يبدو أن مسلسل الأزمات التي تعصف بالتيار الصدري الذي يتزعمه السيد مقتدى الصدر، لم ينته فبعد انسحابه من العملية السياسية وفشله في تشكيل "حكومة الأغلبية"، ظهرت جماعة "أصحاب القضية"، التي تدعي انتماءها إلى التيار وتنشر أفكارا منحرفة.

الجماعة بثت عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو تدعو فيه إلى مبايعة الصدر بدعوى أنه "الإمام المهدي المنتظر"، الأمر الذي رفضه زعيم التيار الصدري رفضاً قاطعا.

الصدر لم يقف مكتوف الأيدي أمام هذه الجماعة وإنما عمل على مهاجمتهم في أكثر من محفل، وعلى إثر ذلك أصدر جملة من القرارات أولها إلغاء الاعتكاف بمسجد الكوفة وتجميد عمل التيار لمدة سنة كاملة، وآخرها كان إلغاء زيارة قبر والده محمد محمد صادق الصدر في الذكرى السنوية لوفاته.

وأثار ظهور الجماعة في الوقت الحالي، ردود أفعال من المهتمين بالشأن العراقي، فمنهم من هاجمهم واعتبرهم جماعة موالية لقوى "الإطار التنسيقي"، للإطاحة بالصدر سياسيا ومنهم من اعتبر أنها جماعة تحمل أفكارا عقائدية منحرفة.

 

جماعة متطرفة

قال المحلل السياسي غازي فيصل، في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، إن "جماعة أصحاب القضية كغيرها من الجماعات مثل العلي اللاهية الذين يعبدون علي بن أبي طالب ويعتبروه كالمسيح أو هو الله نزل في صورة علي بالأرض والآن في العراق يمارسون عملية الانتحار بالقرعة هذه الجماعات الراديكالية المتطرفة في الواقع تقدم في الإسلام مع الأسف نموذج لثقافة الشعوذة والخرافات".

وأضاف أن "جماعة أصحاب القضية هي واحدة من الجماعات المتطرفة التي لا تستند على علوم الدين أصلا وافترضت أن الصدر هو المهدي المنتظر وهذا افتراء بحد ذاته على شخصية الصدر التي يرفض من خلالها جميع الأفكار التي تأخذ طابع الشعوذة والخرافات من أجل أن تخلق تيار أو تحاول إثبات ظهور الإمام المهدي بشخص السيد الصدر".

وبين فيصل، أن "الصدر رفض هذه الأطروحة وقرر مواجهتهم بشدة وتقويض أفكارهم، والهدف مزدوج أما محاولة لتحقيق صحة الأفكار والتي هي ليس أفكار وإنما شعوذة وأما تشويه صورة الصدر ضمن إطار محاربة بعض التيارات والأحزاب الموجودة".

وتابع أنه "قد تكون دوافع هذه الجماعة سياسية لأنه لو نجحوا في أطروحتهم لذهبنا إلى صراعات، لان البعض يرفضها والبعض الأخر يؤيدها وسنذهب إلى فتنة كبيرة وصراعات دينية، ومن يقف وراءها يحاول إثارة الفتنة والشر بين التيارات الشيعية المختلفة".

وأوضح أن "أصحاب القضية يتمسكون برأيهم رغم رفض الصدر لأن لديهم على ما يبدو أجندة خارجية وأجندة داخلية وأخرى ذاتية، وموقف السيد الصدر موقف واضح وصريح وجريء وعلمي وينسجم مع جوهر الإسلام ويرفض أفكار الشعوذة لتشوية صورة الصدر وتشويه صورة القيم الإسلامية النبيلة".

 

دوافع سياسية

أكد الصحفي والمحلل السياسي مجاشع التميمي، في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، إن "غضب السيد مقتدى الصدر من ظهور جماعة أصحاب القضية بدا واضحا، بعدما أبدى عدد من الأشخاص الذين يشك بانتمائهم الحقيقي للتيار رغبتهم في إعلانه الإمام المهدي المنتظر، ما كان من شأنه إحداث فتنة شيعية - شيعية تتجاوز حدود العراق، لذلك أعلن الصدر في نيسان الماضي تجميد نشاط تياره عاماً كاملاً على الأقل".

وأضاف أن "القضية هذه تعد من القضايا الخطيرة جدا لأنها تمثل قضية فساد لا يختلف عن الفساد السياسي والمالي في العراق، إذ قال السيد الصدر في تغريدة له سابقاً إن أكون مصلحا للعراق ولا أستطع أن أصلح التيار فهذه خطيئة، وأن أستمر في قيادة التيار وفيه أصحاب القضية وبعض الفاسدين وبعض الموبقات، فهذا أمر جلل".

ويرى التميمي، أن "جماعة أصحاب القضية لها دوافع سياسية للإطاحة بالصدر سياسيا ومجتمعيا وهذا ما أكد عليه الصدر حينما قال: ثم أريد أن أنوه أن الحرب السياسية مع الفاسدين قد تحولت إلى حرب عقائدية، فهذا ديدن الفاسدين والمنشقين وتدعمهم أيادٍ خارجية"

وتابع أن "الصدر خيّر أتباعه بين قبوله كقائد إصلاحي غير مجتهد ولا معصوم أو الفراق إلى يوم الدين"، مبيناً أن "الصدر هاجم ذوي العقائد المنحرفة الذين ادعوا بأنه المهدي المنتظر".

 

بعد تاريخي

كشف المحلل السياسي جاسم الغرابي، لشبكة "الساعة"، أن "مشكلة أصحاب القضية ليست جديدة ففي عام 1996 عانى منها رجل الدين الشيعي محمد محمد صادق الصدر عندما جاءوا بما يسمى بالسلوكيين الذين قالوا بأننا جلبنا طريق الله ووصلنا إلى حد اليقين وأدعوا أيضا أن السيد هو الإمام المهدي وحاربهم ولعنهم وطردهم من الحوزة".

وأضاف أن "اليوم هناك مراكز دراسات إستراتيجية سياسية أمنية موجودة في كل الدول العظمى وتعمل على زعزعة الوضع السياسي العراقي والتشكيك في الإسلام وعقائده، فكما زرعت داعش في الجسد الإسلامي السني زرعت هؤلاء في الجسد الشيعي وخاصة في أتباع التيار الصدري وهناك من يدفع لهم في العراق".

وتابع الغرابي، أن "التيار الصدري في السياسة كتلة قوية متجانسة تتخذ قرارا واحدا وإذا قال مرجعهم مقتدى الصدر، الكل يطيع وهذا لم يرق لبعض الجهات السياسية في العراق".

وأشار إلى أن "هناك دعما لهؤلاء من خلال ضرب العقائد لدى التيار الصدري أو ضرب العقائد الشيعية، فهناك تدخل دولي عالمي لغرض الإطاحة عقائديا بالتيار الصدري".

ويرجح الغرابي، أنها "محاولة لضرب السيد الصدر عندما اتهموه بأنه الإمام المهدي وهو المخلص في أخر الدنيا فهو تعامل معهم مثل ما تعامل أبيه عام 1996 ففسقهم وأخرجهم من الملة ومنع التيار من التعامل معهم".

وبين أنها "حركة سياسية كبيرة دولية الهدف منها إضعاف التيار الصدري وتشتيت أفكار التيار اجتماعيا وعقائديا وسياسيا".

 

استفزاز للصدر

المحلل السياسي أحمد المياحي، قال لشبكة "الساعة"، إن "أصحاب القضية هم امتداد للسلوكيين الذين ظهروا مع تصدر المرجع محمد صادق الصدر إلى المرجعية وتأسيس حوزة مستقلة عن الحوزة التقليدية واسماها الحوزة الناطقة".

وأشار إلى أن "المغالين تبنوا اعتقادا بأن الصدر الثاني هو الإمام المهدي وشاع هذا الأمر بشكل كبير في ذلك الوقت ما دفع السيد محمد الصدر لمقاطعتهم في خطبة الجمعة عندما قال عن السلوكيين (أُخاطِب المجتمع المؤمن ذوي العقول الصافية والنفوس البريئة، أن يقاطعوا هؤلاء ويتبرّأوا منهم، ويبتعدوا عنهم بُعد السليم من الأجرب".

وأردف المياحي "بعد الغزو الأمريكي وتصدي السيد مقتدى الصدر لمقاومة الاحتلال ظهرت هذه المجموعة مرة أخرى وبقوة اشد مدعية أن الصدر هو الإمام المهدي مستندين بذلك على بعض الروايات الشيعية القديمة التي تقول (بإمكان حلول روح شخص في جسد شخص آخر) وهو ما يطلقون عليه بالحلول في القضية".

ولفت إلى أن "هناك بعدين لاستفزاز الصدر، الأول بعد ديني فهو خروج عن المألوف وثلم بالشخصية المعصومة لأن الإمام الثاني عشر هو إمام معصوم وبالتالي هذا يجعل من السيد مقتدى إمام الشيعة في العراق والعالم أمام مساحة ضيقة جدا غير قابل للتحرك وهذا ما يحاول تحريك خيوطه بعض خصوم الصدر سواء المحتل أو بعض الخصوم من الداخل مما استفز السيد مقتدى بشكل كبير وغير متوقع".

وتابع المحلل السياسي: "الثاني بعد سياسي وهو الأهم في هذه المرحلة باعتبار هناك تداخل ما بين العمل السياسي والديني من خلال صلاة الجمعة، واستشعار الصدر أن هناك أيادي خفية تتلاعب بهذه المجموعة للتأثير على المزاج السياسي لأتباع التيار الصدري وزرع بذور الفتنة داخل التيار الصدري وهذا هو التخوف الأكبر لدى السيد لذلك كان رده عنيفا وقد تصل الأمور إلى المواجهة المسلحة إذا لم يتراجع أصحاب القضية عن معتقداتهم المهدوية المغالية والغير منضبطة".

 

صراعات عقائدية

يرى أستاذ العلوم السياسية، عصام الفيلي، أن "السيد مقتدى الصدر لا يمثل شخصا اعتياديا، ولكن ينتمي إلى أسرة دينية تحكمها جملة من الأخلاقيات والعقائد تجعلها تقف بالضد تجاه أي شكل من أشكال التطرف والسيد عندما رأى من يحاول جعله المهدي المنتظر رفض ذلك جملة وتفصيلا".

وأضاف الفيلي خلال حديثه مع "الساعة"، أنه "في تاريخ الحركات الإسلامية دائما تظهر كثير من الحركات التي فيها الغلو وبالتالي يتماهى فيها الزعماء، إلا أن السيد مقتدى الصدر ليس من طراز الزعماء الذين يحاولون ترك دينهم ويتمسكون في الجوانب الدنيوية، وهو يعلم جيدا أنها قد تجر العراق إلى أزمة كبيرة".

وتابع أن "المشكلة تكمن في عدم وجود تحقيق عال المستوى في هذا الاتجاه رغم رفض الصدر لهذا الموضوع، ولم يكن هناك إعلان رسمي سواء من القوى الأمنية أو من خلال مكتب الصدر، وشخص بعض الأشخاص في هذا الاتجاه وجعلهم خارج اتباع التيار الصدري".

وتساءل الفيلي: "هل هذه الحركة ستبقى هي الحركة الأخيرة التي تظهر أم أن هناك جملة من الحركات؟ فبعض المصادر المقربة من السيد الصدر تقول إن هذه الحركة سياسية مدفوعة من أطراف سياسية والهدف منها خلق فتنة بين اتباع محمد محمد صادق الصدر وبين القوى الشيعية، والدخول بأزمة عقائدية، وهو ما جعل الصدر يقول إن الوضع في العراق أصبح صراع عقائد".

وفي وقت سابق، دعا زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر أتباعه إلى توقيع وثيقة عهد بالدم للإخلاص، والسير على نهج أبيه المرجع الشيعي محمد محمد صادق الصدر.

وتأتي هذه الدعوة بعد نحو أسبوعين من قراره تجميد التيار الصدري لمدة عام على الأقل، وذلك لمحاربة من سماهم المفسدين داخل مفاصل التيار، وتأتي تلك الدعوة على خلفية ظهور جماعة "أصحاب القضية".

وقررت محكمة تحقيق الكرخ، في وقت سابق، توقيف أفراد الجماعة (أصحاب القضية) بدعوى إثارة الفتنة والإخلال بالأمن المجتمعي، فيما اعتقلت الأجهزة الأمنية أربعة من عناصر الجماعة بدعوى متابعة الحركات والجماعات المنحرفة في محافظة ذي قار جنوبي البلاد.