كشفت الأحداث الأخيرة في قطاع غزة والتي بدأت بعملية طوفان الأقصى فجر السابع من تشرين أول / أكتوبر الجاري، وما أعقبها من عمليات عسكرية للاحتلال الإسرائيلي تجاه قطاع غزة، الازدواجية الكبيرة في تعامل الغرب وإعلامه مع مجريات الأحداث في القضية الفلسطينية.
الموقف الرسمي الغربي عمد إلى تحويل الضحية إلى جلاد، والجلاد إلى ضحية، وحاول تلفيق الأكاذيب بشأن قيام المقاومة الفلسطينية بذبح الأطفال خلال اقتحام مستوطنات غلاف غزة، بينما يرى في قتل الأطفال والنساء في القطاع أنه دفاع إسرائيلي مشروع.
الآلة الإعلامية الغربية روجت هي الأخرى لمظلومية الجانب "الإسرائيلي" و "إرهاب المقاومة الفلسطينية"، بينما تجاهلت سلسلة المجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال في قطاع غزة، والتي تسببت باستشهاد نحو 2400 فلسطيني لغاية الخامس عشر من تشرين أول / أكتوبر، في تاسع أيام العدوان على غزة المحاصرة منذ سنوات.
في نظرة الغرب ومواقفه وتصريحات قادته تكمن ازدواجية شديدة في المعايير، وإغفال صريح لروح القانون الدولي بكل أبعاده، وتمييز صارخ في النظر إلى الشهداء الفلسطينيين سواء كانوا بالعشرات أو المئات أطفالا أو نساء، والمجازر الجماعية الكثيرة بحق الفلسطينيين، وبين القتلى الإسرائيليين الذين يستحقون وحدهم الرثاء الغربي على ما يبدو.
فالتأويل المزدوج لمقتضيات القانون الدولي أو الأعراف أو القواعد الإنسانية يؤكد التفرقة الواضحة في التعامل بين ما تقترفه إسرائيل من جرائم، وما يقوم به الفلسطينيون من دفاع مشروع عن النفس بمقتضى القانون الدولي، وقد أدى كل ذلك إلى تكريس إسرائيل فوق المحاسبة والعقاب.
تأييد أمريكي وأوروبي لـ "إسرائيل"
الاتحاد الأوروبي انضم إلى حشد من القادة الغربيين، الذين تهافتوا على "تل أبيب" لتأكيد "وقوف أوروبا إلى جانب إسرائيل".
رئيسة مفوضية الاتحاد الأوروبي أورسولا فون دير لاين، زارت رفقة رئيسة البرلمان روبرتا ميتسولا، لمواساة رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو.
وفي الوقت الذي كانت فيه فون دير لاين وميتسولا تواسيان نتنياهو، وتعدانه بدعم كامل لإسرائيل، كان عدد الشهداء في القصف الإسرائيلي العشوائي على غزة قد بلغ 1800 شهيد، بينهم 600 طفل، في حين بلغ عدد الشهداء في الضفة 45 شهيدا برصاص الجيش الإسرائيلي والمستوطنين.
وأكدت دير لاين في مداخلة لها، أن "هذا الاعتداء هو الأكثر بشاعة ضد اليهود منذ المحرقة"، وفقا لوكالة الصحافة الفرنسية، وكما نشرت قناة الجزيرة، في استدعاء له أبعاده الخطيرة في إطلاق يد إسرائيل على الفلسطينيين، وارتكاب المزيد من الجرائم.
وقبل يوم من زيارة الوفد الأوروبي، زار وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن تل أبيب مؤيدا ومساندا، ومتحدثا عما وصفه "الانضباط الإسرائيلي في الحرب على غزة"، وأن "الحملة ستستمر في هذا الانضباط".
وعلى ما يبدو فإن الوزير الأمريكي أوستن لم يطلع على لائحة شهداء غزة، التي ضمت مئات الأطفال والنساء الذين طالهم هذا "الانضباط" الذي يتحدث عنه.
وجاء موقف أوستن على منوال الرئيس جو بايدن، الذي بنى خطابه المتحيز على سردية مختلقة عن قطع رؤوس الأطفال خلال هجوم المقاومة على ثكنات غلاف غزة، وقد تبين من خلال الإعلام الأميركي نفسه أن تلك الرواية الكاذبة روجها أحد المستوطنين المتطرفين ويدعى ديفيد بن صهيون، وتلقفتها محطة تابعة لوزارة الخارجية الإسرائيلية، ثم سرت بين وسائل الإعلام الغربية من دون تدقيق، حتى وصلت إلى الرئيس بايدن فأثث بها خطابه العاطفي، قبل أن يتراجع البيت الأبيض، وكذلك عدد كبير ممن روجوها.
تكميم الأصوات المعتدلة
في الداخل الأمريكي، وفور بدء عملية "طوفان الأقصى"، بدأت حملة تقليدية متكررة من أشد أنصار إسرائيل قوة في العاصمة الأميركية، من أجل تهميش أي أصوات معتدلة تنظر للتطورات الأخيرة نظرة موضوعية بعيدا عن التأييد الأعمى لإسرائيل، ويظهر ذلك بوضوح في استخدام مصطلحات ولغة وتوصيفات إسرائيلية في مختلف وسائل الاعلام الأميركية، وحتى بين السياسيين الأميركيين.
مدير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى روبرت ساتلوف، المعروف بقربه من منظمة "أيباك" أكبر منظمات اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، والمؤيد القوي للسياسات الإسرائيلية خاصة الليكودية واليمينية منها، بدأ بهجوم مبكر على صحيفة واشنطن بوست، وذكر في تغريدة على موقع إكس متسائلا "لا إرهابيين في غزة؟ وفقا لصحيفة واشنطن بوست، فإن حماس ليست وحدها، بل حتى الجهاد الإسلامي الفلسطيني مقاتلون، هل الذبح المتعمد للمدنيين الإسرائيليين الأبرياء هو عمل المقاتلين؟
No terrorists in #Gaza? According to @washingtonpost, not only #Hamas but even #PalestinianIslamicJihad are “militants.” The purposeful butchering of innocent #Israeli civilians is the work of “militants”? https://t.co/FEEjovxG0a
— Robert Satloff (@robsatloff) October 7, 2023
وهاجمت شبكة فوكس الإخبارية استضافة شبكة MSNBC لنور عودة، الضيفة الفلسطينية التي أبرزت غياب الحديث عن "المعاملة اللاإنسانية" لإسرائيل للفلسطينيين بعد هجوم حماس، وقالت الناشطة عودة إن "الحقيقة هي وجود شعب بأكمله يعيش تحت احتلال الجيش الإسرائيلي".
وأضافت عودة أن هجوم مقاتلي حماس لم يأت "فجأة" فحسب، بل كان نتيجة للتوترات التي خلقها الإسرائيليون الذين لا يتوقفون عن مضايقة الفلسطينيين.
وخصت شبكة فوكس هجومها على المذيع "علي فيلشي" لاستضافته لها، ولتعليقه الذي جاء محايدا عند مناقشته هجوم حماس على "إسرائيل".
وقال فيلشي "لقد أُبلغنا خلال الأشهر العشرة الماضية على ما أعتقد، عن زيادة في التوترات بين إسرائيل والفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية المحتلة"، وتابع قائلا "كان هناك الكثير من المعلومات الخاطئة حول العديد من هؤلاء الفلسطينيين الذين يتعرضون للمضايقة بشكل منهجي وتهدم منازلهم، ويتم مضايقتهم من قبل المستوطنين تحت عين وحماية الشرطة، وبدعم من قوات الجيش الإسرائيلي".
وتوضيحا لوجهة نظره، أضاف فيلشي "لذلك هذا ليس من فراغ، ما رأيناه هذا الصباح، لقد كانت مفاجأة لم تكن إسرائيل مستعدة لها، لكن التوترات تغلي منذ عشرة أشهر".
في حين قالت الناشطة عودة إن "الوضع يغلي منذ أكثر من نصف قرن، منذ بدء الاحتلال الإسرائيلي"، وأشارت إلى أن "عددا قياسيا من الأطفال الفلسطينيين قتلوا على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، وعددا قياسيا من المنازل الفلسطينية هدمتها إسرائيل، وعددا قياسيا من هجمات المستوطنين الإسرائيليين ضد القرى الفلسطينية حيث أضرمت النيران في المنازل والشركات، وأصيب وقتل الفلسطينيون على يد مسلحين إسرائيليين".
انحياز إعلامي
انحياز الإعلام الغربي لصالح "إسرائيل" كشفه منذ الساعات الأولى التي أعقبت عملية طوفان الأقصى السفير الفلسطيني في بريطانيا، حسام زملط من خلال اللقاءات التي أجرته معه القنوات الإنجليزية.
تفاجأ السفير الفلسطيني خلال تلك المقابلات بسؤال واحد، يطرحه معظم المقدمين بغض الطرف عن المؤسسة التي ينتمون إليها: هل تدين حركة حماس وعمليتها "طوفان الأقصى"؟
الرجل كان ذكيا واستطاع بأجوبته وجرأته قلب الطاولة على المذيعين، الذين كانوا يودون انتزاع كلام منه يدين حركة المقاومة الإسلامية حماس خاصة أنه سفير السلطة الوطنية الفلسطينية، ولكنه لم يتخيل أن يكون السؤال موحدا في مؤسسات تدعي المهنية الإعلامية.
وأكثر من ذلك وجه السفير لهم أسئلة كانت كافية لفضح زيف ادعاءات الإعلام الغربي، بأنه مع الديمقراطية والحرية ولا يكيل بمكيالين.
وفي إحدى المقابلات يجيب حسام زملط عن سؤال "المليون دولار"، أن هناك "هوسا بإدانة الضحية ولوم الضحايا وإدانة من هم تحت الاحتلال والاستعمار والمحاصرين منذ سنوات طويلة".
السفير الفلسطيني الذي لمع نجمه، رأى بعض المتابعين أنه يخوض حربا إعلامية ضارية في وجه الحرب الإسرائيلية على غزة.
طلبت منه المذيعة أن يدين ما فعلته حماس في عملية #طوفان_الأقصى
— شيرين عرفة (@shirinarafah) October 8, 2023
لكنه فاجئها برد مفحم قوي، لخص فيه القضية الفلسطينية كاملة، ودافع عن موقف المقاومة
وفضح دور الغرب في دعمه الظالم لإسرائيل
حوار ماتع وذكي ومبدع مع السفير الفلسطيني بالمملكة المتحدة، السياسي "حسام زملط"
يستحق المشاهدة👌 pic.twitter.com/n2vZduA8GE
وفي المواقف الرافضة لازدواجية تعامل الولايات المتحدة وأوروبا، دعا وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، إلى "فضح ازدواجية المعايير في تعامل المجتمع الدولي مع القضية الفلسطينية".
وأضاف عطاف: "الاحتلال الصهيوني ظن مخطئا، أن الشعب الفلسطيني مغلوب على أمره، وأنه استسلم للأمر الواقع".
واتهم الرئيس الشيشاني رمضان قديروف الغرب بازدواجية المعايير فيما يتعلق بالصراع العربي-الإسرائيلي، وقال قديروف إن "الغرب يحرم الفلسطينيين من حياة سلمية، ولا يستحي من التصريحات المتناقضة"، مشيرا إلى أنه "بالنسبة لهم (الغرب)، العملية التي تنفذها روسيا في أوكرانيا هي احتلال، ولكن الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية من قبل اليهود، منذ سنوات عديدة وإبادة السكان إجراء مبرر وضروري"، وأوضح أن "هذه المعايير المزدوجة تعكس الوجه الحقيقي للغرب".
وبعيدا عن الموقف الرسمي، أكد البروفسور مصطفى بيومي أستاذ اللغة الإنكليزية في جامعة بروكلين الأمريكية أن "المتابع للقنوات ووسائل الإعلام الأمريكية قد يعتقد لوهلة أن الحقائق في العالم انقلبت رأساً على عقب، وأن الفلسطينيين هم من يقومون باحتلال إسرائيل ويستعمرون سكانها ويسلبون أراضيها ويقيمون المستوطنات تباعاً عليها"، مشيراً إلى أن "كل ما يبثه الإعلام الأمريكي والغربي عما يجري في أرض فلسطين المحتلة لا يخرج من بوتقة المساندة العمياء لكيان الاحتلال وتقديم تبريرات جاهزة لكل ما يرتكبه من جرائم وحشية".
فيما أقدم نشطاء على إطلاء مقر الإذاعة البريطانية "بي بي سي" في لندن باللون الأحمر احتجاجا على صمتها عن جــرائم الاحـ.ـتــ.لال الإسـ.ـرائيـ.ـلي على قطاع غزة ودعمها لروايته.
نشطاء يطلون مقر الإذاعة البريطانية "بي بي سي" في لندن باللون الأحمر احتجاجا على صمتها عن جــرائم الاحـ.ـتــ.لال الإسـ.ـرائيـ.ـلي على قطاع غزة ودعمها لروايته.#الساعة pic.twitter.com/zB2xAchO5U
— الساعة (@alssaanetwork) October 15, 2023
الإعلامي العربي أحمد منصور كتب في منصة "X" تويتر سابقا مستنكرا تجاهل الإعلام الأمريكي والغربي لتغطية جرائم الحرب التي يرتكبها جيش الاحتلال الاسرائيلي في غزة خيانة للإنسانية والقيم المهنية.
The American’s and Western media’s disregard of covering the war crimes committed by the Israeli occupation army in Gaza is betrayal of humanity and professional values.
— A Mansour أحمد منصور (@amansouraja) October 15, 2023
تجاهل الإعلام الأمريكي والغربي لتغطية جرائم الحرب التي يرتكبها جيش الإحتلال الاسرائيلي في غزة خيانة… pic.twitter.com/kvIng1WdHm
مقاطعة مسؤولي الاحتلال
الدبلوماسي السابق ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت عبد الله الشايجي دعا وسائل الإعلام العربية إلى التعامل بالمثل مقابل الازدواجية الغربية الإعلامية مع القضية الفلسطينية.
وطالب الشايجي وسائل الإعلام العربية الرئيسية إلى مقاطعة أي مسؤول من الكيان الصهيوني عسكريا أو سياسيا، ولاسيما أن الإعلام الغربي يرفض ويقاطع كل من ينتقد الإجرام الذي ترتكبه القوات الإسرائيلية المحتلة في غزة.
🔴أطالب محطات الأخبار العربية الرئيسية #الجزيرة و #العربية و #سكاي_نيوز وغيرها التوقف عن استضافة ضيوف إسرائيليين صهاينة والناطقين باسم جيش احتلال كيان الإرهاب إسرائيل عسكريين ووزارة الخارجية. وتقاطعهم وتحرمهم من منابر لنفث سمومهم وكذبهم ودفاعهم وتبريرهم الوقح عن جرائم حربهم..… pic.twitter.com/cLiVySDx0g
— عبدالله الشايجي Prof (@docshayji) October 13, 2023
وأظهر مقطع مصور نشره مدونون فضيحة تلفيق الأكاذيب في قناة "CNN" الأميركية خلال تغطية العملية العسكرية الأخيرة، المقطع يظهر المخرج وهو يقوم بتوجيه مراسلة الأخبار والمصور معها من خلال التلفون، ويطلب منهم بأن يتظاهروا بأنهم قد تعرّضوا لصواريخ حماس ويقول لها: تلفّتي حولك بطريقة تظهري بأنك مذعورة من القصف !
في سقوط اخلاقي جديد للاعلام الغربي
— بلقيس الحريزي (@x_blq_h_) October 14, 2023
قناة CNN الأميركية تنسى أنها على الهواء والمخرج يقوم بتوجيه مراسلة الأخبار والمصور معها من خلال التلفون، ويطلب منهم بأن يتظاهروا بأنهم قد تعرّضوا لصواريخ حماس ويقول لها: تلفّتي حولك بطريقة تظهري بأنك مذعورة من القصف !#طوفان_الاقصي_ #غزة_تُباد pic.twitter.com/RGHJ70KR5H
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام