لا تقل عن إرهاب "داعش" من حيث مكافحتها أو تأثيرها، فالمخدرات أصبحت آفة تهدد المجتمع العراقي وخصوصًا الشباب، وتحتاج إلى تحالف حكومي إن لم يكن دوليا للقضاء على المافيات والعصابات التي تشرف على إدخالها إلى البلد وتوزيعها.

ورغم أن السلطات الحكومية تعلن باستمرار دائم عن اعتقال الآلاف من تجار المخدرات؛ إلا أن الرؤوس الكبيرة ما تزال تمارس هذه المهنة التي تدر ملايين الدولارات، وسط مطالبات مستمرة بالحد من هذه الآفة.

ناشطون ومراقبون يرون أن الإجراءات الحكومية تجاه قضية المخدرات "ضعيفة" ولا يمكن لها أن تقف حائلاً دون انتشارها في البلاد، إذ إن تدابير السلطات العراقية تعوقها العديد من العوائق وفي مقدمتها القوة والنفوذ والواسطة.

 

تواطؤ حكومي

يرى المستشار القانوني، الدكتور علي محمد الموسوي، خلال حديثه مع "الساعة"، أن "المشرع العراقي اتخذ أشد العقوبات بحق جريمة التعاطي والاتجار بالمخدرات والمغيبات العقلية مهما كانت بحسب مواد 23 و35 لرقم 111 لسنة 1969، والتي تتراوح عقوبتها من 6 سنوات إلى 20 سنة".

وأشار إلى أن "بعض المحافظات العراقية والتي تسودها الأعراف العشائرية يأخذ فيها القضاء بالعقوبة الأرفق (أبسط عقوبة) بحق المتهم".

وأكد أن "بعض مراكز مكافحة الإجرام تقوم بتغيير وصف وكمية المضبوطات والاعترافات الأولية لتزييف الحقائق، ولأخذ مبالغ مالية من عائلة المتهم".

وتابع الموسوي "وإن لم تتفق (مراكز مكافحة الإجرام) مع المتهم في إعطاء أموال على شكل رشى فتقوم بتزييف الحقائق لكي تجعل من المتهم مدانا أمام القضاء، وإن أنكر أمام قاضي التحقيق تبدأ هذه القوى باستخدام وسائل التعذيب القاسية بحق المتهم أو مساومته على شرفه وعرضه".

وينصح المستشار القانوني، بأن "يكون المكلف بالتحقيق هو عبارة عن محقق عدلي في مراكز الشرطة أو مكافحة الإجرام أو أي مركز احتجازي ويعفى الضباط من هذه المهمة كون الأمر قد زاد عن حده، وجعل هذه المراكز للاحتجاز فقط".

 

العراق مستهلك للمخدرات

قالت شهرزاد العبدلي وهي ناشطة مجتمعية وأخصائية نفسية بتصريح لشبكة "الساعة"، إن "الظروف التي مر بها العراق على مدى 4 عقود من الزمن ظهرت عدت ظواهر سلبية، منها ظاهرة انتشار المخدرات والتي بدأت بعد عام 2003".

وتابعت أن "العراق كان مجرد معبر لهذه الآفة، إلا أنه أصبح فيما بعد مستهلكا كبيرا خاصة في المناطق الجنوبية بالنظر لقربها من أماكن توليد هذه الآفة (المخدرات)".

وأضافت أن "الظروف الاقتصادية الصعبة، وتزايد معدلات البطالة، فضلاً عن رخص سعر المخدرات، توحي بأنها خطة مرسومة لتدمير نسيج المجتمع العراقي".

وبينت العبدلي، أن "المخدرات تأثيرها يفوق تأثير المسكرات فمن يتناول الخمور أثره على المجتمع سلبي، ولكن ليس بدرجة من يتناول المخدرات؛ كونها تُذهب بالعقل بشكل كامل، وتؤدي إلى إدمان يصعب علاجه إلا في مركز خاصة للعلاج غير متوفرة في العراق".

وأكدت أن "المخدرات أدت إلى حالات عنيفة من العنف المنزلي، والاعتداء الجنسي، والقتل، ونحن بدورنا كمنظمة مجتمع مدني رصدنا العديد من هذه الحالات".

وأشارت إلى أن "الدولة لم تأخذ دورها الكامل في مكافحة المخدرات"، مؤكدة أن "العقوبات أصبحت بسيطة جدا بعد أن كانت عقوبتها الإعدام قبل عام 2003".

ولفتت إلى أن "تجار المخدرات يتحركون بلا خوف كون بعضهم مدعوم من جهات متنفذة بالدولة، والحدود كذلك غير مسيطر عليها من قبل الدولة، زيادة على كونها أصبحت تزرع في بعض الأماكن بالعراق".

واختتمت الناشطة المجتمعية قولها، إن "الجهود يجب أن تتظافر للسيطرة على الحدود، وفرض قوانين صارمة على المتاجرين بالمخدرات، فضلاً عن أهمية توفير مراكز علاجية تأهيلية للمدمنين".

 

تحايل على القانون

تعزو المستشارة القانونية، الدكتورة زينب الساعدي، خلال حديثها مع شبكة "الساعة"، انتشار المخدرات "خلل بالناحية القانونية؛ إذ إن قانون مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية القديم رقم 68 لسنة 65 كان قد شدد من عقوبة المتاجرة والإدمان".

فيما حدد القانون الجديد قانون رقم 50 لسنة 2017 عقوبة الإدمان ما لا يزيد على 3 سنوات، في حين كانت سابقا 5 سنوات وبالتالي خفف من العقوبة، بحسب الساعدي.

وأضافت أن "المادة الجديدة 32 من القانون الجديد لم تحدد الكمية المصادرة عند المتهم سواء كان مدمنا أو تاجرا، وبالتالي عدم تحديد الكمية يأخذنا إلى التحايل على القانون لأن أغلب المدمنين هم تجار، فعند إلقاء القبض عليه سيعترف بأن هذه الكمية للتعاطي وليس للمتاجرة وبذلك سيخفف عنه الحكم بهذا الخصوص".

وأكد أن "المخدرات ظاهرة مستشرية وهذا ما صرح به وزير الداخلية السابق عثمان الغانمي بأن نسبة تعاطي المخدرات بين الشباب وصلت إلى مرحلة تفوق 50% وهي مرحلة في غاية الخطورة".

ودعت الساعدي "القوى السياسية قبل المجتمع العراقي إلى التنبه لخطر المخدرات المستشرية في البلاد"، مشددة على "حاجة إلى تشديد العقوبات لا إلى تخفيفها".

ويشهد العراق انتشارا واسعا للمخدرات؛ بسبب الأوضاع المأساوية التي تعاني منها البلاد، والمتمثلة بالفقر والبطالة، فضلا عن سيطرة فصائل مسلحة تتبع لجهات متنفذة في البلاد على أغلب المنافذ الحدودية؛ مما سبب استمرار تدفقها إلى الشباب العراقي، بحسب منظمات وجهات حكومية.

وحسب عضو مفوضية حقوق الإنسان العراقية السابق علي البياتي، فإن "الأعداد المعلنة رسميا للعام الماضي 2022 تمثلت باعتقال 14 ألف شخص بين متعاط ومتاجر، بينهم 500 من النساء والأحداث".

وارتفعت أعداد المدمنين بشكل كبير منذ 2017 بسبب انخفاض أسعار المخدرات ووفرتها، مما أدى إلى زيادة بنسبة 40 % في أعداد المدمنين منذ عام 2017، وزيادة بنسبة 30 % في أعداد تجار المخدرات.

وبشكل شبه يومي، تعلن السلطات العراقية عن ضبطها أنواعا من البضائع والمواد والسلع المهربة والمخالفة لشروط وضوابط الاستيراد في المنافذ الحدودية مع إيران، فضلا عن عمليات تهريب المخدرات.