ما تزال التهديدات الإيرانية بشأن التدخل العسكري شمالي العراق متواصلة، على الرغم من إعلان العراق تنفيذ الاتفاق المبرم بين بغداد وطهران الخاص بإبعاد الأحزاب الكردية المعارضة عن الحدود المشتركة العراقية – الإيرانية ونزع سلاحها.
ويأتي التحرك العراقي استجابة للمطالب والضغوط الإيرانية وذلك لقطع الطريق أمام إيران في تنفيذ أي هجمات عسكرية ضد التنظيمات المعارضة لطهران شمالي العراق، في حين يتجاهل العراق الطلبات التركية بشأن مكافحة تنظيم "بي كا كا" والتنظيمات المرتبطة به وأبرزها قوات سوريا الديمقراطية التي نشطت مؤخرا شمالي العراق لاسيما محافظة السليمانية.
لكن المطالب الإيرانية والتركية تتقاطع فيما يخص وجود تنظيم "بي كا كا" شمالي العراق، فأنقرة تعتبر التنظيم عدوها الرئيس وطالبت بغداد بإدراجه ضمن التنظيمات الإرهابية، لكن مراقبون يؤكدون أن الجانب الإيراني متهم بدعم تنظيم "بي كا كا" بشكل غير مباشر من خلال أذرعه المتنفذة في العراق، وهو ما يفسر عدم اتخاذ السلطات العراقية أي إجراءات بالضد من التنظيم رغم تزايد نفوذه شمالي العراق.
العراق يبعد الأحزاب المعارضة عن الحدود
الأسبوع الماضي أعلنت الحكومة العراقية، نزع سلاح المجموعات المعارضة للنظام الإيراني ونقلهم إلى مكان بعيد عن الحدود، وبحسب بيان صدر الثلاثاء الماضي عن اللجنة العليا التابعة للحكومة والمسؤولة عن تنفيذ الاتفاق الأمني المبرم بين العراق وإيران فإنه "تم إخلاء مكاتب المجموعات المناهضة لإيران في العراق القريبة من حدود البلدين بشكل كامل، وتم نزع سلاحها ونقلهم إلى أماكن بعيدة عن الحدود".
وبحسب اللجنة أيضا فإن أفراد المجموعات المذكورة سيتم اعتبارهم لاجئين وفق ضوابط مفوضية اللاجئين، ولفتت إلى انتشار قوات حرس الحدود العراقية بشكل دائم في المنطقة ورفع العلم العراقي فيها.
كما أن وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، أكد أن بغداد طبقت بنود الاتفاق مع الجانب الإيراني تماما، فيما يخص إعادة المسلحين المتواجدين على الحدود بين البلدين في كردستان العراق إلى مخيمات للاجئين.
تصعيد إيراني مستمر
ويبدو أن الإجراءات العراقية لم ترضِ الجانب الإيراني بشكل كامل، حيث أن طهران تطالب بالمزيد وتلوح بإجراءات عسكرية في حال لم يتم تنفيذ الاتفاق من الجانب العراقي.
كما أن التحشيد العسكري الإيراني ما يزال متواصلا على الحدود العراقية من جانب محافظتي السليمانية وأربيل رغم انتشار القوات العراقية على الشريط الحدودي.
رئيس هيئة الأركان العامة الإيراني اللواء محمد باقري، أكد أن العراق اكتفى بإبعاد الأحزاب الكردية المعارضة عن الحدود الإيرانية دون أن يقوم بنزع سلاحها.
وقال باقري، إن "العراق لم ينفذ الاتفاق المبرم بين الجانبين بنزع سلاح الفصائل الانفصالية"، مشيرا إلى أنه كان من المفترض وبحسب الاتفاق مع الجانب العراقي أن يتم نزع سلاح الفصائل الإرهابية الانفصالية بحلول الـ 19 من سبتمبر/ أيلول الجاري".
وتابع: "أوعز الرئيس إبراهيم رئيسي، إلينا بالانتظار والصبر بضعة أيام إضافية قبل أن نوفد بعض اللجان للتأكد من نزع سلاح هذه الجماعات المسلحة بالكامل، وحينها سنتخذ القرار اللازم".
إخلاء المقرات لتجنب التدخل الإيراني
القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني غياث السورجي أكد أن ما صدر عن الجانب الإيراني مؤخرا هدفه ضمان التنفيذ الكامل للاتفاق الخاص بالأحزاب الكردية المعارضة.
وقال السورجي في حديث لشبكة "الساعة" إن "العراق بدأ فعليا بتنفيذ بنود الاتفاق مع طهران والذي جرى بالتنسيق مع حكومة إقليم كردستان"، وأضاف: أن "حميع المقرات التابعة لأحزاب المعارضة الكردية الإيرانية تم غلقها وتفكيكها كما تم نقل عناصر تلك التنظيمات وعائلاتهم من الحدود إلى مناطق في داخل إقليم كردستان".
وأشار السورجي إلى أن إخلاء مقرات الأحزاب الكردية الإيرانية جرى برعاية الأمم المتحدة، وتجري حاليا مساعٍ لفتح مخيمات لهم لأن عناصر تلك الأحزاب يعتبرون لاجئين على الأراضي العراقية.
ولفت القيادي في الاتحاد الوطني إلى أن الاتفاق جرى تنفيذه دون معارضة الأحزاب الإيرانية المعارضة لأن الأخيرة تعلم وتدرك أنها غير قادرة على مواجهة أي تحرك عسكري إيراني والذي لوحت به طهران طيلة الفترة الماضية في حال بقاء المعارضة على المناطق الحدودية.
والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة التي تنتشر سابقا على الحدود وتصنفها طهران كجماعات إرهابية انفاصالية هي الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني "PDKI"، وتنظيم كومله، وحزب الحرية الكردستاني وحزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك) التابع لتنظيم "بي كا كا".
إيران ترفض التحرك العراقي ضد "بي كا كا"
الباحث في الشأن العراقي شاهو القره داغي يرى أن استمرار التهديدات الإيرانية تجاه العراق هدفها فرض ضغوط على العراق لضمان تنفيذ كامل للاتفاق، والحيلولة دون أي تغيير في موقف بغداد أو أربيل من المجموعات المسلحة التي تعتبرها إرهابية.
وقال القره داغي في حديث لشبكة "الساعة" إن "طهران تسعى لممارسة المزيد من الضغوطات على إقليم كردستان وإضعاف موقف حكومة أربيل وجعلها تتماشى في سياساتها مع الرؤية الأمنية الإيرانية".
وبالنسبة للمصلحة العراقية من هذا الاتفاق قال القره داغي: إن "الاتفاق يمكن أن يسهم في تحسين العلاقات بين بغداد وطهران بعض الشيء، وتخفيف حدة التوترات على الحدود، والحد من التدخلات الإيرانية في شؤون العراق، ولكن هذا يتطلب أيضًا احترام إيران لسيادة ووحدة العراق، والتزامها بالحوار والتفاهم والابتعاد عن اللغة الاستعلائية التي تتعامل من خلالها مع العراق".
وأكد الباحث في الشأن العراقي أن غياب الموقف العراقي تجاه تنظيم "بي كا كا" والتنظيمات القريبة منه المناهضة لتركيا سببه الضغط الإيراني الرافض لأي موقف عراقي تجاه هذه الجماعات.
وأضاف القره داغي: أن "قضية تنظيم "بي كا كا" مختلفة عن قضية المجموعات المسلحة الإيرانية، لأسباب عدة أهمها أن حزب العمال الكردستاني متحالف مع فصائل الحشد الشعبي الموالي لايران وخاصة في منطقة سنجار، فضلا عن أن إيران تدافع عن تواجد هذه الجماعة في هذه المناطق لاستخدامها كأوراق ضغط ضد أطراف عراقية وإقليمية".
وتابع: أن "إيران ونتيجة لما سبق لا تسمح بأن يتشكل موقف عراقي معادٍ لتنظيم "بي كا كا" بخلاف الجماعات الكردية المعارضة لطهران".
ومنذ سنوات تنفذ تركيا عمليات عسكرية داخل الأراضي العراقية تستهدف مسلحي تنظيم "بي كا كا" الذين يفرضون السيطرة على أجزاء من المناطق الحدودية شمالي محافظتي دهوك وأربيل قرب الحدود التركية، إضافة إلى تصاعد أنشطته في محافظة السليمانية، فضلا عن سيطرته على قضاء سنجار وأجزاء من قضاء مخمور بمحافظة نينوى.
تجاهل عراقي للدعوات التركية
يؤكد الصحفي والباحث التركي أحمد صالح أوغلو المهتم بالشأن العراقي أن الجانب العراقي استجاب للمطالب الإيرانية وأبعد الجماعات المعارضة الكردية عن الحدود ونزع أسلحتها رغم أن تلك الجهات لم تهاجم الجانب الإيراني ولم تقم بخروقات أمنية داخل الأراضي الإيرانية، بينما تجاهلت سلطات بغداد الطلبات التركية بشأن تنظيم "بي كا كا" رغم تورطه بشن هجمات داخل تركيا انطلاقا من الأراضي العراقية.
وقال صالح أوغلو في حديث مع شبكة "الساعة" إن "السلطات التركية أكدت في أكثر من مناسبة بأن غياب الموقف العراقي تجاه تنظيم "بي كا كا" والتنظيمات الموالية له دفع أنقرة لتنفيذ عمليات عسكرية داخل العراق"، مبينا أن اتخاذ العراق موقفا مشابها للموقف الذي اتخذ ضد التنظيمات الكردية المعارضة للنظام الإيراني سيؤدي إلى توقف العمليات العسكرية في العمق العراقي.
واستبعد الباحث التركي قيام الجانب العراقي بأي خطوات مباشرة ضد تنظيم بي كا كا وذلك بسبب الموقف الخارجي الداعم لتلك الجهات والمتمثل بالموقف الأمريكي الذي يتبنى دعم قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، والموقف الإيراني الداعم بطريقة غير مباشرة لتنظيم "بي كا كا" شمالي العراق.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام