بالرغم من تبني السلطات العراقية شعارات "حماية الصحفيين" و "حرية الصحافة" و "حرية الرأي والتعبير"، غير أن العراق ما يزال أحد أكثر بلدان العالم خطورة للعمل الصحفي، وهو ما أكدته منظمات دولية.

فالعراق ما يزال يشهد انتهاكات وتجاوزات متكررة ضد الصحفيين والناشطين والمدونين من أصحاب الرأي، كما وضعت لجنة حماية الصحفيين الدولية العراق العام الماضي في المرتبة الخامسة عالميا في مؤشر الإفلات من العقاب بعد كل من الصومال، وسوريا، وجنوب السودان ،وأفغانستان.

الأسبوع الأخير سجل العراق 3 انتهاكات ضد الصحفيين وحرية الرأي والتعبير، الأول ضد المحلل السياسي محمد نعناع الذي صدر بحقه حكم قضائي بالحبس مع غرامة مالية بتهمة القذف بعد شكوى قدمها رئيس الحكومة محمد شياع السوداني.

والثاني ضد الصحفي والمدون من مدينة الموصل شهاب الصفار المعروف بمنشوراته ضد التنظيمات الإرهابية ومنها تنظيم داعش، إذ اعتقلت قوة أمنية المدون الصفار دون سابق إنذار ثم أفرج عنه لاحقا، وذلك على خلفية منشورات في مواقع التواصل تنتقد الفساد والهيمنة الحزبية على مؤسسات الدولة في نينوى، بعد حادثة حريق الحمدانية الذي راح ضحيته أكثر من 120 شخصا.

أما الانتهاك الثالث تمثل بغلق مقري قناة البغدادية الفضائية في العاصمة بغداد بقرار من هيئة الإعلام والاتصالات واختطاف أحد مقدمي البرامج السياسية فيها "الصحفي علي الذبحاوي" من مقر إقامته في منطقة الوزيرية ببغداد، وذلك بسبب انتقادات لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

 

فصائل تختطف الصحفيين

ونشطت حملة على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بالكشف عن مصير الإعلامي علي الذبحاوي بعد اختطافه وسط بغداد.

وتحدثت مصادر عن أن قوة من الأمن اعتقلت الذبحاوي الأربعاء وسط العاصمة بغداد، لكن قناة البغدادية قالت: إن "الصحفي اختطفته مجموعة تنتمي إلى سرايا السلام التابعة للتيار الصدري، وأمام أنظار قوات الأمن، ولا يعرف حتى الآن مكانه أو مصيره".

وبحسب الموقع الرسمي لقناة البغدادية فإن "مجموعة مكونة من 20 مسلحاً، قامت باختطاف مقدم برنامج استوديو التاسعة علي الذبحاوي، من داره واقتادته إلى مكان مجهول"، وحملت القناة كتائب"سرايا السلام"، التابعة للصدر، مسؤولية اختطاف الذبحاوي وسلامته. 

ومساء الثلاثاء الماضي وقبل إغلاق قناة البغدادية واختطاف الصحفي علي الذبحاوي، تظاهر عدد من كتائب سرايا السلام في شارع أبو نواس وسط بغداد، وحاولوا اقتحام مقر القناة، إلا أن قوات الأمن منعتهم.

وفي الحلقة التلفزيونية التي تسببت في الأزمة، انتقد الذبحاوي مقتدى الصدر وعدم جدوى حملات الإصلاح التي يطلقها، وأنها لم يظهر منها شيء على أرض الواقع.

 

تكميم الأفواه وتقييد الحريات

مركز الرافدين الدولي للعدالة وحقوق الإنسان أدان بشدة الاعتداء الذي طال قناة البغدادية واغلاقها واختطاف مقدم برنامج التاسعة علي الذبحاوي من قبل مجاميع مسلحة أمام أنظار القوات الأمنية بدون أي تدخل منها.

وقال المركز في بيان إنه "يرفض رفضا قاطعا أسلوب تكميم الأفواه وتقييد الإعلام الحر الذي ينقل هموم الناس ومشاكلهم ويكشف زيف الفساد والمفسدين ، كما يدين استمرار عمليات الخطف والتغييب الذي تُمارسه الميليشيات والعصابات الخارجة عن القانون"، محملا "وزارة الداخلية والأجهزة التنفيذية المسؤولية، كما دعا إلى التحرك الفوري والسريع لتحريره من الخطف وتقديم الجناة إلى المحاكم العراقية".

وطيلة السنوات العشرين الماضية التي أعقبت الغزو الأمريكي للعراق، تنوعت أشكال استهداف الصحفيين وأصحاب الرأي، بين القتل والاعتقال والاختطاف والتهديد، فضلا عن الاستهداف الإعلامي من جيوش إلكترونية تتبع لأحزاب وجهات سياسية تعمل من أجل استهداف خصوم الجهة السياسية التي تنتمي لها تلك الجيوش.

 

ضحايا العمل الصحفي

نقابة الصحفيين العراقيين أكدت مقتل 495 صحفيا كانوا يعملون في مؤسسات إعلامية مختلفة منذ الغزو الأمريكي في نيسان 2003.

وقال عضو مجلس النقابة ناظم الربيعي إن "النقابة سجلت وعلى مدى أقل من عقدين من الزمن 495 جريمة قتل بحق الصحفيين العراقيين، حيث قضى عدد منهم نتيجة استهداف مباشر، في حين قتل البعض الآخر خلال عملهم في المناطق التي شهدت نزاعات مسلحة وحروبا".

الربيعي أشار إلى أن "قانون حقوق الصحفيين أسهم في تأمين حقوق الضحايا من الصحفيين، حيث ضمن رواتب لذويهم تعادل رواتب ضحايا الإرهاب، مثلما خصصت رواتب للجرحى من الصحفيين وحسب نسبة العجز البدني بعد الإصابة".

اليوم العالمي للصحافة.. مؤشرات مقلقة للسلطة الرابعة بالعراق

 

ملاحقة عبر القضاء

ومن صور الاستهداف الجديدة التي تعرض لها صحفيو العراق هي الدعوات القضائية التي يقدمها مسؤولين حكوميين على خلفية انتقادت وتسليط الضوء على التقصير في أداء الواجب الوظيفي وكشف ملفات فساد في التقارير الصحفية أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وبحسب منظمة هيومن رايتس ووتش فإن السلطات لجأت مؤخرا لتوجيه اتهامات جنائية للمنتقدين، حيث تستخدم السلطات الملاحقات القضائية وفق هذه القوانين لترهيب وإسكات الصحفيين والنشطاء وغيرهم من الأصوات المعارضة.

تقول منظمة هيومن راستس ووتس إن "السلطات العراقية تنظر إلى وسائل الإعلام على أنها خصم يجب احتواؤه والسيطرة عليه، بدل اعتبارها جزءا أساسيا من المجتمع العراقي".

وتؤكد المنظمة الدولية أن السلطات الفيدرالية العراقية وحكومة إقليم كردستان تسيء للقوانين المصاغة بشكل غامض.

وأكد المرصد العراقي لحقوق الإنسان رصد استخدام بعض المسؤولين الحكوميين للدعاوى القضائية في ملاحقة الناشطين والصحافيين.

وقال مدير المرصد مصطفى سعدون لشبكة "الساعة": إن "بعض المسؤولين لجأ لاستخدام الدعاوى القضايا ضد الناشطين والصحافيين لمنعهم من التعبير عن آرائهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو عبر وسائل الإعلام ".

وأضاف أن "محاولات المسؤولين التضييق على أصحاب الرأي تنتهي بعد تدخل القضاء في رد الدعاوى وإنصاف المتهمين"، مبينا أن "الهدف من تلك المحاولات ترهيب الصحفيين".

وقد كفل الدستور العراقي حرية الصحافة، بقانون شهد جدلاً واسعاً؛ حيث نصت المادة 38 على حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل وحرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر فضلا عن حرية الاجتماع والتظاهر السلمي.

ولكن تم إلحاق القانون بعبارة "بما لا يخل بالنظام العام والآداب"، وجرت محاولات عديدة لتعريف "النظام العام" وعرفها البعض بأنها مجموعة القواعد التي توفر الأمن للمجتمع، غير أنها ظلت عبارة فضفاضة، يمكن استغلالها من جهات متنفذة لاستهداف حرية الصحافة وتكميم الأفواه.