لم يدم تفاؤل المراقبين طويلاً بحكومة محمد شياع السوداني؛ إلا وانهال عليه سيل من الانتقادات، مع الإعلان عن تعيينه لأكثر من 60 مستشارًا منذ توليه رئاسة الوزراء في 27 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بحسب النائب سروة عبد الواحد.

الانتقادات أعادت إلى الذاكرة السمة التي ارتبط بحكومة الكاظمي عندما وصفت بـ "حكومة المستشارين" خصوصًا وأن أعداد المستشارين الحاليين أضعاف ما كان في الحكومة السابقة، وهذا ما جعل حكومة السوداني بمرمى الاتهام.

كثرة المستشارين يعزوه المراقبون إلى محاولة السوداني في ترضية الأحزاب السياسية؛ خصوصًا وأن مجلس النواب أقر في عام 2017 قانون تنظيم عمل المستشارين، القاضي بتخصيص مكتب لكل مستشار، وبدرجة خاصة عليا، وألا يزيد عددهم على 6 ويرتبطون ارتباطا مباشراً برئاسة الجهة المعنية.

 

مخالفة قانونية

يقول النائب المستقل سجاد سالم، لشبكة "الساعة"، إنه "بعث استفسارا رسميا إلى الحكومة عن سبب كثرة عدد المستشارين، وطالبها بالكشف عن أعدادهم ومؤهلاتهم العلمية، وتواريخهم المهنية".

وأكد أن "تعيين المستشارين قد يكون مخالفة قانونية، فضلاً عن التكاليف المالية الإضافية التي تكلف الدولة".

وأضاف أن "القانون حدد عدد مستشاري رئيس الوزراء بـ 6 فقط، وفرض عرض أسمائهم (المستشارين) ليصوت عليهم البرلمان، وحدد شروطا متعلقة بالخبرة والشهادة والأداء"، مؤكدًا أن "المستشارين المعلنة أسماؤهم لا تتوفر فيهم الشروط".

وبين سالم وهو عضو في اللجنة المالية النيابية، أن "تعيين الدرجات الخاصة العليا، مثل مستشاري رئيس الحكومة، يحمل الدولة تكاليف مالية إضافية والهدف هو إرضاء التوافقات السياسية".

 

باب للفساد

يرى الخبير بالشأن السياسي، نزار حيدر، في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، أن "ملف المستشارين باب من أبواب الفساد المالي والإداري، ليس الغرض منه رفد المسؤول بالأفكار والرؤى التي تساعده على توسيع خياراته عندما يريد أن يتخذ قرارا ما".

وأضاف أن "الملف يصب في خانة المحاصصة الحزبية والفئوية المقيتة التي دمرت الدولة وأوصلتها إلى ما هي عليه الآن من فشل على مختلف المستويات".

وأوضح أن "المستشارين الذين يتم الإعلان عن تعيينهم بين يوم وآخر، إنما يتم ذلك بعملية تدوير واضحة لفاسدين وفاشلين مروا بتجارب في العملية السياسية ولم يقدموا شيئاً للدولة، كان آخرهم المطرود من الجامعة بسبب تورطه بعملية غش، فهل يؤتمن مثل هذا على صوت الناخب حتى يتم تعيينه مستشاراً لشؤون الانتخابات"، واصفًا تعيينهم، بـ "عملية تدوير النفايات المعروفة".

وبين أن "التعيينات في هذا الملف غير شرعية وغير دستورية لأنها تتعارض مع قانون تنظيم عمل المستشارين رقم 3 لسنة 2022، وهو القانون الذي صوت عليه مجلس النواب في الجلسة المرقمة 35 في 15/أيار/ مايو2017".

وتابع حيدر، أن "القوى السياسية تسترت عليه بالتوافق فلم يوقع عليه رئيس الجمهورية وقتها ولم يُنشر في الجريدة الرسمية (الوقائع العراقية) ليصبح قانوناً نافذ المفعول إلى أن أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في أواخر العام الماضي، حكماً بإلزام رئيس الجمهورية بإصدار ونشر القانون المذكور".

وأضاف أن "الغريب والمثير في هذا الملف هو أن رئيس مجلس الوزراء يعين لنفسه مستشارين في كل مؤسسات الدولة من وزارات وهيئات مستقلة وأجهزة أمنية وغيرها، وكأنه يخطط لبناء هياكل موازية لمؤسسات الدولة، وهذا خطأ فاحش لا يساهم في بناء الدولة أبدًا وإنما يضعفها ويقوي الكانتونات الموازية".

 

حلقة زائدة

بدوره، يذكر رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية غازي فيصل، في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، أن "الحكومات في كل العالم على صعيد الرئاسة أو غيرها تعتمد على المؤسسات الرسمية والمهمة في عدد من المستشارين المتخصصين لإدارة بعض الملفات المهمة، بما يساعد الوزارات ورئيس الوزراء في رسم السياسات المختلفة".

وأستدرك أنه "في العراق، الأمر مختلف خصوصاً فيما يتعلق بتعيين وتكليف المستشارين بشكل غير مبرر".

وأشار إلى أن "هناك مستشارين لا يؤدون أية مهام مطلوبة لتطوير عمل وأداء مجلس الوزراء ومتابعة بعض الظواهر الخطيرة في المجتمع".

واختتم رئيس المركز قوله، إنه "ليس هناك أي عيب بوجود مستشارين وفق ضوابط وقوانين، لكن العيب أن نتوسع بعدد المستشارين والجهاز البيروقراطي لا يؤدي مهامه المطلوبة، بل على العكس، يكلف الدولة أموالا طائلة، خصوصاً إذا كان المستشار بدرجة وزير".

 

مناورة سياسية

يستغرب الأكاديمي والباحث السياسي، مهند الجنابي "وصول مستشاري رئيس الوزراء لهذا العدد" دون ذكر أعدادهم.

وقال لشبكة "الساعة"، إن "أعداد المستشارين كانت إحدى الأدوات التي استخدمها إعلام الإطار التنسيقي وجيوشه الإلكترونية في التهجم على رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، وبالتالي يعين رئيس الوزراء الحالي أعداد تفوق أعداد مستشاري الكاظمي".

وأجاب على تساؤل ما أذا كان السوداني يرغب بمد جسور تواصل مع الأحزاب وامتصاص الغضب الشعبي في حال اندلاع مظاهرات أو حدث تصادم، قائلاً إن "السوداني بإمكانه أن يتواصل مع المواطنين عبر قنوات خاصة تقربه أكثر من الشارع وهموم أبناء الشعب ومطالبه".

ورجح أن "هذا العدد من المستشارين قد لا يؤدي دوره أو لا يسمح له بإبداء المشورة في صنع القرار".

ولفت إلى أن "موقف مظهر محمد صالح بخصوص موازنة الثلاث سنوات الذي عدّ هذا المشروع يتعارض مع قانون الإدارة المالية رغم أن صالح هو المستشار المالي لرئيس الوزراء".

وأكد الجنابي، أن "تعيين المستشارين يأتي لاحتواء كل الأطراف المشاركة في الحكومة وإرضائهم عبر مناصب حكومية مقنعة، خصوصاً أطراف السلاح التي أعلنت عدم مشاركتها في العمل السياسي، ولكنها جزء رئيس من قوى الإطار التنسيقي".

ويوم أمس الثلاثاء، عمد السوداني على تعيين عمر شاكر الحاج مستشاراً له وهو من مواليد عام 1995، شغل منصب المسؤول المالي لائتلاف النصر الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق، حيدر العبادي، وهو متزوج من شقيقة زوجة العبادي الثانية.

وتخضع المناصب الرفيعة لنظام المحاصصة منذ أول حكومة عراقية بعد 2003، ومن ثم تطور الأمر وبات مرهونا بعدد المقاعد والثقل السياسي الذي تمثله كل كتلة أو حزب أو كيان، بحسب المراقبين.

ويشترط القانون العراقي في تعيين المستشارين بالشروط العامة للتوظيف وهي: أن يكون حاصلا على الشهادة الجامعية الأولية في مجال اختصاصه في الأقل، وأن تكون لديه خدمة فعلية وخبرة في مجال تخصصه مدة لا تقل عـن 15 سنة للحاصل على شهادة الدكتوراه و18 سنة للحاصل على شهادة الماجستير و20 سنة للحاصل على شهادة البكالوريوس.

ويشترط القانون أيضًا أن تكون بضمن هذه المدد خدمة وظيفية فعلية في مجال تخصصه لا تقل عن 5 سنوات، وتكون الأولوية في التعيين بصفة مستشار لمن شغل منصب وزير أو درجة وزير.