تترقب آلاف العائلات العراقية من ذوي المعتقلين التصويت على قانون العفو العام لإنصاف أبنائهم بعد سنوات من التوقيف والسجن وفقا لإحكام قضائية يقولون إنها "جائرة" وغير عادلة كونها اعتمدت على الاعترافات التي انتزعت بالإكراه وتحت التعذيب من المعتقلين.
أم مهند، إحدى السيدات التي ما زال لديها أمل الإفراج عن ابنها المودع في سجن الناصرية، بعد صدور قرار بسجنه 10 سنوات بتهمة التعاون مع تنظيم داعش خلال سيطرته على 3 محافظات عراقية بعد أحداث حزيران 2014.
تقول أم مهند التي تسكن مدينة الموصل في حديث مع شبكة "الساعة": إن "ابنها مهند الذي يمتلك مطعما صغيرا في منطقة النبي يونس بالجانب الأيسر للموصل ألقي القبض عليه بتهمة التعاون مع داعش"، مبينة أن الذنب الذي يعاقب عليه ابنها هو تقديمه شكوى لدى داعش ضد أحد الأشخاص بسبب رفض الأخير تسديد مبالغ مالية بذمته عن سيارة اشتراها من ابنها قبل دخول داعش بأكثر من عام.
تضيف السيدة الموصلية: أن "الشخص المدين لديه علاقات وثيقة بعناصر في جهاز الأمن الوطني وقدم من خلالهم معلومات مظللة عن ابنها مهند تفيد بتعاونه مع داعش، وهو ما تسبب باعتقاله ثم انتزاع اعترافات بالإكراه قادت إلى صدور الحكم بالسجن للمدة المذكورة".
معتقلو القمة
المشهد يتجلى بشكل أوضح لدى الحاج ميسر محمود من سكان قضاء الطارمية شمالي بغداد، والذي اعتقل ابنه الكبير عبد الله من قبل قوة أمنية تابعة لرئاسة الوزراء خلال حكومة نوري المالكي ضمن ما يعرف بمعتقلي القمة العربية.
الاعتقالات نفذت في أكتوبر تشرين الأول 2011 قبل انعقاد القمة العربية في بغداد في آذار 2012، وطالت المئات من أبناء المكون العربي السني، وجاءت بذريعة إنها احترازية لحين الانتهاء من القمة، لكن الكثير من المعتقلين ما يزالون يقبعون في السجون لغاية اليوم، ومنهم عبد الله، الذي انتزعت منه اعترافات بالقوة نتج عنها حكما قضائيا بالسجن المؤبد بتهمة الانتماء لتنظيم القاعدة.
وترجع المشكلة في صدور الأحكام القضائية غير المنصفة إلى التحقيقات التي تجريها الأجهزة الأمنية قبل تقديم الأوراق الخاصة بالمعتقلين إلى القضاء.
تحقيقات تدر الأموال
مصدر قضائي عراقي كشف معلومات لشبكة "الساعة" تفيد بأن غرف التحقيق الخاصة بقضايا الإرهاب تحولت إلى مصرف يدر الأموال على المحققين، فإما أن يدفع ذوو المعتقلين وإلا فإن الأوراق التحقيقية ستملئ بمعلومات تدين المعتقل.
وأضاف المصدر الذي رفض الكشف عن هويته: أن "المعلومات تفيد إلى أن العديد من الإرهابيين تم إغلاق ملفاتهم أثناء التحقيقات وأطلق سراحهم فيما بعد بسبب دفع مبالغ مالية كبيرة تصل إلى 200 ألف دولار عن المطلوب الواحد للجهات التحقيقية".
كما أن وشاية المخبر السري واعتمادها من قبل الأجهزة الأمنية فاقمت المشكلة، فمنذ العام 2005 اعتمدت المعلومات المقدمة من المخبرين على أنها أدلة اعتقل بسببها الآلاف واتضح فيما بعد أن غالبيتها بلاغات كيدية.
تشابه الأسماء زادت الأمور تعقيدا، فالمناطق التي خضعت لسيطرة تنظيم داعش خضعت بعد استعادتها لإجراءات التدقيق الأمني والتي أسفرت عن اعتقال المئات بسبب تشابه الأسماء.
ومؤخرا كشف نواب عن أن العديد من المعتقلين بسبب تشابه الأسماء انتزعت منهم اعترافات بالإكراه وصدرت عليهم أحكاما مختلفة وصل بعضها للإعدام.
المنظمات الحقوقية العراقية والدولية رصدت بدورها انتهاكات خطيرة في السجون العراقية، وأخطر تلك الانتهاكات تتمثل في مرحلة التحقيق، وهو ما أشارت إليه منظمات العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ومركز جنيف للعدالة ومرصد أفاد ومركز توثيق جرائم الحرب والمرصد العراقي لحقوق الإنسان.
ومنذ سنوات، نادت القوى السنية بالعفو العام، كون ملف المعتقلين أحد الملفات الضاغطة في المناطق السنية.
وجاء تشكيل الحكومة الحالية برئاسة محمد شياع السوداني نهاية 2022، بناء على توافقات سياسية بين القوى الشيعية والسنية والكردية، ومن ضمن الملفات التي تم الاتفاق عليها هو تعديل قانون العفو العام.
الحكومة العراقية قدمت الشهر الماضي التعديل الخاص بقانون العفو العام إلى مجلس النواب، وقدمت مسودة التعديل من اللجنة القانونية إلى رئاسة البرلمان مؤخرا بانتظار إدراجه في الجلسات المقبلة وقراءته والتصويت عليه.
العفو ينصف الأبرياء فقط
وأثار القانون حفيظة القوى الشيعية المنضوية في الإطار التنسيقي التي وقعت على الاتفاق السياسي الخاص بتشكيل الحكومة، بذريعة أن قانون العفو من شأنه الإفراج عن المتورطين بملفات إرهابية وقتل العراقيين.
في حين يدافع النواب السنة عن القانون ويؤكدون أنه لن يشمل المتورطين بارتكاب جرائم إرهابية وأن الغرض منه شمول المعتقلين الأبرياء فيه، وهو ما أكده عضو مجلس النواب عبد الكريم عبطان.
يقول عبطان في تصريح لشبكة "الساعة": إن "تعديل قانون العفو العام الحالي يتضمن تعديل قانون رقم 27 لعام 2016 ويشمل ضمن الصياغة الحالية إعادة تعريف الانتماء للتنظيمات الإرهابية".
وأضاف عبطان وهو نائب عن تحالف السيادة وعضو في اللجنة القانونية النيابية: أن "إعادة تعريف الانتماء للتنظيمات الإرهابية من شأنه أن ينصف الكثير من الأبرياء الذين يقبعون في السجون منذ سنوات".
ولفت إلى أن "تنظيم داعش عندما فرض سيطرته على المدن العراقية تعامل مع ساكنيها بالحديد والنار ومن رفض تلبية مطالبه يواجه القتل، والمشكلة أن الكثير ممن أجبر على التعامل مع داعش وليس الانتماء له طبقت عليه عقوبات في الفترة الماضية وذلك مخالف للمنطق والقانون".
وعن مصير الذين صدرت بحقهم أحكاما قضائية استنادا على تحقيقات غير منصفة قال عبطان: إن "المطلب الرئيس للقوى السنية بعد إقرار تعديل قانون العفو هو إعادة "التحقيق مع المحكومين وليس إعادة المحاكمات" لأن الكثير من المعتقلين انتزعت الاعترافات منهم بالإكراه فلا جدوى من إعادة محاكمتهم دون العودة للتحقيق معهم من جديد في ظل أجواء يسودها القانون وتطبيق المادة 19 من الدستور التي تضمن حق الحماية القانونية للموقوفين".
وتابع البرلماني: أن "القوى السنية وقعت على وثيقة الاتفاق السياسي والتي بموجبها شكلت الحكومة وتتضمن 5 طلبات رئيسية من بينها قانون العفو، لكن أي منها لم يطبق لغاية الآن"، مبينا أن "قانون العفو ما يزال مهملا لغاية الآن ولم يحسم أمره بعد".
وحذر عبطان من تداعيات سلبية على مستقبل العملية السياسية في العراق في حال عدم تمرير قانون العفو العام، مؤكدا على "قوى الإطار الالتزام بالعهود والاتفاقات الخاصة بتشكيل الحكومة وتمرير قانون العفو لان عدم تمريره سيؤدي إلى نتائج عسكية وسلبية على مستقبل العملية السياسية في البلاد".
الإطار يعارض القانون
وينص تعديل قانون العفو العام على ما يلي "إجراء مراجعة قانونية للقانون، بهدف تعريف جريمة الانتماء للتنظيمات الإرهابية، لتشمل كل من ثبت أنه عمل في التنظيمات الإرهابية أو قام بتجنيد العناصر لها أو قام بأعمال إجرامية أو ساعد بأي شكل من الأشكال على تنفيذ عمل إرهابي أو وُجد اسمه في سجلات التنظيمات الإرهابية".
النائب في البرلمان العراقي، يحيى المحمدي، أكد أن أطرافا داخل الإطار التنسيقي تعارض تشريع قانون العفو العام.
وقال المحمدي في تصريح متلفز تابعته شبكة "الساعة" إن " الأجواء حاليا غير مهيأة لتشريع القانون لرفض أطراف داخل الإطار التنسيقي تشريع القانون"، مبينا أن "سبب الرفض لإيهام قوى الإطار لجمهورهم أن القانون سيخرج الإرهابيين والملطخة أيديهم بالدماء".
وأوضح أن القوى السنية غير مقتنعة بالمسودة الحالية للقانون التي وصلت للبرلمان، مشيرا إلى أن الإشكالية هي في مادة واحدة المتعلقة بتعريف الإرهاب.
ومنذ الحديث عن قانون العفو العام بدأ الإطار التنسيقي يصرح عن موقفه الرافض، لكن الموقف الأقوى ضد مشروع قانون العفو العام جاء على لسان زعيم تحالف الفتح هادي العامري، الذي أكد رفضه لأي تعديل غير دستوري على قانون العفو العام؛ ما يتيح للتنظيمات الإرهابية فرص الالتفاف على دستور الدولة والإفلات من قبضة العدالة.
وأضاف العامري: أن "كما سالت دماؤنا من أجل الدولة ومن أجل زج المجرمين في السجون فإنها ستعود تسيل لأجل منع إخراجهم منها".
استغلال سياسي
من جهة أخرى، يخشى البعض استغلال قانون العفو العام في أغراض سياسية والدعاية الانتخابية لاسيما مع قرب موعد الانتخابات المحلية المقررة في كانون أول المقبل.
وقال رئيس المرصد العراقي لحقوق الإنسان مصطفى سعدون إن "قانون العفو العام أصبح ورقة انتخابية تستخدمها قوى سياسية لكسب تأييد عوائل المعتقلين".
وأضاف سعدون في تصريح لشبكة "الساعة": "نخشى أن تتحقق الفرضية التي تقول إن ما يجري هو مجرد إلهاء للناس".
وتابع: "نخشى أن يستفيد من العفو العام أشخاص ينتمون للقوى السياسية وشاركوا بعمليات إرهابية بينما يبقى الأبرياء في السجون، خاتما حديثه بالقول: إن "إقرار قانون العفو العام لا يعني أن الأبرياء أنصفوا".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام