في مثل هذه الساعات قبل 4 سنوات بدأت شرارة التظاهرات التي امتدت في بغداد ومحافظات وسط وجنوب العراق والتي عرفت بتظاهرات تشرين.

التظاهرات انطلقت تعبيرا عن رفض المحاصصة السياسية وهيمنة الأحزاب على المشهد وضعف الخدمات في مختلف المجالات، وسرعان ما تطورت المطالب لترفع شعار "نريد وطن" في إشارة عن رغبة شعبية في استعادة القرار العراقي ورفض التدخلات الخارجية في الشأن العراقي الداخلي ولا سيما الأمريكية والإيرانية.

اندلعت التظاهرات في الأول من تشرين الأول سنة 2019، احتجاجاً على تردّي الأوضاع الاقتصادية للبلد، وانتشار الفساد المالي الإداري والبطالة، ووصلت مطالب المتظاهرين إلى إسقاط النظام الحاكم واستقالة حكومة عادل عبد المهدي، وتشكيل حكومة مؤقتة وإجراء انتخابات مبكرة.

واجهت القوات الأمنية هذه المظاهرات بعنف شديد واستعملت قوات الأمن صنف القناصة واستُهدِف المتظاهرون بالرصاص الحي، وبلغ عدد القتلى من المتظاهرين حوالي 740 شخصاً منذ بدء المظاهرات، وأُصيب أكثر من 17 ألف بجروح خلال المظاهرات ومن بينهم 3 آلاف إعاقة جسدية، فضلاً على اعتقال العديد من المحتجين وأيضاً قطع شبكة الإنترنت.

نجحت التظاهرات في لفت أنظار العالم إلى المطالب الشعبية في العراق، وضرورة الإصلاح السياسي، وبسبب الضغط الشعبي اضطرت حكومة عادل عبد المهدي إلى الاستقالة، كما دفعت البرلمان إلى الإعلان عن تعديل الدستور وتعديل قانون الانتخابات.

غير أن الطبقة السياسية نجحت في الانقلاب على مطالب المتظاهرين مستغلة العنف المفرط ضد المحتجين من جهة، وتفشي فيروس كورونا الذي حد من حراك التظاهرات من جهة أخرى.

وخلال فترة حكومة مصطفى الكاظمي 2020، بدأت مطالب المتظاهرين بالذوبان في بركة الوعود السياسية، والتي انتهت بعودة المحاصصة السياسية بشكل أقوى من السابق واستمرار الفساد المالي والإداري وتقديم قانون للانتخابات على مزاج الأحزاب المتنفذة بحسب ما يراه نشطاء.

من الناحية الزمنية، قسمت تظاهرات تشرين إلى مرحلتين، الأولى بدأت مطلع تشرين الأول، والثانية بدأت في الخامس والعشرين من الشهر ذاته واستمرت لحين استقالة حكومة عادل عبد المهدي.

أبرز ما حملته تظاهرات تشرين أنها شهدت لأول مرة خروجا شعبيا على سلطة الفصائل المسلحة ونفوذها، ويظهر ذلك من خلال حرق مقرات الفصائل والقنصلية الإيرانية في محافظة النجف، وذلك ما يسفر استخدام جهات مسلحة منسوبة إلى الحشد الشعبي للقوة المفرطة ضد المتظاهرين، ثم تنفيذ حملة اغتيالات منظمة طالت قيادات الحراك الشعبي في البلاد.

 

إحياء الذكرى

 

وأحيا مئات العراقيين الذكرى الرابعة لتظاهرات تشرين، إذ تجمعت حشود من المتظاهرين في ساحة التحرير وسط بغداد، ثم تجمعت تلك الحشود في ساحة الأمة بضغط من القوات الأمنية التي منعت خروج الاحتجاجات عن تلك المنطقة.

وأكد متظاهرون شاركوا في إحياء ذكرى تظاهرات تشرين موقفهم في المطالبة بعملية سياسية حقيقية وانتخابات نزيهة وفق قانون يحمي حقوق الجميع ومحاربة الفساد وإحالة المتورطين في قمع مظاهرات تشرين وقتل المتظاهرين إلى القضاء العراقي.

وأكد هؤلاء المتظاهرون أن شعارات مظاهرات أكتوبر ما تزال خالدة لأنها تمثل الضمير العراقي وتعكس مطالبهم المشروعة في بناء دولة حديثة متطورة مؤطره بأنظمة وقوانين تحترم حقوق الإنسان وتؤمن لهم حياة كريمة حسب قولهم.

ويبدو أن المسببات التي قادت لتظاهرات تشرين ما تزال قائمة، ما يجعل أمر تكرارها أمرا واردا مع تغييرات جذرية في آلية الوصول لأهداف تلك التظاهرات، والتي في مقدمتها تغيير النظام الحالي بنظام وطني ديمقراطي بعيدا عن وصاية الخارج وفق رؤية المحتجين.

 

إحباط بعد تشرين

 

الناشط في تظاهرات تشرين عبد العزيز الشابي أكد في حديث لشبكة "الساعة" أن دوافع التظاهرات ما تزال موجودة لأن الطبقة السياسية ما تزال تتعامل بنفس الطريقة مع تغييرات طفيفة لا تسمو لمطالب المحتجين، مشددا على أن الاحتجاجات وإن عادت فلن تكون بنفس الوتيرة القوية التي كانت عليها تظاهرات 2019 – 2020، بسبب الاحباط الذي أصاب المتظاهرين من عدم جدوى التغيير السياسي في ظل الظروف الحالية.

وقال الشابي: إن "ما حصل في تشرين ليس ثورة، بل احتجاجات برزت لعدة أسباب منها تردي الكهرباء وقلة التعيينات ورفض الفساد السياسي والمالي والإداري، أي بمعنى كانت مسببات الاحتجاجات مختلفة لكن ما يجمعها هو عدم الرضا عن إداء النظام السياسي".

وأضاف: أن "الأمر المهم الذي لم يحسب حسابه في تظاهرات تشرين هو أن المطالبة باستبدال النظام الحالي لم يأخذ بنظر الاعتبار وضع البديل لهذا البديل، كما كانت الاحتجاجات بدون تمثيل سياسي يفاوض عنها ويطرح مطالب الاحتجاجات".

وتابع: أن "دوافع تظاهرات تشرين ما تزال موجودة، لأن الطبقة السياسية ما تزال تتعامل بنفس الطريقة مع تغييرات طفيفة لا تسمو لمطالب المحتجين"، لكنه استبعد حصول ثورة عارمة ضد النظام الحالي، بل احتجاجات هنا وهناك يمكن أن تتحرك بسبب أي شرارة.

وأشار الشابي إلى أن "الإحباط الذي أصاب المحتجين بعدم قدرة هذه الاحتجاجات على إجراء التغيير يرجع إلى عوامل منها عدم وجود الغطاء السياسي والاجتماعي من جهة وعدم وجود مواقف دولية داعمة لها يمكن أن تتحرك في عملية تغيير النظام، فضلا عن غياب الموقف العراقي الموحد في المناطق الشيعية والسنية والكردية من عملية التغيير والتحرك في احتجاجات من أجل الوصول لهذا الهدف".

ولفت الناشط العراقي عبد العزيز الشابي إلى أن "من العوامل التي دفعت نحو إحباط المحتجين من التغيير في ظل الظروف الراهنة، هو عدم وجود أي جهة عسكرية قادرة على تنفيذ انقلاب عسكري في البلاد وذلك بسبب سيطرة الفصائل المسلحة على المؤسسة العسكرية"، فضلا عن أن "الموقف الدولي هو موقف متناغم مع الطبقة السياسية الحالية، حيث لا يوجد أي تقاطعات بين السلطات في العراق وبين المجتمع الدولي يمكن أن تستمر في عملية التغيير السياسي بواسطة الاحتجاجات الشعبية".

 

مسببات تشرين ما تزال قائمة

 

رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري يرى أن العوامل التي قادت لتظاهرات تشرين ما تزال قائمة اليوم، مشددا على أن تظاهرات لم تخفق لكن القوى السياسية أخفقت في إجراء الإصلاح السياسي في البلاد.

الشمري قال في حديث لشبكة "الساعة": إن "التظاهرات نجحت في بعض المسائل ومنها تغيير قانون الانتخابات وإجراء إصلاحات سياسية والدفع نحو استقالة حكومة عادل عبد المهدي وهذا تقدم كبير في الحركة الاحتجاجية بالعراق".

وأضاف: أن "القوى التقليدية استطاعت بعد انتهاء التظاهرات أن تعيد تموضعها في العمل السياسي من جديد وهذا التموضع دفع القوى السياسية إلى التخلي عن الاصلاحات التي أعلن عنها خلال الاحتجاجات، إذ أن القوى السياسية أعادت قانون سانت ليغو وأعادت مجالس المحافظات بعد إلغائها بوقت سابق، وبالتالي هذا شكل تراجعا في استجابة القوى السياسية لمطالب تشرين".

وزاد قائلا: "لا أتصور أن تشرين أخفقت بل حققت تقدما كبيرا، لكن القوى السياسية هي من أخفقت بإيجاد ساحة للإصلاح السياسي في البلاد".

وتابع: أن "العوامل التي دفعت لتشرين ما تزال قائمة، إذ إن الفساد في أعلى المستويات والمحاصصة كذلك وإقصاء الكفاءات الوطنية وعودة قانون سانت ليغو سيء الصيت، وهي العوامل من شأنها أن تنمي بشكل أو آخر حركات احتجاجية في المستقبل".

وأوضح الشمري أن "تظاهرات اليوم في ذكرى تظاهرات تشرين تمثل رسالة بأن تشرين حاضرة ويمكن أن تعود ولو بزخم أقل وهذا يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار من قبل القوى الحاكمة".

وعن سبب عدم نجاح حراك تشرين في تحقيق أهدافه أكد الشمري أن "ذلك يرجع للقوة المفرطة والقمع الذي جوبه به المحتجون، ولعدم وجود قيادة موحدة لتشرين وعفوية التظاهرات وعدم حملها أيدلوجية سياسية واعتمادها على الغضب والنقمة من الطبقة السياسية، وحتى من كان قريبا منها في المشهد السياسي لم يكن على قدر المسؤولية في لعب دور المعارضة، وهو ما أفقد الثقة بالقوى التي تنادي بقربها من تشرين".