يواجه العراق في السنوات الأخيرة هجمة شرسة ليست من داعش هذه المرة، ولكن من مافيات وعصابات المخدرات، التي باتت الخطر الأبرز الذي يهدد البلاد.
السلطات الحكومية تعلن باستمرار عن حملات تستهدف تجار المخدرات وتعلن القبض على الآلاف منهم سنويا، ولكن على ما يبدو أن الرؤوس التي تتجار في المخدرات في مأمن عن تلك الحملات وهو ما يفسر تصاعد تجارة المخدرات في البلاد سنويا.
آخر الأسرار التي كشفت في هذا الملف ظهرت بتصريحات أدلى بها وزير الداخلية في الحكومة السابقة عثمان الغانمي، والتي أكد فيها تورط جهات سياسية متنفذة بتجارة المخدرات.
وقال الغانمي في تصريح لقناة العراقية الرسمية تابعته شبكة "الساعة": إن "بعض الجهات السياسية وغيرها من الجهات المتنفذة تقف وراء تجارة المخدرات"، مؤكدا أن العمل الكبير لا يمكن لأي جهة صغيرة القيام به.
في الإثناء، كشف مصدر في وزارة الداخلية العراقية عن تورط جهات مسلحة متنفذة تعمل ضمن الحشد الشعبي بتجارة المواد المخدرة.
وقال المصدر لشبكة "الساعة": إن "معلومات مؤكدة وموثقة تشير إلى تورط جهات مسلحة تعمل في الحشد الشعبي تقف وراء حماية تجارة المخدرات في محافظتي نينوى والأنبار".
وأشار إلى أن بعض الضباط شكوا من عدم قدرتهم على ضبط تلك الجماعات كونها مسنودة من الحشد الشعبي والفصائل المسلحة التي تمتلك النفوذ الأمني والسياسي في البلاد.
بالعودة إلى وزارة الداخلية، فقد أكد المتحدث باسم مديرية مكافحة المخدرات العقيد بلال صبحي أن الحملات الأمنية التي نفذتها الداخلية تمكنت من الإطاحة بـ 16 ألف متهم بتجارة وتعاطي المواد المخدرة خلال العام الماضي 2022.
وقال صبحي لشبكة "الساعة" إن "الداخلية ألقت القبض على 16 ألفاً و851 متهماً بتجارة وترويج وتعاطي المواد المخدرة خلال العام 2022، إضافة إلى ضبط نحو نصف مليون طن من المخدرات و15 مليون حبة مخدرة.
وأضاف: أن "520 شخصاً ألقي القبض عليهم، كانوا دون سن 18 عاماً (حدث)، فضلاً عن اعتقال 250 امرأة من بين إجمالي الملقى القبض عليهم بتهمة المخدرات"، مؤكداً أن المواطنين كان لهم دور كبير في عمليات إلقاء القبض على المتهمين.
وفيما يخص نشاطات مديرية مكافحة المخدرات خلال العام 2023، لفت صبحي، إلى أن "وزير الداخلية عبد الأمير الشمري، أصدر توجيهات حازمة لتفكيك شبكات تجارة المخدرات، واعتقال كبار التجار، وجرى إلقاء القبض على أكثر من 1400 متهم بتجارة وترويج وتعاطي المواد المخدرة، وضبط 63 كغم من المواد المخدرة وأكثر من 500 ألف حبة خلال شهر كانون الثاني الماضي".
ويشهد العراق انتشارا واسعا للمخدرات؛ بسبب الأوضاع المأساوية التي تعاني منها البلاد، والمتمثلة بالفقر والبطالة، فضلا عن سيطرة فصائل مسلحة على أغلب المنافذ الحدودية؛ مما سبب استمرار تدفقها إلى الشباب العراقي.
مستشار مؤسسة رؤى للدراسات غانم العابد أكد أن تورط جهات سياسية متنفذة في دعم تجارة المخدرات يجعل من القضاء على آفة المخدرات أمرا غير ممكن الوصول إليه.
وقال العابد في تصريح لشبكة "الساعة" إن "انتشار المخدرات في العراق بعد العام 2003، يرجع بشكل أساس لضعف سلطة الدولة وغياب القانون وضعف الإجراءات في المنافذ الحدودية فضلا عن وجود العديد من المنافذ الحدودية غير الرسمية مع إيران ومع الجانب السوري".
وأكد العابد أن مافيات وتجار المخدرات يتعاملون مع جهات ثلاثة لترويج تجارتهم، وهي حزب الفصائل المسلحة القريبة من إيران وحزب العمال الكردستاني وداعش والتي تعمل بدعم تجارة المخدرات المربحة من أجل الحصول على المال.
وأضاف العابد: أن "تصريح وزير الداخلية الأخير يعكس الواقع الخطر في البلاد والمتمثل بدعم جهات سياسية متنفذة لتجارة المخدرات في البلاد"، مبينا أن تلك التصريحات تعكس الواقع والذي يظهر من خلال الانتشار الواسع والسريع للمخدرات في البلاد والذي لا يمكن أن يكون إلا من خلال دعم جهات متنفذة".
واستبعد العابد نجاح الخطط الأمنية في القضاء على المخدرات في العراق مع استمرار دعم الجهات المتنفذة لتجارة المخدرات في البلاد، فضلا عن بقاء المنافذ الحدودية الرسمية وغير الرسمية دون رقابة حقيقية من قبل السلطات الأمنية.
أما الباحث والمحلل السياسي شمخي الموسوي يستبعد تورط الأحزاب السياسية الكبيرة في ملف تجارة المخدرات بصورة مباشرة.
وقال شمخي لشبكة "الساعة" إن "المافيات الكبيرة المهيمنة على تجارة المخدرات عملت على دعم بعض الشخصيات السياسية ودفعت بهم في ميدان السياسية من أجل استغلالهم لاحقا في حماية تلك المافيات وتجارة المخدرات".
وأضاف: أن "السبب الرئيسي في تفشي المخدرات يرجع لضعف تطبيق القانون وسلطة الدولة في الفترات الماضية، فضلا عن المشاكل الاجتماعية التي ساهمت في انتشار تلك المشكلة".
وأوضح أن العراق تحول مؤخرا من مرر لنقل المخدرات لمناطق أخرى إلى بلد مستهلك للمخدرات"، محذرا من مخاطر هذه الآفة على المجتمع العراقي في حال عدم معالجتها بصورة عاجلة وصحيحة.
وارتفع أعداد المدمنين بشكل كبير منذ 2017 بسبب انخفاض أسعار المخدرات ووفرتها، مما أدى إلى زيادة بنسبة 40 % في أعداد المدمنين منذ عام 2017، وزيادة بنسبة 30 % في أعداد تجار المخدرات.
وتدخل أغلب المواد المخدرة بحسب السلطات الأمنية العراقية من إيران إلى محافظتي البصرة وميسان وإقليم كردستان.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام