يبدو أن المجازر الدموية تأبى أن تفارق ديالى، فما أن تلتقط محافظة البرتقال الأنفاس، حتى تُلجم من جديد، ولعل آخر ما حدث البارحة، في قرية الجيايلة في حادثة أقل ما يمكن وصفها بالمجزرة البشعة، فمن يقف خلفها؟ 

مصادر خاصة بشبكة "الساعة"، أفادت بمقتل وإصابة 18 شخصا، بينهم نساء في هجوم شن من قبل ميليشيات مسلحة على مجموعة من المزارعين في قرية الجيايلة التابعة لقضاء الخالص بمحافظة ديالى شرقي البلاد.

المجزرة، أسفرت عن مقتل 8 أفراد من عائلة واحدة، بينهم امرأتان، فيما قامت الميليشيات بخطف أحد أفراد العائلة، عُثر عليه مقتولا في وقت لاحق وعليه آثار تعذيب وإطلاقات نارية.

 

تفاصيل المجزرة

مصادر شبكة "الساعة"، أوضحت أن المجزرة ارتكبت بشكل علني دون أن تتدخل القوات الحكومية القريبة من موقع الحادثة، وأن المجزرة تقف خلفها ميليشيات مسلحة تتبع لأحزاب مقربة من إيران، لتنتهي الحادثة، دون أي تحرك حكومي بعد، الأمر الذي يثير العديد من علامات الاستفهام والتعجب.

مجزرة الجيايلة ليست الأولى من نوعها، بل تذكر بجرح مجزرة المقدادية التي وقعت في قريتي الرشاد ونهر الإمام نهاية أكتوبر 2021، عندما راح ضحيتها نحو 20 شخصا، وحدثت أيضا على يد الميليشيات "الولائية".

في التفاصيل الدقيقة للمجزرة الجديدة، قال النائب عن محافظة ديالى رعد الدهلكي في حديث لشبكة "الساعة"، إن الجريمة نفذت بدوافع طائفية، مؤكدا أن الجريمة لا تحمل أي خلفيات للنزاعات العشائرية كما يحاول البعض ترويج ذلك، وأشار إلى أن الحادثة جرت أمام أعين الأجهزة الأمنية.

وبيّن الدهلكي، أنه في الأيام السابقة هاجم مسلحون مجهولون منطقة البو بالي المجاورة لقرية الجيايلة وقتلوا عددا من الأشخاص من المكون الشيعي، والبارحة هاجم 50 مسلحا قرية الجيايلة وقتلوا 8 أشخاص، بينهم امرأتان وخطفوا أحد المواطنين وجرى قتله فيما بعد.

"قبل أيام داهمت قوة أمنية منطقة الجيايلة واعتقلت 9 أشخاص، 7 منهم محتجزون لدى الأجهزة الأمنية و2 مصيرهم مجهولا لغاية اليوم"، وفق حديث الدهلكي لشبكة "الساعة".

ولفت الدهلكي، إلى أن أهالي منطقة الجيايلة أبرياء من حادثة البو بالي، وذلك يشهد عليه أهالي منطقة البو بالي، والجميع يعلم أن قرية الجيايلة منزوعة السلاح.

وشدد النائب، على أن "الجريمة إرهابية ميلشياوية المراد منها تأجيج الفتنة وخلط الأوراق وتهجرير الأهالي وزرع الرعب والسيطرة على الممتلكات والأراضي"، محملا القوات الأمنية المسؤولية عن الحادثة؛ "لأنهم لم يكشفوا منفذي الجريمة الأولى في البو بالي ولم يعتقلوا مرتكبي الجريمة الثانية في الجيايلة والتي حصلت في وضح النهار أسوة بجريمة نهر الإمام في المقدادية".

 

عملية تصفية وفشل للمحافظ

في السياق، اتهم تحالف العزم، ما أسماها فصائل مسلحة معلومة بالوقوف وراء جريمة قتل المدنيين في قرية الجيايلة، مطالبا في بيان تلقته شبكة "الساعة"، السلطات الحكومية "بملاحقة الجهات المسلحة التي تمتلك السلاح وتعمل تحت مظلة عناوين معلومة"، حسب وصفه.

كما أكد التحالف، على ضرورة نزع سلاح الجماعات التي تعمل خارج إطار الدولة، والتي تعمل تحت مظلتها وتستخدم السلاح في الجرائم ضد المواطنين.

القوات الأمنية كعادتها، دائما ما تنسحب أو لا تتدخل في أي مجزرة ترتكبها الميليشيات المسلحة، وخاصة في ديالى، كونها تحت سيطرة ميليشيات تأتمر بإمرة الأحزاب التي تقود الحكومة الحالية، وهذا ما تكرر اليوم بمجزرة الجيايلة، وذلك يدلل على أن الأمن يخشى من الجهات التي ترتبط بها الميليشيات، لذا يتخذ موقف المتفرج عادة.

مركز أفاد الحقوقي، أكد الحديث أعلاه، بقوله إن حدوث مجزرة الجيايلة، يعود إلى انسحاب قوات الجيش من القرية بشكل مفاجئ وترك المنطقة تحت سلطة عناصر مسلحة قبل أيام من تنفيذ الجريمة، وهو سبب مؤثر بوقوعها.

المركز الحقوقي أوضح في بيان تلقته شبكة "الساعة"، أن "المجزرة ليست نزاعا عشائريا مجردا، بل هي عملية تصفية"، وقال إن محافظ ديالى مثنى التميمي، فشل في أن يكون محافظا لكل أهلها.

 

تغيير ديموغرافي؟

ليس بعيدا عن كل ما تم سرده، قال عضو مجلس النواب العراقي، نهال مرشد الشمري، إن "مجزرة الجيايلة حلقة من مسلسل الخروقات الأمنية وسط فوضى السلاح المنتشر الذي أصبح أقوى من سلاح الدولة ويستبيح دماء الأبرياء".

الشمري أشار في تصريح صحفي تابعته شبكة "الساعة"، إلى أن "حيثيات المجزرة المروعة تؤكد أن السلطات الأمنية بديالى عاجزة عن مواجهة المجرمين والقتلة"، مشدّدا أنه "على رئيس الوزراء حقن الدماء في هذه المحافظة المنكوبة أمنيا"، على حد تعبيره.

من جهته، حذر الناشط والباحث في الصراعات والهوية صهيب الزبيدي في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، من أن استمرار هذه المجازر قد تعيد الطائفية مجددا.

وتابع الزبيدي، أن ما حدث في الجيايلة مجزرة بشعة بكل ما تحويه الكلمة من معنى، مردفا: "على السلطات الأمنية تحمل كافة المسؤولية وردع الميليشيات المتواجدة في ديالى؛ لأنها كل فترة تقوم بقتل ثلة من الأبرياء تحت ذرائع النزاع العشائري، لكنها تريد إرجاع الفتنة الطائفية وتغيير ديموغرافية مدينة ديالى وتهجير سكانها".

أخيرا، يجب القول إن ديالى ابتُليت بجبهتين، "داعش" والميليشيات، وما أن تكف جهة منهما عن مهاجمة الأهالي، حتى تسارع ااجهة الأخرى لارتكاب أبشع المجازر بحق الناس العزل والأبرياء.

كل ذلك يحدث منذ سنوات وأمام أعين الجميع من مسؤولين وقوى سياسية وقوات أمنية دون أي بوادر لوقف نزيف الدم الذي يطال أهل ديالى، وما يمنع من إنهاء تلك المجازر، هو عدم توفر الإرادة السياسية الحقيقية بالدرجة الأساس لزرع السلك والأمن في المحافظة.