال محاولتها الاعتصام على الحدود الأردنية لدعم غزة، بينما كان يفترض أن يكون طريقها لدعم غزة عبر الجولان حيث يتواجد النظام السوري الحليف لها، أو عبر جنوب لبنان".
وأضاف: أن "ما تقوم به الفصائل اليوم من استهدافات للقواعد العسكرية الأمريكية هي مجرد استعراضات ليس إلا، لأن هذه الفصائل التي وصفهم بالأدعياء تخلوا عن قضايا الأمة المصيرية ومنها قضية فلسطين"، مبينا أنها "لن تدخل في جبهة المواجهة ولا يتوقع منها ذلك لكنها حاضرة دائما برهن العراق بالقرار الإيراني ونظام ولاية الفقيه وتوجيه الرسائل بأنها موجودة على الأرض في العراق فقط".
عقوبات اقتصادية ضد الحشد
ومع استمرار الفصائل المسلحة في التصعيد ومهاجمة القواعد العسكرية الأمريكية في العراق، فإن واشنطن ستبقي أمامها جملة الخيارات في التعامل مع الملف العراقي، يبدأ بتوجيه ضربات قاسية للفصائل المسلحة، مرورا بالعقوبات الاقتصادية وتضييق الخناق على العراق في ملف منح الدولار وتجميد موازنة الحشد الشعبي، ووصولا إلى غلق السفارة الأمريكية في بغداد.
خلال الهجمات التي تعرضت لها السفارة الأمريكية والقواعد العسكرية للجيش الأمريكي عقب مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني عام 2020، هددت الخارجية الأمريكية بغلق السفارة الأمريكية في بغداد إذا استمرت الهجمات الصاروخية التي تستهدفها.
الباحث في الشأن العراقي مهند الجنابي قال في حديث لشبكة "الساعة": إن "ردة الفعل الأمريكية ترتبط بفاعلية الضربات الصاروخية على المصالح الأمريكية في العراق"، وبين أنه "حتى الآن ورغم تعرض قاعدتي عين الأسد وحرير لضربات متواصلة لليوم الخامس على التوالي، إلا أن جميع هذه الضربات ذات طابع إعلامي وفيه رسائل للرأي العام مفادها أن الفصائل التي كانت تتوعد الوجود الأمريكي وترفع شعار تحرير القدس حاضرة في الميدان"، لافتا إلى أن "ضربات تلك الفصائل في الحقيقة لا تؤثر أو تعيق الدعم الأمريكي للاحتلال الإسرائيلي".
وأضاف الجنابي: أن "احتمالية التدخل الأمريكي يرتبط اولاً بقيام الفصائل تنفيذ ضربات دقيقة يترتب عليها استهداف لجنود القوات الاستشارية الأمريكية، عند ذاك ممكن توقع رد فعل أمريكي حازم"، مرجحا أن "لا يكون الرد عسكرياً، كون الولايات المتحدة تشدد على عدم توسيع نطاق الحرب في غزة وتحرص على عدم إعطاء مبرراً عبر توجيه ضربات غير محسوبة التداعيات تجاه الفصائل"، منوها إلى أن "واشنطن ستدفع باتجاه تفعيل أدوات أكثر تأثيراً على الحكومة العراقية وتحميلها مسؤولية أمن القوات الأمريكية، ومن بين هذه الأدوات توسيع نطاق العقوبات الاقتصادية، وإدراج بعض المسؤولين العراقيين على لوائح المطالبة القانونية، وتجميد موازنة الحشد الشعبي من الموازنة العامة الاتحادية، وغيرها من الأدوات التي قد تستخدم تدريجياً بحسب مستويات التصعيد".
الرد العسكري الأمريكي المباشر
لكن السياسي العراقي القريب من واشنطن انتفاض قنبر يؤكد أن ردة الفعل الأمريكية تجاه العراق ستكون قوية للغاية، وأنها ستستهدف الفصائل المسلحة عسكريا وبشكل مباشر.
وقال قنبر في حديث لشبكة "الساعة": إن "تصعيد الفصائل غرضه إرسال رسائل تخويف لأمريكا لمنعها من التدخل في الصراع الدائر في غزة، لكن واشنطن دخلت في المواجهة بشكل حذر بسبب وجود رهائن أمريكيين مختطفين لدى حركة حماس، وهذا الموضوع له تأثير كبير على سير الانتخابات المقبلة في الولايات المتحدة، وهو سبب الخطوات الأمريكية الحذرة في التعاطي مع الأوضاع حاليا".
وأضاف قنبر: أن "إنهاء واشنطن لملف الرهائن ربما يفتح الباب أمام احتمالية دخولها في مواجهة كبرى مع الفصائل القريبة من إيران في المرحلة المقبلة".
وعن طبيعة الرد الأمريكي على الهجمات التي تتعرض لها قواعدها في العراق أكد السياسي العراقي أن "الرد العسكري المباشر والقوي على تلك الفصائل سيكون حاضرا، إلى جانب استمرار العقوبات الاقتصادية على الجانب الإيراني وعلى العراق في ملف الدولار الذي يذهب إلى العراق، وربما يشمل حظر تدفقات الغاز والكهرباء الإيراني إلى العراق خلال المرحلة المقبلة كنوع من العقوبات الاقتصادية".
وعلى ما يبدو فإن هجمات الفصائل على القواعد الأمريكية ستحرج حكومة محمد شياع السوداني أو ما تعرف بحكومة الإطار التنسيقي، لأنها ترتبط مع الولايات المتحدة باتفاقيات تعاون أمني تتضمن حماية القواعد الأمريكية التي تتواجد في العراق بطلب من السلطات العراقية، لغرض محاربة تنظيم داعش من جهة ولتدريب القوات العراقية من جهة أخرى.
ويرى البعض أن تصعيد الفصائل المسلحة ضد المصالح الأمريكية يحمل الكثير من التناقضات، فالحكومة الحالية برئاسة السوداني شكلت من قبل الإطار التنسيقي "تحالف الفصائل المسلحة"، والحكومة بعد تسلمها السلطة أعلنت أنها شريكا استراتيجيا للولايات المتحدة وتعهدت بحماية القواعد والقوات الأمريكية المنتشرة في العراق والتي تهددها بالاستهداف اليوم ذات الجهات التي شكلت الحكومة العراقية!
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام