9 سنوات عجاف مرت على النازحين والمهجرين قسرا وهم في خيم لا تقيهم حر الصيف ولا برد الشتاء، آمالهم معقودة بوعود لا يسمعونها إلا مع انطلاق الحملات الانتخابية.

الأمراض والأوبئة ومخاطر البرد القارس وهطول الأمطار والظروف المعاشية الصعبة وغياب مستلزمات الحياة الضرورية أمور اعتادها النازحون في الخيم المتهرئة.

أما مواقف الحكومات المتعاقبة منذ بدء قصة النزوح المؤلمة وإلى الآن فلم يخرج من حيز التعهدات والتصريحات، حتى أصبحت قضية النازحين وكأنها معضلة العراق الكبرى التي لم ولن يعرف لها حل.

 

وعود السوداني

مع مباحثات تشكيل حكومة محمد شياع السوداني ضمّنت القوى السياسية الكبرى في البلاد بورقة الاتفاق السياسي قضية النازحين والمهرجين قسرا لا سيما أهالي جرف الصخر.

وقطع السوداني وعدا على نفسه بإرجاع جميع السكان خلال أول 6 أشهر من عمر حكومته إلى مناطق سكانهم الأصلية، وهذا ما عده مراقبون وسياسيون بأنه الوعد الذي لن يتراجع السوداني عنه وأبدى ترحيبا بحسن نية رئيس الوزراء الحالي بشأن ملف النازحين.

ويرى الباحث في الشأن السياسي، الدكتور صلاح الكبيسي خلال حديثه مع شبكة "الساعة"، أن "قرار عودة النازحين مرهون بإرادة وأمر رئيس الوزراء محمد شياع السوداني باعتباره المسؤول الأعلى في البلد وعليه تحمل المسؤولية"، مؤكدا أن "النازحين يتطلعون لقرار ينهي معاناتهم من السوداني".

وأضاف أن "المواطن ليس له ذنب بالصراع ما بين الدولة والمجاميع الإرهابية"، متسائلا "لماذا يدفع ثمن هذه الصراعات؟".

وتابع أن "وزارة الهجرة أقدمت على ترحيل النازحين من مخيماتهم وإغلاقها من دون ضمان عودتهم إلى مناطق سكناهم ومنعتهم من المساعدات الحكومية والدولية".

وبين أن "عودة النازحين هي قضية وطنية ويتحمل مسؤوليتها جميع أعضاء السلطة التشريعية في البرلمان وليس حكرا على نواب المناطق المهجرة".

وطالب الكبيسي "رئيس الوزراء بحل مشكلة النازحين التي طال أمدها لسنوات منذ دخول التنظيمات المسلحة عام 2014 ولغاية الآن رغم كل المطالبات من الكتل السياسية".

وأوضح أن "البرنامج الحكومي للسوداني تعهد بإعادة جميع النازحين إلى مناطق سكناهم خلال 6 أشهر من تاريخ تسجيل الحكومة فيما لم يبق من المهلة غير شهرين ولم نلاحظ أية بوادر لعودتهم إلى الآن خاصة نازحي جرف الصخر".

وأردف أن "المصالح الشخصية للسياسيين طغت على المصلحة العامة ومصلحة الشعب العراقي وحالت دون عودة النازحين".

وأشار إلى "احتمالية أن تكون المطالبة بعودة النازحين تتعارض مع مصالح ممثلي تلك المناطق"، داعيا "السوداني لأخذ زمام المبادرة وحل هذه الأزمة كونها أخذت أكبر من حجمها".

 

ممثلو المناطق المحررة

يرى العديد من أهالي المناطق المحررة، أن ممثليهم أخفقوا في الإيفاء بوعودهم التي قطعوها إبان الحملات الدعائية في الانتخابات، وحملوهم مسؤولية بقائهم في المخيمات وعدم حل قضيتهم.

فيما ذهب آخرون، إلى أن القوى السياسية السنية الفاعلة بدأت تستخدم قضية النازحين كورقة لتحقيق مكاسب خاصة عند تشكيل الحكومة، وأنهم غير جادين في إنهاء معاناتهم من خلال إعادتهم إلى المناطق المحررة منذ سنوات.

وقال الصحفي والمراقب السياسي، عمر الجنابي، لشبكة "الساعة"، إن "التمثيل السياسي السني الهزيل المتمثل بعزم والسيادة لن يستطيعوا إرجاع النازحين إلى ديارهم"، واصفا "التمثيل السياسي السني بأنه الأضعف منذ 2003".

وأوضح أن "القيادات السنية وعدت سابقا عند تحالفها مع البناء بعودة النازحين وإخراج الحشود وإعمار المناطق المحررة ولم يحققوا أي شيء من وعودهم فكيف بحكومة يقودها الإطار التنسيقي، 80 % منها فصائل مسلحة؟".

وتحدى الجنابي، "كل القيادات السنية المتمثلة في تحالف عزم والسيادة من مثنى السامرائي ومحمد الحلبوسي وخميس الخنجر بإرجاع مهجر واحد لجرف الصخر".

 

قضية إنسانية

‏من جهته، يرى الأكاديمي والباحث بالشأن السياسي، زيد عبد الوهاب، أن "حل أزمة النازحين في ‎العراق هي مسألة إنسانية يراد أن تطوى بها صفحة من صفحات خروقات حقوق الإنسان لحل صفحات أخرى".

وأشار إلى أنه "على الحكومة أن تستوعب أن إغلاق ملف المُهجرين سيكون إنجازا عظيما عجزت 3 حكومات سابقات عنه حله".

وتسبب احتلال" داعش" لمحافظات العراق ومعارك التحرير بتشريد 6 ملايين عراقي (حوالي 15% من سكان العراق) من المدن التي اجتاحها التنظيم، وبسبب عمليات التحرير والقصف وكذلك الوضع الاقتصادي في المدن التي تخضع لحكم التنظيم.

وافتتح العراق عشرات المخيمات للنازحين من المناطق التي تخضع لتنظيم، بإدارة وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، أما المخيمات في إقليم كردستان فهي تحت إدارة منظمة بارزاني الخيرية، كما توجد مخيمات عشوائية وغير منظمة في العديد من المدن العراقية.

واستقبلت مخيمات النزوح ملايين الفارين من الحرب والعمليات العسكرية أو نتيجة التهجير القسري من الميليشيات الطائفية، إذا يتواجد في المخيمات حاليا، مليون و177 ألفا و234 نازحا، لا يستطيعون العودة إلى مدنهم لأسباب طائفية أو خلافات عشائرية، من أصل 4 مليون و969 ألفا و788 نازحا، عادوا إلى بيوتهم منذ 2017 وحتى 2022.

منظمة الهجرة الدولية كشفت في تقرير سابق، عن وجود أكثر من 400 موقع غير رسمي للنازحين في العراق، يضم 14 ألف عائلة؛ إذ أشار تقرير المنظمة إلى وجود عوائق تمنع عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية.

وبحلول 2022 أعلنت وزارة الهجرة والمهجرين العراقية إغلاق معظم المخيمات، إلا أنه ما زال هناك 14 مخيما رسميا للنازحين في العراق، 10 منها في إقليم كردستان العراق و4 في محافظة الأنبار، فضلا عن مخيمات عشوائية أخرى.

ولم يسمح إلى الآن للكثير من قاطني تلك المخيمات بالعودة إلى مناطقهم بسبب عدة ذرائع أبرزها عدم استقرار الوضع الأمني، واحتمالية وجود مطلوبين من النازحين.