"نتائج مخيبة للآمال، وغير موثوق بها".. هكذا وصف ذوو ضحايا فاجعة الحمدانية في محافظة نينوى نتائج التحقيق بحريق قاعة العرس والذي راح ضحيته أكثر من 100 شخص.
رجال الدين المسيحيون في قضاء الحمدانية والتي تعتبر الموطن الأم لأبناء الديانة المسيحية في العراق، أمهلوا السلطات العراقية 24 ساعة لإعادة التحقيق في حادثة الحمدانية ولوحوا خلاف ذلك بالخروج في تظاهرات واعتصامات، ودعوة لتدويل القضية والتحقيق ولا سيما أن بعض ضحايا الحريق يحملون جنسيات أجنبية.
ومساء الثلاثاء الماضي، اندلع حريق في قاعة الهيثم للأعراس خلال حفل زفاف بقضاء الحمدانية، ما أسفر عن مقتل 108 أشخاص وإصابة العشرات حالة بعضهم حرجة، بحسب آخر إحصائية صدرت عن مديرية صحة نينوى.
وعقب الحادثة، بدأت السلطات العراقية تحقيقا أخذ مسارين الأول: إداري تولته وزارة الداخلية وأعلنت نتائجه أمس الأحد، والآخر قضائي تولت التحقيق فيه محكمة استئناف نينوى.
مهلة مؤقتة
رئيس أساقفة أبرشية الموصل وتوابعها للسريان الكاثوليك مار بندكتوس يونان حنو قال في مؤتمر صحفي حضرته شبكة "الساعة": إن "نتائج التحقيق الإداري التي أعلنت أمس غير منصفة وغير مرضية ولم تأت بأي شي جديد".
وشدد على "ضرورة محاسبة جميع المسؤولين المقصرين بالحادثة، وعدم الاكتفاء بإعفاء ومحاسبة المسؤولين الصغار في الحمدانية، لأن من الطبيعي وجود مسؤولين أعلى كانوا متعاونين مع المسؤولين الصغار في القضاء".
ودعا رئيس أساقفة أبرشية الموصل وتوابعها للسريان الكاثوليك السلطات العراقية إلى "إعادة التحقيق الإداري الذي قادته وزارة الداخلية بالحادثة، وخلاف ذلك سيتم تقديم دعوات للمجتمع الدولي للتحقيق بالحادثة"، مبينا أن "التحقيق الإداري لم يشر إلى الجهات السياسية الفاسدة والتي لولا تدخلها لما حصلت المخالفات التي قادت بالنهاية إلى فاجعة الحمدانية".
وأضاف: أن "ذوي الضحايا وأهالي الحمدانية يدعون لإعادة التحقيق في حادثة الحمدانية ويطالبون بمحاسبة جميع المقصرين بالحادثة، والتحقق من ثبوت تقصير المسؤولين الإداريين في الحمدانية وفي حال ثبت ذلك فيجب محاسبتهم على خلفية الإهمال والتقصير".
وأعلن مار بندكتوس يونان حنو أن "الاحتجاجات المقرر انطلاقها في الحمدانية ستؤجل لغاية الانتهاء من التحقيق القضائي"، مؤكدا أن "مسؤولي السلطة القضائية أكدوا أن جميع المقصرين بالحادثة سيتم شمولهم بالمحاسبة".
ولفت رئيس أساقفة أبرشية الموصل وتوابعها للسريان الكاثوليك إلى وجود جهات سياسية تحاول استغلال ماساة الحمدانية لتحقيق مكاسب ومناصب سياسية بينما لم يتم الانتهاء من دفن ضحايا الفاجعة.
وختم حديثه قائلا: أن "العشرات من جثث الضحايا لم تدفن بعد وللأسف هناك جهات سياسية تحاول استغلال المأساة من أجل الاستيلاء على المناصب الإدارية في قضاء الحمدانية" دون الإفصاح عن اسم تلك الجهات.
استغلال سياسي
وبالإشارة إلى التدخلات السياسية واستغلالها الفاجعة من الجهات المتنفذة في الحمدانية، كشف مصدر مطلع في القضاء عن معلومات تفيد بسعي كتلة بابليون بزعامة ريان الكلداني لاستغلال الحادثة للحصول على المناصب الإدارية في القضاء.
وأكد المصدر في حديث لشبكة "الساعة" أن "كتلة بابليون تسعى منذ فترة إلى الإطاحة بقائممقام الحمدانية عصام بهنام متي الذي ينتمي للمكون المسيحي لكنه سياسيا قريب من الحزب الديمقراطي الكردستاني".
وأشار إلى أن "ريان الكلداني يحاول اليوم استغلال نتائج التحقيق التي أوصت بإعفاء قائممقام الحمدانية من منصبه لتقديم أحد الشخصيات التابعة له لهذا المنصب".
ولفت المصدر إلى أن "رفض نتائج التحقيق من قبل أهالي الحمدانية يرجع إلى خشيتهم من استغلالها لصالح كتلة بابليون لأنهم يرون أن نتائجها جاءت تتماشى مع ما يسعى إليه ريان الكلداني".
لكن كتلة بابليون تنفي تلك التهم، وتؤكد أنها تعمل على تقديم جميع من تورط بالتقصير والإهمال بكارثة الحمدانية إلى القضاء.
واتهم رئيس كتلة بابليون البرلمانية أسوان الكلداني الحزب الديمقراطي الكردستاني بإثارة هذه المواضيع والتي من شأنها استغلال الفاجعة التي حلت بالمسيحيين في الحمدانية من أجل الحصول على مكاسب سياسية.
فاجعة بفعل فاعل
لكن بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في العراق والعالم، الكاردينال لويس ساكو، صعد من موقفه تجاه ما جرى في الحمدانية، وقال إن سبب الحريق في قاعة الأعراس كان من "فعل فاعل باع ضميره ووطنه لأجندة معينة".
ويتضمن حديث ساكو إشارة إلى كتلة "بابليون"، بزعامة ريان الكلداني، التي تسيطر على مناطق سهل نينوى.
وطالب البطريرك في مقال نقله الموقع الرسمي لبطريركية الكلدان في العراق بمحاسبة "المجرمين الحقيقيين" دون تسييس، "احتراما للشهداء، وطمأنة المسيحيين أولاً والعراقيين بأن هناك عدالة تأخذ حقهم".
وأضاف البطريرك ساكو من روما أن: "الجميع يعلم أن الفساد ينخر جسم الوطن وأن بعض المليشيات لا تخاف الله ولا الحكومة ولا تخجل من الناس".
وتابع: أن "سبب المحرقة الجماعية لم يكن الألعاب النارية وإنما هو من فعل فاعل مقصود، باع ضميره ووطنه لأجِندة معينة، متسائلا عن التوقيت والغاية من هذا "الفعل الشنيع".
واقترح ساكو تشكيل أزمة خلية لدراسة المواقف بموضوعية وحكمة، وليس بانفرادية، والانجرار وراء العواطف وترك المجال أمام جهات معروفة، لإلصاق التهم، وتصفية حسابات.
وتضمنت نتائج التحقيق الإداري في حادثة الحمدانية التي أعلنتها وزارة الداخلية أن الحادث ليس جنائيا ولا متعمدا وأن الألعاب النارية كانت السبب الرئيسي لنشوب الحريق.
وقال رئيس اللجنة اللواء سعد فالح كسار في مؤتمر صحفي إن "قاعة الأعراس تتسع لـ 500 شخص فقط، ومشيّدة على هيكل حديدي، وجدرانها من الأسمنت والبلوك، ومسقّفة بمادة الـ"السندويج بنل" مع مواد قابلة للإشتعال، ومزينة بالقش البلاستيكي المصنع، وهي أيضا مواد سريعة الاشتعال، وكذلك واجهة القاعة مغطاة بمادة سريعة الاشتعال".
وأضاف أن "اللجنة لاحظت غرفة تحتوي على كميات كبيرة من القماش تُستخدم لتزيين القاعة سريعة الاشتعال إضافة إلى كميات كبيرة من المواد الكحولية على الطاولات، وعدم وجود أبواب للطوارئ، بل توجد أبواب صغيرة تُستخدم للخدمة".
وأكدت اللجنة التحقيقية مقصرية صاحب القاعة، وحملته الجزء الأكبر من المسؤولية كونه ارتكب مخالفات في تشييد القاعة وافتتاحها دون موافقات رسمية، فضلا عن مخالفة شروط الأمان والسلامة".
وأوصت اللجنة التحقيقية بـ "إعفاء قائممقام قضاء الحمدانية، ومديري البلدية والسياحية والكهرباء في القضاء بتهمة التقصير والإهمال، كما أوصت بإحالتهم للتحقيق، وأوصت أيضا على إعفاء مسؤولين في الدفاع المدني بنينوى وإحالتهم للتحقيق على خلفية الحادثة".
تدويل التحقيق
من جهته أكد المطران بطرس شيتو في حديث لشبكة "الساعة" أن ذوي الضحايا يطالبون بتحقيق شفاف للحادثة لان نتائج التحقيق الحالي هي نتائج مسيسة من قبل الفاسدين.
وشدد شيتو على أن "التصعيد الاحتجاجي في الحمدانية والمطالبة بالتحقيق الدولي سيدخلان حيز التنفيذ خلال الأيام المقبلة في حال لم تكن نتائج التحقيق القضائي مختلفة عن نتائج التحقيق الإداري الذي كان مخيبا ولا جدوى منه".
لجنة تحقيق أخرى
من جهة أخرى، شرعت اللجنة التحقيقية التي شكلها البرلمان بأعمال التحقيق لتقديم تقريرها إلى رئاسة البرلمان.
وقال عضو اللجنة النائب ماجد شنكالي في حديث لشبكة "الساعة": إن "اللجنة تعمل من خلال لقاء الناجين وإفادات الشهود إلى الوصول لمعلومات جديدة بشأن الحادثة"، مبينا أن "الإعلان سيقدم لرئاسة البرلمان بعد الانتهاء من التحقيقات".
وتنذر كارثة الحمدانية بانهيار ثقة أبناء المكون المسيحي بالسلطات الحكومية والتي عادت بشكل طفيف خلال السنوات الأخيرة.
فغالبية المسيحيين يرون أن نتائج التحقيقات الحكومية لم تنصفهم، فيما لوح الكثير منهم بالهجرة على خلفية ما يجري.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام