يبدو أن تأثير السلاح المنفلت على الحياة السياسية والعملية الانتخابية في العراق ما يزال قائما، بالرغم من تبني السلطات الحكومية شعار حصر السلاح بيد الدولة ومكافحة انتشاره خارج نطاقها.

العراق شهد خلال الانتخابات البرلمانية والمحلية طيلة السنوات العشرين الماضية، جملة من عمليات الاغتيال التي طالت مرشحين للانتخابات العراقية وكان الدافع في أغلب تلك الهجمات سياسيا.

ومع تصاعد نفوذ الفصائل المسلحة، تصاعدت احتمالية استخدام تلك الفصائل للسلاح لتحقيق مكاسب انتخابية، ففي بغداد يبدو نفوذ السلاح والجهات التي تمتلكه واضحا على حساب الجهات والأحزاب المدنية، وكذلك الحال في جنوب العراق.

أما في مناطق شمال وغرب العراق، فكان لسلاح الفصائل وجودا قويا وتأثيرا مباشرا في عملية الكسب السياسي خلال الانتخابات في محافظات الأنبار وديالى ونينوى وصلاح الدين.

في الانتخابات البرلمانية لعام 2014، اغتيل ما لا يقل عن 15 مرشحاً من قوائم مختلفة، الأمر الذي يفتح الباب أمام إمكانية عودة الاغتيالات للمرشحين، ولا سيما أن المرشحة للانتخابات المحلية في محافظة ديالى زينة الصالحي أعلنت قبل أسبوع انسحابها من خوض الانتخابات، بسبب تهديدات وصلتها بتصفية ابنها في حال استمرت بالترشح.

وقالت الصالحي في بيان: إن "الفاسدين فقدوا صوابهم وإنسانيتهم، وحاربوني بأعز ما أملك في هذه الدنيا فقد وصلت تهديداتهم إلى أبنائي ووصل بهم الحال لتهديدي بقتل ابني إذا استمر ترشحي للانتخابات، وبالفعل تمت محاولة خطفه لولا لطف الله".

وأضافت: "أعلن انسحابي من السباق الانتخابي، ولكم مطلق الحرية بانتخاب من ترونه مناسباً لتمثيلكم، وأتمنى أن يجيء يوم نستطيع فيه، وبكل حرية، أن نمارس حقنا الديمقراطي في الترشيح والانتخاب دون ضغوط وتهديدات".

لكن شرطة ديالى أكدت أنها لم تسجل بشكل رسمي أي بلاغ من أي مرشح تعرّض إلى تهديد أو مضايقة أو استهدف بأي شكل من الأشكال خلال الفترة الماضية.

مصدر مطلع في ديالى رفض الكشف عن هويته أكد المعلومات التي نشرتها شرطة المحافظة، وأشار في حديث مع شبكة "الساعة" إلى أن المرشحة زينة الصالحي لم تنسحب من السباق الانتخابي بسبب التهديد، بل بسبب خلافات شخصية بينها وبين مرشحين آخرين في تحالف العزم بزعامة مثنى السامرائي"، مبينا أن "المرشحة لجأت للترويج لأخبار تعرضها للتهديد للتغطية على استبعادها من الانتخابات من قبل قيادة تحالف العزم، حسب تعبيره".

 

تهديد المرشحين

وتبقى المخاوف قائمة من اللجوء إلى السلاح لاستهداف الخصوم السياسيين، وإبعادهم عن مشهد الانتخابات، وهو ما أكدته جهات سياسية وأكاديمية عراقية.

المرشح للانتخابات المحلية في بغداد وائل البارود شدد على أن "المال السياسي وسلطة السلاح وغياب القانون جعل المنافسة الانتخابية بين الأحزاب التقليدية غير شريفة، حتى وصل بهم الأمر إلى قتلهم أو قتل عوائلهم، وقتل كل من يحاول الوصول لمصدر القرار، وخاصة في المحافظات التي تسيطر عليها أطراف مسلحة مثل ديالى".

ويضيف البارود في حديث صحفي: أن "السلوك العنفي مع المرشحين المدنيين، يدفع القوى المدنية إلى الانسحاب من الانتخابات، وإعادة تموضع الحراك المدني، والتفكير بحلول جذرية والمطالبة بانتخابات مبكرة يسودها القانون وغايتها بناء العراق".

ويرى الأكاديمي وأستاذ العلاقات الدولية، رعد العزاوي أن "جهات سياسية توظف الفساد والجريمة لصالحها قد تلجأ إلى الابتزاز والتهديد من أجل حرف الانتخابات عن مسارها الصحيح".

وقال العزاوي في حديث لشبكة "الساعة" إن "التداول السلمي للسلطات عبر انتخابات نزيهة وفق قانون أحزاب وانتخابات يوائم الخصوصية الاجتماعية والثقافية العراقية غير متوفر في الدولة العراقية التي يعيش شعبها في بيئة أمنية متصدعة، وبيئة اقتصادية تخلو من التوزيع العادل للثروات، وبيئة مجتمعية تنخرها البطالة والمرض والجهل، وانتشار غير مسبوق لمعدلات الجرائم الاجتماعية والجرائم الإرهابية والمنظمة، وعصابات القتل والاختطاف والجريمة السياسية".

وأضاف العزاوي أنه "في مثل هذه الأوضاع لا يمكن إجراء اي انتخابات مهما كان مستواها بشكل قانوني"، مبينا أنه "ليس من الغرابة رؤية صور وأشكال من الابتزاز والتهديد من أجل حرف الانتخابات عن مسارها الصحيح إلى مسارات تخدم القوى السياسية التي توظف الفساد والجريمة لصالحها"، حسب قوله

 

موقف مفوضية الانتخابات

وبالنسبة لموقف المفوضية العليا للانتخابات في العراق من التهديدات التي قد تحدث للمرشحين في الانتخابات المحلية المقبلة، فأكدت إلتزامها بأمن الانتخابات وشركاء العملية الانتخابية ومن ضمنهم المرشحين ولكن ضمن حدود الإجراءات المتعلقة بالمفوضية.

وقال المستشار القانوني في مفوضية الانتخابات حسن سلمان في تصريح لشبكة "الساعة": إن "المفوضية مسؤولة عن كل الجوانب المتعلقة بالحفاظ على شركاء العملية الانتخابية بمن فيهم المرشحون، ولكن في حدود النظام والاجراءات التي تضمن نزاهة وحيادية الانتخابات".

وأضاف: أن "التهديد الذي يواجه المرشحين إذا كان ضمن طائلة المخالفات للنظام والاجراءات الخاصة بعمل المفوضية ومن ضمنها خروقات الدعاية الإعلامية والإضرار بمرشح على حساب مرشح آخر أو الحد من منافسة المرشح الآخر فذلك يستدعي تدخل المفوضية وتنظيم شكاوى خاصة بذلك ومحاسبة الجهات المسوؤلة عن تلك الخروقات".

وتابع سلمان: أما "الخروقات والتهديدات التي تكون خارج أطر إجراءات المفوضية أي بمعنى كانت التهديدات لأغراض اجتماعية أو أغراض لا صلة لها بنظام المفوضية والانتخابات فإنها ليست مسؤولة عن متابعة تلك التهديدات، وأنها تكون من مهام الأجهزة الأمنية".

تأثير السلاح لا يتقصر على الاغتيالات السياسية التي تطال المرشحين، بل يشمل التأثير في مناطق نفوذ تلك الفصائل وهو ما حصل في المناطق السنية التي تنتشر فيها الفصائل المنضوية في الحشد الشعبي.

 

الانتخابات وسلاح الأحزاب

عضو مجلس النواب محمد نوري العبد ربه أكد في حديث لشبكة "الساعة" أن "الفصائل المسلحة عملت خلال الانتخابات البرلمانية في الدورتين السابقتين على التأثير على الناخين من أجل التصويت لصالح مرشحين محددين دون غيرهم".

وقال العبد ربه: إن "الجهات السياسية الكبيرة التي تمتلك الفصائل المسلحة لجأت منذ فترة ما بعد الحرب على داعش إلى استخدام تلك الحشود سياسيا في الانتخابات بينما ينبغي أن تكون الفصائل ضمن أجهزة عسكرية وأمنية مستقلة لا تتدخل في ملف الانتخابات".

وتابع: أن "التأثير البارز للسلاح على العمل السياسي يظهر من خلال تحكم الجهات السياسية التي تمتلك السلاح في قرار تشكيل الحكومات"، مبينا أن "الجماعات التي تمتلك السلاح هي التي تقرر شكل الحكومة، بينما باقي الأطراف لا تأثير حقيقيا وفعليا لهم في المشهد".

وستجرى انتخابات مجالس المحافظات العراقية في الثامن عشر من شهر كانون الأول المقبل وستعتمد على نظام "سانت ليغو" الذي يعتمد على تقسيم أصوات التحالفات على القاسم الانتخابي 1.7.

وتتولى مجالس المحافظات المُنتخبة مهمة اختيار المحافظ ومسؤولي المحافظة التنفيذيين، ولها صلاحيات الإقالة والتعيين، وإقرار خطة المشاريع بحسب الموازنة المالية المخصصة للمحافظة من الحكومة المركزية في بغداد، وفقاً للدستور العراقي. وستكون هذه أول انتخابات محلية تُجرى في العراق منذ إبريل/نيسان 2013.