بفخر واعتزاز كبيرين يستذكر العراقيون مشاركتهم في حرب تشرين / أكتوبر عام 1973 ضد الاحتلال الإسرائيلي، على الجبهتين السورية والمصرية، وهي المواجهة المباشرة الثانية التي يشارك فيها الجيش العراقي بعد مشاركته بحرب 1948 ضد الاحتلال على الجبهة الفلسطينية.
وتتزامن الذكرى الخمسين لحرب تشرين، مع عملية كبرى أطلقتها المقاومة الفلسطينية "حماس" أطلقت عليها "طوفان الأقصى" استهدفت قوات الاحتلال والمستوطنات الصهيونية في منطقة غلاف غزة وأسفرت عن مقتل 1200 "إسرائيلي".
في الـ 11 من تشرين أول 1973، دخلت القوات العراقية في حرب أكتوبر/تشرين الأول كما يسميها العرب، وهو سادس أيام الحرب التي شنتها القوات المسلحة المصرية والسورية يوم السادس من تشرين الأول، والتي حققت انتصارات كبيرة من الجانب المصري، لكنها شهدت انكسارا واضحا للقوات السورية ما دفع القوات "الإسرائيلية" إلى التقدم في عمق الأراضي السورية ووصلت إلى دمشق التي كادت أن تسقط بيد الاحتلال لولا تدخل القطعات العسكرية العراقية.
بدء المعركة
في السابع من أكتوبر 1973 أعلنت القوات المسلحة العراقية الاستعداد لخوض الحرب والقتال على الجبهة السورية.
وبرزت أكبر مواجهات الجيش العراقي في تأمين ناقلات الدبابات، حيث استأنف الجيش العراقي الحرب في الجبهة السورية، بعد انتقال للقوات العراقية عبر مسافة تراوح بين 1200- 1500 كم.
في العاشر من أكتوبر وصلت أولى قوات الجيش العراقية إلى سوريا والتي تمثلت باللواء المدرع 12، وتبعه لواء المشاة الآلي 8، ثم اللواء المدرع 6، وتضمنت القوات العراقية المشاركة بحرب أكتوبر، لواء المشاة الآلي، وفرقة دبابات طراز T62، ولواء مشاة جبلي عراقي، وخمسة آلاف عنصر من القوات الخاصة العراقية، بالإضافة إلى 150 طائرة مقاتلة وقاذفة، و66 طائرة مروحية، وحوالي 300 عجلة نقل وقتال عادية وكبيرة ومصفحة، وحوالي 20000 مقاتل عراقي.
شهادات الضباط
يروي عدد من ضباط الجيش العراقي في مذكرات ولقاءات صحفية تفاصيل المشاركة العراقية في الحرب ضد الاحتلال الإسرائيلي عام 1973.
رئيس أركان الجيش العراقي الأسبق الفريق نزار الخزرجي أكد أن "القيادة العراقية حينها فوجئت بالحرب ولم تكن على علم بها، إلا أن القيادة العراقية حينها حركت قوات عسكرية كبيرة إلى الجبهة رغم عدم إعلامها مسبقًا واستشارتها حول الحرب".
الخزرجي الذي كان حينها آمر الفوج الثاني من القوات الخاصة، تحدث عن معركة بين اللواء المدرع 12 في الجيش العراقي في الجولان والقوات المدرعة "الإسرائيلية"، لافتًا إلى أن "الأخيرة كانت متجهة نحو دمشق حيث فوجئت باللواء العراقي المؤلف من 120 دبابة، ودارت معركة سُميت بـ"معركة الصادوفية"، لأنه لم يكن مخططًا لها مسبقًا".
ويشير إلى أن "المعركة أدت إلى خسائر كبيرة من الطرفين، وحينها أبلغ الأميركيون الإسرائيليون بأن هذا اللواء هو مقدمة لقوات عراقية كبيرة، ولذلك توقفت القوات الإسرائيلية عن تقدمها وتحصنت في الجولان".
ويروي المشهد عند دخوله إلى سوريا باتجاه الجولان، متحدثًا عن مشاركة أسراب من الطيران العراقي في الحرب، لافتًا إلى "الخسائر التي تكبدها سلاح الجو العراقي إلى استخدام الطائرات السيء حينها من قبل القوات الجوية السورية".
وحول تقييمه للمشاركة العراقية في هذه الحرب يقول الخزرجي إن "الجيش العراقي لم يكن مهيأً بشكل جيد للقتال على الجبهة السورية، إلا أن أداء القوات المدرعة كان مقبولًا".
دمشق "بشارب" العراقيين
أما اللواء الركن المتقاعد محمد وهيب الذي شارك في حرب أكتوبر وكان حينها آمر اللواء الآلي الثامن عام 1973، فيؤكد أن "دخول القوات العراقية إلى المعركة منع سقوط دمشق بيد الاحتلال الإسرائيلي".
يقول آمر اللواء الآلي الثامن محمد وهيب في شهادة سابقة للتلفزيون العراقي إن "قواته وصلت مشارف دمشق يوم العاشر من تشرين أول وتموضعت في منطقة الكسوة بين دمشق ودرعا، والتي كانت سابقا بعهدة اللواء المدرع السوري 70 الذي انسحب من المعركة".
وأضاف وهيب: أن "قوات اللواء الثامن لم تجد من يستقبلها أو يوجهها في المعركة من القيادة العسكرية السورية، ما دفعه للقيام بنفسه للبحث عن القادة العسكريين السوريين الذين كانوا يتحصنون في ملاجئ بجبل قاسيون المطل على العاصمة السورية".
ويتابع وهيب في شهادته: أن "أحد العسكريين السوريين رافقه إلى جبل قاسيون حيث مقر القيادة السورية، وعندما دخل تفاجأ بوجود الرئيس السوري السابق حافظ الأسد".
يقول وهيب: إن "الأسد خاطبه حرفيا بأن القوات السورية قد انهارت في المعركة، وأن دمشق خرجت من شارب السوريين، وأصبحت بشارب العراقيين، ما يعني أن حماية دمشق خرجت من أيدي الجيش السوري وأصبح الدفاع عنها في ذمة الجيش العراقي".
حماية دمشق من الاحتلال الإسرائيلي
شهادة على سفر الجيش العراقي ومشاركته في حرب تشرين يرويها الفريق الركن ياسين المعيني الضابط بالجيش العراقي السابق، وقائد أول سرية دبابات عراقية وصلت إلى الأراضي السورية يوم 10 أكتوبر /تشرين أول 1973.
يقول المعيني: إنه "بعد ظهر يوم 6 تشرين أول 1973، كنا نجلس بعد عناء التدريب وسمعنا الراديو يذيع خبر قيام القوات المصرية والسورية في توقيت واحد بعملية اقتحام للدفاعات الإسرائيلية في الجولان (خط ألوان) وفي قناة السويس خط بارليف، ومن البيانات المتتالية عملنا أن المصريين تمكنوا من اقتحام خط بارليف، واندفعوا في عمق دفاعات العدو المحتل، كما اندفعت المدرعات السورية بشكل سريع وتمكنت خلال يومي السادس والسابع من الوصول إلى جسر بنات يعقوب بعد أن تخطت الدفاعات "الإسرائيلية" الحصينة وأصيب "الإسرائيليون" بذهول من هول المفاجئة، وتحولت قطاعاتهم لأول مرة إلى الدفاع".
يضيف المعيني: أنه "بمجرد اندلاع الحرب تحرك قسم من الجيش العراقي وعدد من أسراب القوات الجوية لتعزيز الجبهة السورية، وتحركت تلك القوات من العراق ووصلت يوم 8 أكتوبر /تشرين أول أسراب الطائرات العراقية إلى المطارات السورية المدنية والعسكرية حول دمشق واشتركت فور وصولها في المعارك وضرب أهداف الاحتلال الإسرائيلي في الجولان".
يتابع: أنه "في نفس اليوم صدرت الأوامر للفرقة الثالثة والفرقة السادسة مدرعة، وقطاعات برية أخرى بالتحرك تجاه الجبهة السورية، وكانت تلك القطاعات على مسافات متباينة، فقد كان اللواء 12 مدرع والذي كانت وحدتي إحدى كتائبه، كان عليه أن يقطع 1200 كم من تكريت ليصل إلى سوريا، كنت أنا آمر سرية الدبابات الثالثة والتي كان عليها التحرك تليها السرية الثانية ثم الأولى، ودعنا أهلنا في تكريت وسامراء وبلد والدجيل والطارمية والتاجي بالزغاريد والهتاف، توقف الرتل العسكري قبل الخروج من بوابة بغداد بعدة كيلومترات وحضر توديعنا الرئيس وقتها أحمد حسن البكر ونائبه في ذلك الوقت صدام حسين، وقبل أن نصل إلى التنف السورية يوم 9 أكتوبر بدأت الغارات الإسرائيلية على الأرتال لكنها لم تؤثر علينا لبراعة الدفاعات الجوية السورية والعراقية والتي وفرت لنا غطاء من الأنبار العراقية إلى العمق السوري".
المعيني استدرك في حديثه: "كنت أول سرية دبابات عراقية تصل إلى ركن الدين في ضواحي دمشق السورية يوم 10 أكتوبر /تشرين الأول، واستقبلنا ضابطا سوريا وحدد لنا وجهتنا ووصلنا إلى الصنمين قبل أول ضوء يوم 10 أكتوبر، وبعد أول ضياء بدأت الغارات الإسرائيلية تستهدف مواضعنا ولكنها لم تتمكن منا نظرا لبراعة القوات الجوية، بنهاية يوم 10 أكتوبر كان مجمل القوات العراقية التي وصلت إلى الجبهة السورية القطاع الأوسط، اللواء 12 المدرع وكتيبة دبابات المعتصم وكتيبة دبابات قتيبة والفوج الآلي الثالث".
وعن الاندفاع العراقي للمشاركة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي يقول الفريق المعيني: إن "الشعور القومي لدينا كعراقيين أقوى من أي شعور آخر في داخله، لكن وبكل أسف هذا الشعور كلفه الكثير وكان أحد أسباب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وتدمير هذا البلد، وأغرب ما شاهدت أن هناك بعض الضباط وضباط الصف كانوا هاربين من الجيش العراقي، وعندما علموا بمشاركتنا في الحرب أتوا إلى وحداتهم المتحركة إلى سوريا وسلموا أنفسهم".
وعن المعارك التي شهدها الفريق المعيني يقول إن "الأمور تسير بشكل مذهل في يومي السادس والسابع من تشرين الأول 1973، إلى أن قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتزويد الاحتلال الإسرائيلي بأسلحة حديثة ومتطورة وخاصة صواريخ مقاومة الدبابات، وهنا تمكنت القطاعات الإسرائيلية من إيقاف واحتواء الانتشار الواسع للقطاعات المدرعة السورية والتي وصلت إلى جسر بنات يعقوب في عمق الجولان المحتل، ثم شنت القطاعات الإسرائيلية بعد ذلك هجوما مقابلا تمكنت من خلاله ليلة 11، 12 أكتوبر/ تشرين أول من الوصول إلى جنوب سعسع وتهديد دمشق وكان حجم تلك القطاعات الإسرائيلية أكثر من 7 ألوية مدرعة وآلية، ولم تكن القطاعات العراقية التي وصلت حتى يوم 12 أكتوبر إلى سوريا كبيرة، وصدرت الأوامر إلى اللواء 12 الممدرع (عراقي) بالتصدي لقطاعات العدو وإرباك خططهم وإيقاف تقدمهم باتجاه دمشق، حتى يكتمل وصول بقية القوات العراقية وكنا نهاجم ليلا بالتنسيق مع القوات السورية لتقليل تأثير الطيران الإسرائيلي، وتم تطوير العمليات ومهاجمة القوات الإسرائيلية".
وذكر الفريق المعيني: أنه في "يوم 13 أكتوبر تشرين الساعة 9 صباحا توقفت قطاعات العدو من التوجه إلى شمال سعسع ثم دمشق وانسحبت إلى الخلف لغرض مقاتلة القوات العراقية التي ضربتهم من الجناح والخلف، وتراجعت القطاعات الإسرائيلية إلى الخلف للتفرغ لمقاتلة القوات العراقية التي سيطرت على مواضع كثيرة في الجولان في عمق قطعات العدو، وتكامل وصول القطعات العراقية إلى الجبهة السورية بعد يوم 16 أكتوبر".
وعن تاريخ انسحاب القوات العراقية من سوريا وعودتها إلى العراق، قال المعيني: "في بداية شهر نوفمبر/تشرين الثاني 1973 وبعد وقف إطلاق النار، انسحبت قطاعاتنا من سوريا باتجاه العراق للعودة إلى معسكراتنا السابقة في تكريت وصلاح الدين وجرى استقبال رسمي للقوات وكذا استقبال شعبي، ولغرض تخليد شهداء حرب تشرين/أكتوبر 1973، أقيمت مقبرة خاصة للشهداء في منطقة نجها جنوب دمشق، بها أكثر من 150 شهيدا يرقدون بجوار أشقائهم من شهداء الجيش السوري".
الجبهة المصرية
أما سلاح الجو العراقي فقد ساهم بشكل فاعل على الجبهة المصرية خلال حرب أكتوبر.
وقبل 6 أشهر من الحرب، وفي أبريل/ نيسان 1973، أرسل العراق إلى مصر نحو 20 طائرة من طراز هوكر هنتر البريطاني مع طياريها، وفق اتفاق مسبق بين حكومتي البلدين.
اللواء الطيار الركن علوان حسون العبوسي الذي كان أحد الطيارين العراقيين المشاركين في المعركة يقول: إن "القوات الجوية العراقية ساهمت بالسربين السادس والـ29 في جبهة مصر".
ويوضح اللواء الطيار الركن أنه "خلال فترة وجود الطائرات العراقية في مصر وقبل بدء الهجوم الجوي الشامل ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي، قام الطيارون العراقيون بالتعرف على أسلوب الطيران المصري ومعالجة الإشكال بأجهزة التعريف بين الطائرات العراقية والدفاع الجوي المصري، وتم تداركها بفضل التعاون بين الطرفين".
واستطرد العبوسي قائلا "تلقى السرب العراقي -والذي سمي في حينها بالسرب 66- تبليغا بالأهداف المحددة له، وكانت أهداف رئيسية تعالج من خلال 16 طائرة من طراز هوكر هنتر"، موضحا أن "الأهداف هي موقع القيادة والسيطرة الإسرائيلية في منطقة الطاسة، وموقع صواريخ أرض جو من طراز هوك، وعدد من المواقع المدفعية ذاتية المحرك 175 ملم".
ويسرد العبوسي تفاصيل ما جرى في ذلك اليوم بقوله "في 6 أكتوبر/تشرين الأول عام 1973 وأطلق عليه (اليوم الموعود) وفي الساعة 12:00 استلم آمر السرب العراقي ظرفا مكتوبا عليه لا يفتح قبل الساعة 12:30، وكان الظرف عبارة عن تأكيد الأهداف التي تتضمنها مهام الطائرات العراقية".
وتابع: "استعدت الطائرات بكامل جاهزيتها وفي الساعة 14:00، وانطلقت مع طائرات سلاح الجوي المصري وعبرت قناة السويس ودمرت الأهداف المحددة لها وعادت بعد تحقيق المهام من دون خسائر".
وذكر العبوسي أنه "في يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول أقلعت 12 طائرة هوكر هنتر، لمعالجة القطعات الإسرائيلية بالاشتراك مع القوات المصرية، في هذه المهمة فقد طياران عراقيان بعد إصابة طائراتهما بأسلحة الدفاعات الجوية الإسرائيلية أرض جو".
وأضاف اللواء الطيار الركن: أن "القوة الجوية العراقية نفذت مهمة في 11 أكتوبر/تشرين الأول بـ4 طائرات على أحد مواقع القيادة والسيطرة الإسرائيلية، وفي طريق العودة أصيبت طائرة قائد التشكيل الرائد الطيار ناطق محمد علي والملازم الطيار ضياء صالح".
وفي يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول كُلف السرب العراقي بمهمتين، لمهاجمة القوات الإسرائيلية تجاه ثغرة الدفرسوار، وبحسب العبوسي، "تم تنفيذ كل مهمة من قبل 4 طائرات عراقية وتم استهداف الأرتال الإسرائيلية، لكن أصيبت طائرتان عراقيتان خلال المهمة وقتل أحد الطيارين".
وذكر العبوسي أن "حصيلة خسائر السرب العراقي في مصر كانت استشهاد 3 طيارين وأسر 3 آخرين، أما خسائر السرب من الطائرات فبلغت 8 طائرات من مجموع 20 طائرة هنتر التي أرسلها العراق".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام