تحاول السلطات العراقية تسجيل نصر اقتصادي عقب اخفاقات مستمرة، وذلك من خلال تصوير جولة التراخيص النفطية الخامسة على أنها المنقذ لاقتصاد البلاد خلال المرحلة المقبلة.

لكن وبحسب خبراء النفط والطاقة في العراق فإن تلك الجولة عليها الكثير من السلبيات الخطيرة والتي بسببها لن يجني العراق نفعا من خلال استثمار النفط والغاز في الحقول المشتركة.

والأخطر من ذلك ما يجري من تلاعب ومحاولة لتزييف الحقائق "كما يصف الخبراء" بشأن المساهمة في تعزيز الاكتفاء الذاتي من النفط والغاز خلال السنوات الثلاثة المقبلة، لكن الأمر ليس كذلك، فما سينتج في هذه الجولة لن يكفي لسد 10 بالمئة من الحاجة المحلية.

ويوم الثلاثاء الماضي وقع العراق عقودا مع شركات أجنبية ضمن جولة التراخيص الخامسة في الرقع النفطية الحدودية.

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أكد أن تأخر تنفيذ جولة التراخيص النفطية الخامسة لـ 5 سنوات، كبد البلاد خسائر كبيرة وأضرارا بيئية.

وقال السوداني خلال حفل التوقيع على الجولات أقيم في وزارة النفط العراقية: إنه "سنصل إلى الاكتفاء الذاتي من الغاز خلال 3 سنوات".

وأعلن عن حفل قريب لاستثمار المصافي عبر جولة التراخيص السادسة، مشددا على أن التوجه نحو استثمار الغاز المصاحب والغاز الطبيعي نابع من قناعة راسخة، لتحقيق الإصلاحات الاقتصادية.

وينتج العراق أكثر من 4.5 ملايين برميل من النفط يوميا، وتمثل واردات القطاع أكثر من 94% من الناتج المحلي للبلاد.

ويعد العراق ثاني أكبر دولة في حرق الغاز الطبيعي في العالم بعد روسيا، وبخسائر تقدرها الحكومة بنحو 6 مليارات دولار سنويا.

وينتج العراق ما نسبته 43% من حاجته للغاز، بينما يستورد 57% من احتياجاته المحلية من الخارج وخاصة إيران التي تورد للعراق الغاز لأغراض توليد الكهرباء.

تقول وزارة النفط العراقية: إن "جولة التراخيص الخامسة ستستثمر في الحقول الحدودية مع دول الجوار، وسيتم تحويلها لحقول منتجة تضيف كميات كبيرة من النفط الخام والغاز للإنتاج المحلي".

وقال المتحدث باسم الوزارة عاصم جهاد: إن "سبب تأخر التوقيع على هذه العقود طيلة  5 سنوات كان بسبب تدخلات سياسية".

وأشار جهاد إلى أن الحقول الداخلة ضمن الجولة الخامسة تضم 6 حقول في محافظات ديالى وميسان والبصرة.

وأضاف: أن "معدلات الإنتاج من هذه الحقول ستصل إلى 250 ألف برميل نفط يوميا، فضلا عن إنتاج ما بين 800 ألف إلى مليون قدم مكعب قياسي من الغاز "مقمق" يوميا.

مع إمكانية مضاعفة هذا الإنتاج خلال تقدم عمليات التطوير التي ستتكفل بها الشركات، مما يسهم في توفير جزء من الحاجة المحلية للغاز لإنتاج الطاقة الكهربائية، فضلا عن اشتراط العقود تشغيل اليد العاملة العراقية بما نسبته 90%.

تؤكد الحكومة العراقية أن خصوصية العقود الأخيرة تكمن في تكاليف الإنتاج النفطي التي ستنخفض في حال تراجعت أسعار النفط وذلك وفق معادلة متفق عليها.

لكن الخبير وأستاذ علم الاقتصاد في جامعة البصرة نبيل المرسومي قلل من أهمية جولة التراخيص وانعكاسها على الاقتصاد العراقي والاكتفاء الذاتي من الغاز والنفط خلال السنوات المقبلة.

ويقول المرسومي في حديث لشبكة "الساعة" إن "أهمية جولة التراخيص تتمثل في أن الحقول معظمها حدودية (4 نفطية) و (2 غازيين)،لكن هنا العديد من الملاحظات والنقاط التي تؤشر على الجولة".

وأضاف: أن "أبرز الملاحظات على جولة التراخيص الخامسة تتمثل في عدم وجود برنامج إنتاجي محدد يلزم الشركات بكميات محددة من النفط والغاز، فضلا عن أنه يعطي الشركات المتعاقد معها سيطرة مطلقة على نسب العائدات من تلك الحقول، مقابل تراجع حصة السلطات الحكومية من العائدات لأقل من 45% ، فضلا عن طول الفترة الزمنية للعقود التي تزيد عن 30 عاما".

وتابع: أن "كل ما يقال تحديد الإنتاج في المرحلة المقبلة غير صحيح وما يوجد هو توقعات فقط، فوزارة النفط تتوقع أن تنتج تلك الحقول بعد 3 سنوات في الحقليين الغازيين 1000 مقمق، ولا يوجد شيء في عقود التراخيص يلزم الشركات على كميات الإنتاج".

وأكد المرسومي أن الحديث عن الاكتفاء الذاتي من الغاز والاستغناء عن الغاز الإيراني خلال السنوات المقبلة هو ضرب من الخيال، لأن نسبة الاكتفاء هو 43% وأن العراق يستورد 57% من حاجته للغاز، مبينا أنه يستورد الغاز من إيران بحدود 50 مليون متر مكعب يوميا بمبالغ تصل لـ 4 مليارات دولار سنويا، واستبعد المرسومي استغناء العراق عن الغاز الإيراني خلال السنوات الخمسة المقبلة على أقل تقدير.

وتابع الخبير والأكاديمي الاقتصادي: أن "العراق لو نجح في إضافة 1000 مقمق من الغاز إلى إنتاجه فذلك لن يساهم في الاكتفاء الذاتي، مبينا أنه في حال إنجاز 4 مشاريع رئيسية لإنتاج النفط في جنوب العراق والتركيز على الحقول الخاصة بالغاز في المنصورية وعكاس، إضافة إلى تنفيذ عقود شركة توتال الفرنسية فإن العراق ربما يصل إلى الإكتفاء الذاتي".

ويذهب الخبير العراقي في مجال الطاقة والنفط صلاح الموسوي لأبعد من ذلك ، حيث وصف جولة التراخيص الخامسة بالجولة السيئة التي تمهد لمزيد من المخالفات القانونية في مجال العقود النفطية.

وقال الموسوي لشبكة "الساعة" إن "جولة التراخيص الخامسة سيئة وتعطي شرعية لعقود المشاركة في الإنتاج غير القانونية في كردستان كونها تسير على ذات الخطوات".

وبين أن من الأمور التي تؤكد سوء التقاعدات، هو أن بعض العقود منحت لشركات موضوعة على القائمة السوداء بسبب عملها في الحقول النفطية في إقليم كردستان خلافا للقانون، مبينا أن تلك الشركة "شركة الهلال" التي تعمل في كردستان متورطة مع سلطات الإقليم بالاستيلاء على 95 مليار دينار من حقول غاز خورمور في كردستان والتي بدأ العمل في عهد النظام السابق.

وأكد الموسوي أن استغناء العراق عن الغاز الإيراني واستقلال العراق في مجال الطاقة كذبة كبرى تحاول السلطات في البلاد الترويج لها بينما لا وجود لها على الواقع، لأن العراق يستهلك 5500 مقمق يوميا من الغاز في مجال الكهرباء فقط، وفي حال تم إضافة 1000 مقمق في الحقول الحالية ضمن جولة التراخيص الأخيرة فلن ينتج العراق سوى نصف حاجته من الغاز المشغل للكهرباء فقط، مبينا أن الحاجة الفعلية للعراق من الغاز تصل لحدود الـ 11 ألف مقمق يوميا لتشغيل الكهرباء وللاستهلاكات الصناعية واليومية المنزلية وغيرها.

وعلى الرغم من السلبيات المسجلة على جولة التراخيص الخامسة لكنها تأتي أفضل من الجولات السابقة بحسب خبراء الاقتصاد والطاقة، فهم يرون أن  استثمار الحقول المشتركة أفضل من إهمالها، لا سيما أن دول الجوار كانت قد بدأت فعليا باستثمار هذه الحقول، وأن العراق تكبد خسائر اقتصادية بسبب إهمالها.