ما تزال الأطراف السياسية المتآلفة في تحالف إدارة الدولة الذي على أساسه تشكلت الحكومة العراقية برئاسة محمد شياع السوداني، تترقب تنفيذ ورقة الاتفاق السياسي، خصوصًا القوى السنية المطالبة بقانون العفو العام وتحقيق التوازن في المناصب وإعادة إعمار المحافظات المدمرة، والجانب الكردي إلى يدعو إلى تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي.
وبحسب النقطة 22 من المادة 140، فإن الحكومة ملزمة بتنفيذ المادة الدستورية المستندة إلى المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، والتي تتضمن ثلاث مراحل هي التطبيع والإحصاء والاستفتاء في كركوك ومناطق بمحافظات نينوى وديالى وصلاح الدين.
ورغم الدعوات والمطالبات المتكررة؛ إلا أن التعقيدات السياسية، وخصوصًا في كركوك، لم تنفذ المادة 140 من الحكومات العراقية المتعاقبة، وأصبحت المادة محل خلاف دائم بين حكومتي بغداد وأربيل.
الجدل حول المادة 140 عاد مجددا إلى الواجهة، مع إعلان وزير العدل العراقي، خالد شواني، عن موافقة السوداني على إعادة تشكيل اللجنة العليا لتفعيل المادة، وتوجيه رئيس الجمهورية عبد اللطيف جمال رشيد بضرورة العمل الجاد لتطبيق المادة، وإنهاء المسائل العالقة بشأنها وبما يحفظ حقوق الجميع.
الباحث بالشأن السياسي، غازي فيصل، قال لشبكة "الساعة"، إنه من المفترض وبحسب الدستور إنجاز كافة الإجراءات المتعلقة بالمادة 140 والتي تتمثل بالتطبيع بين مكونات محافظة كركوك من القوميات العربية والكردية والتركمانية، فضلاً عن إجراء سكاني جديد.
وأضاف أنه يحق للناس تحديد مصيرهم من حيث الانتماء إلى إقليم كردستان أو البقاء ضمن حدود الإدارة المدنية العراقية (السلطات الاتحادية).
وبين أن المدة الزمنية المحددة في المادة 140 لإنجاز جميع المطالب تنتهي في 31 كانون الأول ديسمبر 2007، إلا أنها لم تنجز بدعوى عدم وجود الكلف المالية.
وأكد غازي، أن الاتفاق السياسي الذي بموجبه تم تشكيل حكومة السوداني نصت إحدى بنوده على تنفيذ المادة 140 وهي من مطالب الحزب الديمقراطي الكردستاني، لافتًا أن المادة دستورية بوجود الاتفاق أو من عدمه.
من جهته، يرى الباحث والمحلل السياسي، خالد السراي، أن الواجهات السياسية للمكونات العراقية كانت إبان كتابة الدستور العراقي كانت في مرحلة كسر الإرادات فيما بينها، والأقوى كان يستثمر غباء الآخر.
وأضاف لشبكة "الساعة"، أن تسمية المناطق المتنازع عليها غير "مستساغة" في بلد يشهد مرحلة البناء، مؤكدا عدم وجود أية إمكانية لتطبيق المادة 140 في الوقت الحاضر، لأننا بأشد مرحلة لفرض الإرادات وشراء المواقف بين المكونات، بعيدا عن رؤية الوطن غائب.
وبين أن المناطق المتنازع عليها لا توجد فيها ملامح لتحديد مصيرها، وذلك لعدم إجراء تعداد سكاني صادق ومتطور، حتى يتم تحديد المواطن وهي حق مشروع، مرجحا أن الاتفاق السياسي لم يتضمن الإشارة إلى تنفيذ المادة 140.
وحول قانونية المادة 140، قال السراي إنها "طامة عظمى" كون من المادة من حيث القراءة الدستورية فهي "منتهية المفعول" بموجب مدتها في الدستور بالعام 2008، متسائلا كيف يمكن أن تُنهى بدون أن تأخذ طريقها إلى التنفيذ؟
وأشار إلى أن الصراع هو من يحول دون حول إشكالية المادة 140، مؤكدًا على ضرورة إشكالية المادة وفق نظرية بناء الدولة بعيدا عن كسر وفرض الإرادات.
بدوره؛ قال عضو المجلس العربي في كركوك، عزام الحمداني، لشبكة "الساعة"، إن "المادة 140 مادة جدلية؛ كون المكون العربي يعتبرها سياسية وانتهت بعد عام 2008، ومشمولة بالتعديلات الدستورية المادة 142".
وأضاف أن "إمكانية تطبيقها تواجها صعوبات بسبب عدم قبولها بشكل كامل من مكونات كركوك ويسعى الكرد إلى تنفيذها من خلال تنفيذ بنود الاتفاق السياسي".
أما علي عبد الصاحب، وهو رئيس المركز الإقليمي للدراسات، فقد أكد لشبكة "الساعة"، أن الواقع السياسي يشهد الكثير من الخلافات والصراعات التي تجعل المشهد ضبابيا وتحول العملية السياسية إلى فوضوية عديمة الجدوى وفارغة المحتوى، ولعل أبرز تلك الإرهاصات هو الخلاف الأزلي بين المركز والإقليم.
وأضاف أن المادة 140 فقدت شرعيتها وقانونيتها، لأنه مضي أكثر من 15 سنة على تشريعها في البرلمان العراقي، وكذلك لعدم إجراء الإحصاء السكاني لهذه المناطق، عدم إجراء استفتاء شعبي يعرف من خلاله رغبة الأهالي والمواطنين في الانضمام للمركز أو الإقليم.
ولفت إلى أن المادة 140 أصبحت طي النسيان ولم تستطع كل الحكومات المتعاقبة إيجاد الحلول الناجعة لهذا المشكلة.
وخلال حديثه مع "الساعة" قال أحمد الهركي عضو الاتحاد الوطني الكردستاني، إن تطبيق المادة 140 ممكن في حال توفر الإرادة السياسية؛ كونها دستورية وتم تضمينها أيضا في ورقة الاتفاق السياسي إبان تشكيل حكومة السوداني.
وأكد الهركي أن المادة الدستورية لا تسقط بالتقادم حتى وإن كان هناك تلكؤ بتنفيذها خلال السنوات السابقة سواء بقصد أو بدون قصد.
وتطالب الكتل الكردية بتنفيذ المادة 140 من الدستور الخاصة بالمناطق المتنازع عليها ولا سيما كركوك، وهو ما يرفضه العرب والتركمان في المحافظة.
وأخرج الدستور العراقي 2005 المادة 140 كحل لمشكلة كركوك، وما يسمى المناطق المتنازع عليها بين إقليم كردستان والمحافظات المجاورة له.
وتعرف لجنة تنفيذ المادة 140 من دستور جمهورية العراق المناطق المتنازع عليها في العراق، بأنها تلك التي تعرضت للتغيير الديمغرافي ولسياسة التعريب على يد نظام صدام حسين، وذلك خلال فترة حكمه من عام 1968 حتى إسقاطه خلال الغزو الأميركي في أبريل/نيسان 2003.
وفي ظل حكومة رئيس الوزراء الأسبق، إبراهيم الجعفري، شكلت لجان لتطبيق أحكام المادة 140، برئاسة حميد مجيد موسى، وخلال فترة رئاسة نوري المالكي، شكلت لجنة أخرى برئاسة وزير العدل السابق هاشم الشبلي، لكنه استقال من منصبه، ثم حل محله رائد فهمي (أغسطس/آب 2007 – يونيو/حزيران 2011).
وفي 2011 أعيد تشكيل اللجنة وأسندت رئاستها، لهادي العامري، وزير النقل في حكومة المالكي حينها، لكن الأحزاب العربية بكركوك اعترضت على تعيينه.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام