لا أماكن آمنة في قطاع غزة.. فجميع المواقع متاحة لآلة الاحتلال الإسرائيلي بما فيها المستشفيات التي جُرم استهدافها القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة.
وفي مساء السابع عشر من تشرين أول / أكتوبر 2023، استهدف قصف شنه الاحتلال الإسرائيلي المستشفى المعمداني في غزة مخلفا 500 شهيد ومئات المصابين.
وتعتبر مجزرة المستشفى المعمداني واحدة من أكبر المجازر التي ارتكبها الاحتلال منذ بداية العدوان على القطاع والذي بدأ يوم السابع من تشرين الأول على خلفية عملية طوفان الأقصى التي نفذتها المقاومة الفلسطينية وأسفرت عن مقتل نحو 1500 عسكري ومستوطن.
ومنذ العدوان على غزة، أضحت أروقة وساحات مستشفيات القطاع ملجأ لآلاف العائلات التي كانت تأمل تجنب القصف الإسرائيلي المتواصل منذ 12 يوما، إلا أن مجزرة المستشفى المعمداني قلبت آمال الفارين من جحيم الحرب إلى مآسٍ جديدة.
القصف "الإسرائيلي" حول المستشفى الأهلي المعمداني إلى ساحة لأكبر مجزرة في تاريخ قطاع غزة، حيث أحال المئات من المرضى والنازحين إلى أشلاء مبعثرة.
أكثر من 850 شـ.ـهـ .ـيـ.ـ.ـد ومئات الجرحى بعد مـ.ـجـ.ـز.رة الاحتــ.ـلال الإسـ.ـرائـ.ـيلي في مستشفى المعمداني الأهلي في قطاع غزة.#الساعة pic.twitter.com/Dze7GOROpi
— الساعة (@alssaanetwork) October 18, 2023
خرق القوانين
بارتكاب الاحتلال مجزرة المستشفى المعمداني في غزة تكون قواته قد اخترقت القانون الدولي الإنساني الذي يوفر حماية خاصة للمستشفيات.
فالقانون الدولي الإنساني ينص على توفير حماية عامة وخاصة للمواقع المدنية وذلك في اتفاقية جنيف الرابعة (1949)، والبروتوكولين الأول والثاني لاتفاقيات جنيف (1977)، واتفاقية لاهاي (1954).
وتشمل المواقع المدنية كلا من المنازل والمدارس والجامعات والمستشفيات ودور العبادة وغيرها من المنشآت المحمية بموجب القانون، لكن جميع هذه المواقع باتت هدفا للقصف الإسرائيلي.
وخصصت حماية خاصة للمستشفيات في اتفاقية جنيف الرابعة (المادة 18)، إذ لا يجوز بأي حال الهجوم على المستشفيات المدنية المنظمة لتقديم الرعاية للجرحى والمرضى والعجزة والنساء، ويجب احترامها وحمايتها في جميع الأوقات.
وتنص الاتفاقية على عدم جواز وقف الحماية الواجبة للمستشفيات المدنية، وفق المادة الـ19.
في حين تلزم اتفاقيات جنيف الأربع -المادة الثالثة المشتركة- جميع الأطراف على وجوب جمع الجرحى والمرضى والعناية بهم.
وفي عام 1970 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار (2675) الذي ينص على أن "منطقة المستشفى أو أي ملجأ مماثل لا ينبغي أن تكون هدفا للعمليات العسكرية ولا يسمح أبدا بالهجمات العشوائية أو المستهدفة على المستشفيات والوحدات الطبية والعاملين الطبيين الذي يعملون بصفة إنسانية".
وتشكل الهجمات المتعمدة ضد المستشفيات وأماكن تجمع المرضى والجرحى مخالفة جسيمة لقوانين وأعراف الحرب، بموجب نظام روما الأساسي، في حين يشكل استهداف المستشفيات، وأماكن تجمع المرضى والجرحى، بشكل متعمد جريمة حرب، بمقتضى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وقال المتحدث باسم وزارة الصحة الفلسطينية في غزة أنه "لا يوجد مكان آمن في القطاع من قصف الاحتلال الإسرائيلي العشوائي".
وارتفعت حصيلة العدوان الإسرائيلي على غزة المتواصل منذ 12 يوما إلى 3478 شهيدا، فضلاً عن إصابة 12 ألفا آخرين، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية في القطاع.
وكيل وزارة الصحة في قطاع غزة يوسف أبو الريش قال إن "الجيش الإسرائيلي حذر المستشفى الأهلي المعمداني بقذيفتين قبل يوم من قصفه".
وأضاف: أن "إدارة المستشفى المعمداني اتصلت بمطران الكنيسة الإنجيلية في بريطانيا وأبلغته بواقعة إلقاء القذيفتين"، مؤكدا أن "المطران سارع بإبلاغ كافة المؤسسات الدولية المعنية ثم بعث رسالة طمأنة للمستشفى وطلب من إدارته مواصلة العمل".
وأكد أبو الريش أن "ممثل منظمة الصحة العالمية في القطاع الدكتور ماهر أبو ستة سأل الجانب الإسرائيلي عن أسباب عدم تحذير المستشفى قبل قصفه، فأجابه المسؤولون الإسرائيليون بأنه تم الاتصال على الهاتف ولم يرد أحد فتم التحذير من خلال هذه القذائف، وسألوه لماذا لم يخلوا المكان فورا".
وفي أول رد للاحتلال على مجزرة مستشفى المعمداني، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي بدء تحقيق بشأن القصف، فيما اتهم حركة الجهاد الإسلامي بالوقوف وراء القصف، الأمر الذي نفته الحركة واعتبرته أكاذيب يروجها العدو للتنصل من المسؤولية.
وضع مروع
وندّدت منظمة الصحة العالمية بالهجوم على المستشفى واصفة الهجوم "بغير المسبوق في نطاقه".
في حين دعا المفوّض الأعلى للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، إلى وضع حد "لهذا الوضع المروع".
ويعد "المعمداني" أقدم مشفى في قطاع غزة، وبني قبل نكبة فلسطين بأكثر من نصف قرن وسط مدينة غزة في أحد المربعات السكنية المكتظة بحي الزيتون.
ولم تكن هذه الغارة الأولى على مستشفى المعمداني خلال العدوان الإسرائيلي على غزة، فقد استهدفته طائرات الاحتلال في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2023 مما أدى إلى إصابة 4 من كوادره الطبية، وتعرض بعض أقسامه للتدمير.
ومع استهداف المستشفى المعمداني، أصبحت جميع المستشفيات وباحاتها مهددة بالقصف، بعد أن كانت طيلة الأيام العشرة الماضية ملاذا يفر إليه أهالي القطاع للخلاص من القصف الإسرائيلي.
في مستشفى ناصر في خان يونس نصبت مئات العائلات خياما أو أقامت سواتر من قماش أو بطانيات للحصول على بعض الخصوصية.
وقد امتلأت باحة المستشفى بمئات العائلات التي تنام أرضا رغم انخفاض درجات الحرارة والبرد في الليل، بينما ينام آخرون في السيارات.
ويخشى اللاجئون إلى هذه المستشفى من تكرار ما حصل في مجزرة المستشفى المعمداني، لكنهم يؤكدون عدم وجود مواقع أخرى للفرار إليها، لأن غزة جميعها مستهدفة بحسب وصفهم.
استهداف فرق الإنقاذ
وخلال الأيام الماضية استهدف القصف الإسرائيلي فرق الإنقاذ والدفاع المدني الفلسطينية ومسعفين ضمن الطواقم الطبية.
منظمة الصحة العالمية كشفت أن "الوضع الصحي في قطاع غزة يخرج عن السيطرة بسرعة منددة بالقصف الذي تعرضت له مستشفى المعمداني".
وأكدت المنظمة العالمية، أنها "شهدت هجمات إسرائيلية متواصلة على مرافق الرعاية الصحية في غزة"، مشيرة إلى "تسجيل 115 هجوما على منشآت الصحة، منذ يوم السبت الماضي".
واستهدفت قصف الاحتلال في اليوم السابع للعدوان على غزة فرق الدفاع المدني ما أسفر عن استشهاد 7 منهم.
ووصف متحدث باسم الدفاع المدني الفلسطيني في غزة الاستهداف المباشر لمقر الدفاع المدني في غزة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي بأنه جريمة حرب.
واعتبر أن "الاحتلال يضرب من جديد بعرض الحائط كل الاتفاقيات والمواثيق الدولية، وجدد المتحدث مناشدته الدول العربية تقديم المساعدة لهم، مشيرا إلى أن "المناشدات السابقة لم تلق آذاناً صاغية".
غارات الاحتـ.ـلال الإسـ.ـرائيلي تستهدف مركبات إسعاف وطواقم طبية في قطاع #غزة.#الساعة #طوفان_الأقصى pic.twitter.com/1HKqxAHfCd
— الساعة (@alssaanetwork) October 9, 2023
النيران تلاحق المسعفين
أما الهلال الأحمر الفلسطيني فأكد استشهاد 4 مسعفين وإصابة 5 آخرين جراء القصف الإسرائيلي.
كما تعرضت 8 سيارات إسعاف لأضرار مختلفة، ولحقت أضرار جسيمة بمقر الجمعية شمال قطاع غزة وغرفة عمليات الطوارئ.
وطالب الهلال الأحمر بضمان الحماية والسلامة الكاملة لمرافق الجمعية وفرقها وبعثاتها وفقا للقانون الدولي واتفاقيات جنيف.
أعلنت وسائل إعلام فلسطينية استشـ.ـهاد 4 مسعفين في قـ.ـصف الاحتلال الإسرائيلي الذي استهدف سيارة اسعاف في غزة.#الساعة #طوفان_الأقصى pic.twitter.com/kLWM620g0L
— الساعة (@alssaanetwork) October 11, 2023
الاحتلال يستهدف النازحين
الاستهداف لم يشمل المستشفيات والمسعفين وفرق الدفاع المدني فقط، لكنه شمل نازحين هربوا من المواقع المهددة بالقصف في قطاع غزة.
بحسب المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، فقد استشهد 70 فلسطينيا، بينهم أطفال ونساء في 13 تشرين أول الجاري، وأصيب أكثر من 200 آخرين، جراء قصف الاحتلال الإسرائيلي لقوافل نازحين جنوب غزة.
وأظهرت مقاطع مصورة جثثا متناثرة بينها جثث نساء وأطفال ومصاببن إضافة إلى عدد من السيارات الخاصة، وسيارات النقل بعد استهدافها بالقصف.
وقبل ذلك، دعا جيش الاحتلال الإسرائيلي في بيان جميع سكان مدينة غزة إلى إخلاء منازلهم، والتوجه جنوبا لحمايتهم، والبقاء في المنطقة الواقعة جنوب وادي غزة، لكن النزوح لم ينجيهم من القصف الإسرائيلي.
قصفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي مستودعات منظمة "الأونروا" لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في غزة.#الساعة pic.twitter.com/RFM03fBYUu
— الساعة (@alssaanetwork) October 16, 2023
تبرير أمريكي لمجزرة المعمداني
الانتهاكات الإسرائيلية تجري وسط صمت وتأييد أمريكي وغربي واضحين، وهو ما يعكسه توافد الرؤسات والمسؤولين لدولة الاحتلال.
ووصل الرئيس الأميركي جو بايدن إلى عاصمة دولة الاحتلال الإسرائيلي تل أبيب اليوم الأربعاء، في زيارة تهدف لتقديم الدعم لإسرائيل في حربها مع المقاومة الفلسطينية، وغداة مجزرة ارتكبتها إسرائيل بقصف مستشفى المعمداني مخلفا مئات الشهداء، معظمهم من الأطفال والنساء.
بايدن قال خلال لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه "أراد الحضور لإسرائيل حتى يعرف الناس فيها وفي العالم بأسره أن الولايات المتحدة تقف مع إسرائيل"، مشيرا إلى أن "واشنطن تريد أن تتأكد من امتلاك إسرائيل ما تحتاجه للرد على هجمات حركة حماس التي اعتبر أنها ارتكبت ما وصفها بفظائع في إسرائيل".
وفي تبرير أمريكي فاضح لمجزرة مجزرة مستشفى المعمداني قال بايدن لنتنياهو "حزنت وغضبت بشأن الانفجار في المستشفى المعمداني أمس الثلاثاء، ويبدو أن الجانب الآخر وراء ذلك وليس أنتم".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام