أثارت مذكرات القبض التي أصدرها مجلس القضاء الأعلى في العراق مؤخرا بحق باحثين بالشأن السياسي ومعارضين لحكومة السوداني جدلا واسعا بين مؤيد لهذه المذكرات تحت مسمى "حفظ هيبة الدولة"، وبين رافض لها بقوة ومحذرا من أنها قد تكون بداية لتأسيس "سياسة تكميم الأفواه".
الجدل الدائر هو حول قانونية تلك الإجراءات التي تتبعها الحكومة بإيعاز قضائي مرة، ومرة ثانية حول تنافيها مع مبادئ الديمقراطية وحرية التعبير، وثالثة تتعلق بالخشية من استغلال تلك المذكرات لتكميم الأفواه مستقبلا، وحبس من ينتقد أي مؤسسة من صحفيين، وناشطين، وحقوقيين، وغيرهم.
مذكرات القبض طالت عددا من المحللين السياسيين والمعارضين لحكومة السوداني والمنتقدين لها عبر وسائل الإعلام المرئية وأبرزهم (الدكتور ليث شبر والدكتور محمد نعناع وزينب الساعدي وشخصيات أخرى) على خلفية انتقادهم للسوداني وتحت تهمة الإساءة إلى شخص رئيس الوزراء علناً.
وقد حذرت العديد من الأوساط الشعبية والمهتمة بالشأن العراقي فضلا عن مراصد حقوقية من التعامل مع المعارضين بهذه السياسة وإصدار مذكرات قبض بحقهم، في حين يرى البعض الآخر أنه يجب حفظ هيبة الدولة وعدم المساس بشخص رئيس الوزراء كونه يمثل واجهة البلاد ولا يجوز التجاوز عليه.
حرية الرأي مكفولة
قال الخبير القانوني علي البياتي في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، إن "الحكومات تتغير ويبقى نهج استغلال مؤسسات الدولة لمعاقبة ومحاسبة الشخصيات السياسية في فضاء الإعلام، متناسين بأن حرية التعبير عن الرأي مكفولة".
وأوضح أن "المعلومة التي يطرحها إعلامي أو محلل عن سياسي أو مسؤول في الدولة، يفترض على مؤسسات الدولة الرقابية والقضائية التحقيق في ذلك باعتبار ذلك مصدر للمعلومة والتأكد من صحتها، لكن يحدث عكس ذلك فما يحدث هو استغلال للسلطة من قبل المنتقدين، واستغلال قوانين قديمة لا تمت للديمقراطية بصلة لإسكات كل من ينتقد أو يحاول أن يوجه تهمة ضد جهة سياسية".
وطالب البياتي "السيد رئيس الوزراء بالتنازل عن كل الدعاوى التي أقيمت من مكتبه ضد الناشطين والإعلامين والمحللين، لأن حرية التعبير عن الرأي مبدأ أساسي لحقوق الإنسان في العراق".
خاتما تصريحه بالقول: "سمعنا مؤخرا بتنازل مكتب رئيس الوزراء عن كل القضايا التي أقيمت من قبل حكومة الكاظمي، وبالتالي تنازل مكتبه عن القضايا التي أقيمت من قبله لهو من باب أولى وأهم".
وفي الشأن نفسه قالت زينب الساعدي في تصريح خاص لشبكة "الساعة" بأن "السيد رئيس الوزراء قد رفع عدة دعوات قضائية عليها وعلى الدكتور محمد نعناع وعلى الدكتور ليث شبر".
وتابعت بقولها: "يعاب على الحكومة هذه التصرفات وهذه سياسة لكتم الأفواه ومخالفة لحرية التعبير المنصوص عليها في الدستور العراقي".
وبينت الساعدي بأن "من يتصدى للمناصب يجب أن يكون ذا شخصية تستقبل النقد والمعارضة والرأي الآخر، ولا يتوجه إلى القضاء لتكميم الأصوات، وستبقى نقطة سوداء في جبين هذه الحكومة".
تصفية حسابات شخصية
يؤكد الباحث بالشأن السياسي سيف رعد لشبكة "الساعة"، إن "رفع الدعاوي الذي أقدم عليه السيد السوداني قد يعتبر إجراء متسرعا ولا داعي له في وقت هو يعمل من أجل إنجاح مشروع حكومة الخدمة الوطنية فهو يحتاج إلى كل صوت وطني عراقي معه أو ضده لتقييم أدائه وكشف السلبيات التي اتخذتها حكومته".
وأضاف رعد، أن "كل رئيس وزراء يحتاج أن يسمع من المؤيدين والمعارضين له من أجل أن تكون الصورة واضحة معه فهم مرءاة الشعب وما يتحدث به الشارع، في وجهة نظري السوداني يسير هنا على خطى المالكي، وإلا كم رئيس وزراء مثل العبادي وعادل عبد المهدي والكاظمي لم ينتهج هذا الأسلوب وبالأخص الأخير الذي كان يهدد بالقتل وگص الأذن ويسب على الهواء أمام كل العراقيين".
وتسائل: "لما محمد نعناع وبعده ليث شبر هل أصبحت الأصوات المستقلة غير المنضوية تحت كتلة، أو تيار أو حزب أو جماعات مسلحة أو جماهير تتظاهر بالكيات والسماعات هي المستهدفة، أم هي تصفية حسابات شخصية".
وتابع: "أعتقد أن استهداف الشخصيات ذات الطابع المدني لمحاولة إسكات من يحاول أن ينهض بالأغلبية الصامتة المقاطعة للانتخابات وتحفيزها بالمشاركة للعملية السياسية والإبقاء على الجمهور المتحزب للتيارات والأحزاب السياسية، والا فهناك الكثير من يشتمون على الفضائيات ويلعنون المسؤولين ليلاً ونهاراً ولم نر تحرك من الحكومة عليهم".
وأردف: "نعم هذه المحاولات التي تنتهجها الحكومة الحالية هي عبارة عن تكميم للأفواه وإسكات كل شخص مهني يتكلم بالحقائق وأيضا تستبق فيها محاولة إنهاء أي توحد لهذه الأصوات من اجل أبعادهم عن المشهد السياسي، لكن النتيجة ستكون عكسية على الحكومة واستمرارها".
سلطة قمعية
ويرى السياسي المعارض الدكتور ليث شبر في بيان صحفي تابعته شبكة "الساعة"، أنه "لقد أعلنت موقفي المعارض في لحظة تشكيل الحكومة وفي وقتها أخبرت السيد رئيس الوزراء بذلك وأوضحت له بأن موقفنا المعارض ليس ضده شخصيا وإنما بسبب ترشيحه من جهة سياسية نعارض منهجها في إدارة الدولة وكانت إجابته الموثقة بأنه يتفهم ذلك".
وأضاف شبر، أنه "بعد ذلك أعلنت في وسائل الإعلام عن النية لعقد مؤتمر للمعارضة في بغداد وفعلا تم الإعداد لهذا المؤتمر الذي كان المفروض أن يعقد بعد انتهاء شهر رمضان المبارك".
وتابع: "لكننا خلال إعلاننا المعارضة تعرضنا إلى كثير من المضايقات والتهديدات تتعلق بالسكن وأمور أخرى يعرفها المقربون وآخرها هذه القضية، ولكننا لم نتراجع ولن نتراجع لأن مشروع المعارضة البناءة هو مشروع إصلاحي وليس مشروعا أقصائياً كالذي تمارسه السلطة اليوم".
وأردف: "لقد حذرنا في عدة مناسبات من أن السلطة ستتحول شيئا فشيئا بسبب سياساتها في عدم تقبل النقد والرأي الآخر إلى سلطة قمعية وهذا ما بدت ملامحه في سياسة الترهيب والترغيب واستغلال القضاء في قضايا سياسية باستعمال قوانين تم إقرارها في حقبة ما قبل 2003 وهي قوانين لا تمت بصلة إلى النظام الديمقراطي الذي تم إقراره بعد التصويت على الدستور في 2005".
وبين: "إننا نعتقد أن الفرصة متاحة أمام السيد رئيس الوزراء لتصحيح المسار والقرار في بناء الدولة الصحيحة والتي لا تستقيم ألا بضمان عمل المعارضة البنّاءة، فالمعارضة البنّاءة معه وليست ضده، نراها كذلك لأنها أساس ديمومة النظام الديمقراطي السليم في كل الأنظمة السياسية الديمقراطية المتقدمة".
ولفت إلى أنه "نشكر جميع من تعاطف معنا سواء بالاتصال المباشر أو بالنشر في وسائل التواصل العامة أو الخاصة فإننا نؤكد بأن المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقنا تضاعفت الآن وعلينا جميعا أن ندافع عن وطننا بالطرق السلمية والديمقراطية".
وبين: "لسنا ممن يستعمل السب والقذف في لقاءاتنا الإعلامية، بل دوما نؤكد على الإصلاح والنقد البناء والتنويه لما يكتنف المشهد السياسي من أخطاء وطرحنا في عدة مناسبات مشروعنا لبناء الدولة وفق الأسس الديمقراطية وفي هذا اللقاء بالذات كان كلامنا واضحا حول مشروع المعارضة البناءة وليس فيه سوى ما تناقلته وسائل الإعلام في وقتها ومنها تصريحات رئيس الوزراء نفسه حول قضية تهريب الدولار".
وختم: "سنذهب إلى القضاء وندافع عن قضيتنا بالأطر القانونية على الرغم من أن الموضوع هو استهداف سياسي واضح لإيماننا بأن مشروع المعارضة الذي رفعناه يجب أن ندافع عنه بكل ما لدينا من عزيمة وقوة لأننا نؤمن بقدرتنا على ذلك ونثق بأن العراق وشعبه يستحق منا كل التضحيات".
حفظ هيبة الدولة
من جانبه، قال الباحث بالشأن السياسي الدكتور حيدر البرزنجي في تغريدة على "تويتر" وتابعتها شبكة "الساعة": " أخلاق الشجعان والفرسان تختلف عن أفعال وأخلاق الجبناء الغمان هنا الفرق يا أخوان السلطة البولسية القمعية الحقيقة في زمان الغدر والخيانة".
وأضاف البرزنجي، أنه "مصادر تؤكد أن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني يأمر بالتنازل قضائيا عن 352 دعوى قضائية رفعتها حكومة الكاظمي ضد صحفيين وإعلاميين وناشطين".
اخلاق الشجعان والفرسان تختلف عن افعال واخلاق الجبناء الغمان هنا الفرق يا أخوان السلطة البولسية القمعية الحقيقة في زمان الغدر والخيانة.
— د.حــــيدر البرزنچــي (@Hber_iq) April 2, 2023
مصادر : رئيس الوزراء محمد شياع السوداني يأمر بالتنازل قضائيا عن ٣٥٢ دعوى قضائية رفعتها حكومة الكاظمي ضد صحفيين واعلاميين وناشطين. pic.twitter.com/ipyituIHPY
وفي وقت سابق، أطلق رواد مواقع التواصل الاجتماعي حملة للمطالبة بإطلاق سراح الدكتور محمد نعناع وتحت وسم "الحرية لمحمد نعناع"، مشددين على ضرورة عدم اتباع سياسة "تكميم الأفواه" التي كانت تنتهجها حكومات سابقة ضد إعلاميين وصحفيين.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام