عقب 3 سنوات من احتلال تنظيم "داعش"، لثلث مساحة العراق استطاع في 10 كانون الأول/ديسمبر 2017 تحقيق "النصر" على التنظيم الإرهابي وتحرير كامل أراضيه، ليعلنه "يوم النصر". 

انتشر "داعش" بشكل سريع في حزيران/يونيو 2014 في 3 محافظات عراقية (نينوى وصلاح الدين والأنبار) وأجزاء من محافظات كركوك وديالى وبابل والتي مثلت أكثر من ثلث مساحة العراق، بعد انسحاب الجيش العراقي من المحافظات إثر أمر اتهم القائد العام للقوات المسلحة آنذاك نوري المالكي، بإصداره.

بدأت عمليات تحرير  مناطق العراق من سيطرة "داعش" بفك الحصار الذي فرضه التنظيم على قضاء آمرلي في محافظة صلاح الدين بتاريخ 11 حزيران/يونيو 2014 واستمر حتى 31 آب/أغسطس 2014، فكانت منطلقًا لتحرير محافظة صلاح الدين بالكامل في 22 آب/أغسطس 2016، تلاها تحرير أجزاء كبيرة من محافظة الأنبار بـ 30 حزيران/يونيو 2016، ثم تحرير الموصل في 10 تموز/يوليو 2017.


الضحايا المدنيين

رغم مرور سنوات على استعادة العراق لجميع أراضيه من تنظيم داعش فإن الجهات الرسمية لم تعلن حتى اللحظة الأعداد الدقيقة لضحايا الحرب من المدنيين والعسكريين. 

موقع (Iraqi body count) البريطاني المختص بحساب عدد القتلى المدنيين في العراق، كشف أن عدد المدنيين الذين قتلوا بين عام 2014 و 2018 كان 70 ألفا و691 قتيلاً، موزعة حسب السنوات ففي عام 2014 بلغ عدد القتلى 20 ألفا و218 عراقيا، بينما سجل العام الذي بعده مقتل 17 ألفا و 578 مدنيا، وعام 2016 سُجل 16 ألفا و393 قتيلا عراقي، وعام 2017 سجل عدد القتلى 13 ألفا و 183 مواطنا، في الوقت الذي أشار فيه إلى أن عام 2018 سجل العدد الأقل من القتلى المدنيين بواقع 3 آلاف و319 قتيلا، بحسب الموقع.

تقرير أممي كشف عن حصيلة الجرحى لعام 2014 وحتى 2017، وبين أن أعداد الجرحى بلغت أكثر من 55 ألف جريح، فضلا عن أكثر من 5 ملايين نازح وذلك حتى انتهاء معركة تحرير الموصل.

وارتكب داعش إبان سيطرته على الموصل مجموعة من الانتهاكات الخطيرة و الممنهجة التي ترقى إلى مستوى "الجرائم الدولية"، فأعدم آلاف المواطنين، واكتشفت مقابر جماعية عديدة، بحسب تقرير للأمم المتحدة.

بينما شهدت عمليات تحرير الموصل مقتل ما لا يقل عن ألفين و521 مدنياً، ووقع العدد الأكبر من الضحايا في أكثر الأحيان نتيجة الهجمات التي نفذها داعش والقصف الجوي من التحالف الدولي.

وأفادت وحدات الدفاع المدني أنها انتشلت بقايا جثث ألف و642 مدنياً من تحت الأنقاض، كما اضطرت  137 ألفا و339 أسرة اللجوء لمخيمات النزوح، إثر العمليات العسكرية،بينما كشف وزير الخارجية العراقي الأسبق هوشيار زيباري أن أعداد المدنيين الذين قتلوا في الموصل فقط يقارب 40 ألف مدني.

 

النزوح المليوني الأكبر

تسبب احتلال داعش لمحافظات العراق ومعارك التحرير  بتشريد 6 ملايين عراقي (حوالي 15% من سكان العراق) من المدن التي اجتاحها التنظيم وبسبب عمليات التحرير والقصف وكذلك الوضع الاقتصادي في المدن التي تخضع لحكم التنظيم.

افتتح العراق عشرات المخيمات للنازحين من المناطق التي تخضع لتنظيم، بإدارة وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، أما المخيمات في إقليم كردستان فهي تحت إدارة منظمة بارزاني الخيرية، كما توجد مخيمات عشوائية وغير منظمة في العديد من المدن العراقية.

استقبلت مخيمات النزوح ملايين الفارين من الحرب والعمليات العسكرية أو نتيجة التهجير القسري من المليشيات الطائفية، إذا يتواجد في المخيمات حاليا، مليون و177 ألفًا و 234 نازحا، لا يستطيعون العودة إلى مدنهم لأسباب طائفية أو خلافات عشائرية، من أصل 4 مليون و 969 ألفًا و 788 نازحًا ، عادوا إلى بيوتهم منذ 2017 و حتى 2022.

منظمة الهجرة الدولية كشفت بتقرير عن وجود أكثر من 400 موقع غير رسمي للنازحين في العراق، يضم 14 ألف عائلة؛ إذ أشار تقرير المنظمة إلى وجود عوائق تمنع عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية.

وتوزعت المخيمات على محافظات الأنبار وبغداد ودهوك وأربيل والسليمانية ونينوى وديالى؛ وبلغ عدد المخيمات في محافظة دهوك 11 مخيماً، ويبلغ عدد المخيمات في محافظة نينوى، 8 مخيمات، فيما بلغ عدد المخيمات في محافظة أربيل 3 مخيمات.

وفي محافظة السليمانية بلغ عددها 3 مخيمات، كما تحتوي محافظة ديالى مخيمًا واحداً فيما تستضيف الأنبار مخيمًا ، وتحتوي العاصمة بغداد، على مخيمين،

وبحلول 2022 أعلنت وزارة الهجرة والمهجرين العراقية إغلاق معظم المخيمات، إلا أنه مازال هناك 14 مخيمًا رسميًا للنازحين في العراق، 10 منها في إقليم كردستان العراق و4 في محافظة الأنبار، فضلًا عن مخيمات عشوائية أخرى؛ إذ لم يسمح حتى الآن لقاطني تلك المخيمات بالعودة إلى مناطقهم بسبب عدة ذرائع أبرزها عدم استقرار الوضع الأمني، واحتمالية وجود مطلوبين من النازحين.

 

الدمار في البنية التحتية

عقب انتهاء عمليات التحرير وإعلان النصر على داعش كشف عن حجم الضرر التي تعرضت لها المدن المحررة وهي صلاح الدين ونينوى والأنبار وكركوك؛ وشملت الخسائر البنية التحتية والمنشآت الاقتصادية الحكومية والخاصة.

وقدرت الخسائر الحكومية وحدها من مبان وخزائن البنك المركزي والأسلحة التي تركتها القوات العراقية في تلك المحافظات بـ 36 مليار دولار.

بينما قدرت الخسائر المالية المقارنة لأعداد المنازل المدمرة والبالغة 250 ألف منزل في القطاع الخاص، بـ 7 مليارات و500 مليون دولار، باعتبار أن أقل تكلفة إعادة الإعمار تقدر بـ 30 ألف دولار للمنزل الواحد، في حين أشارت تقارير حكومية إلى أن أعداد المنازل المدمرة لم تتجاوز 150 ألفا.

وزارة الكهرباء قدرت بدورها خسائر القطاع الكهربائي في المناطق التي سيطر عليها تنظيم "داعش" بـ 12 مليار دولار، وهذا ما أكده رئيس الوزراء حينها حيدر العبادي، بقوله إن قطاع الكهرباء نال الجزء الأكبر من الخسائر لتشمل محطات الإنتاج وشبكات النقل والتوزيع، ما تسبب بفقدان العراق جزءا كبيرا من البنى التحتية وقتها.

وزارة التخطيط العراقية، أعدت تقريرا في 2018، عن عدد الوحدات الاقتصادية الحكومية المتضررة من الحرب ضد "داعش" وتقدر بـ  8 ألف 457 وحدة، تشمل قطاعات النفط والكهرباء والتعليم والصحة والنقل والمستشفيات وغيرها.

وأشار التقرير الذي شمل 7 محافظات عراقية إلى أن محافظة صلاح الدين كانت الأكثر تضررا على صعيد البنى التحتية الاقتصادية بسبب الدمار الذي لحق بالمنشآت النفطية والكهربائية والمصافي التي كانت ترفد مختلف محافظات البلاد.

وقدر المسؤولون المحليون في محافظة نينوى نسبة الدمار التي طالت المحافظة من بنى تحتية وممتلكات عامة وخاصة بـ 80%، فضلاً عن تسوية آلاف المنازل بالأرض، وتدمير 32 ألف مبنى.

كما أن 80% من جامعة الموصل دمرت، بواقع 144 بناية، بالإضافة إلى تدمير المكتبة المركزية؛ إذ فقدت الجامعة أكثر من مليون كتاب علمي في مختلف التخصصات، فضلا عن تدمير جميع المختبرات العلمية ونهب محتوياتها مع جميع الآليات والورش الصناعية.

 

آثار دمرتها الحرب

سيطرة داعش على ثلث مساحة العراق لمدة 3 سنوات وما أعقبها من عمليات تحرير ومعارك، تسببت بخسارة البلاد لجزء كبيرة من معالمه الأثرية وتراثه فمنها ما هدم على أيدي عناصر داعش باعتبارها مخالفة لمعتقداتهم الدينية، بينما دمر الجزء الآخر إثر عمليات التحرير والقصف على المناطق المحتلة. 

وفي الموصل دمرت عمليات التحرير والقصف، بعض معالم المدينة كما فجر "داعش" جزءاً من المتاحف والمعالم العريقة في الموصل منها آثار النمرود وجامع "النبي يونس" وقبر النبي "شيت" وسرق بعض المخطوطات والآثار فضلا عن تهريب جزء منها إلى سوريا ودول أخرى.

وتعرض "جامع النوري" العريق ومئذنته الأثرية المعروفة "بالحدباء"،التي كانت تعلو منطقة الموصل القديمة، للقصف والتخريب قبيل تحرير المدينة.

وتسببت العمليات العسكرية على تنظيم "داعش" منذ 2014 ولغاية 2022، بتدمير أكثر من 5 آلاف مبنى تمت إزالتها أو فقدان صلاحيتها للاستخدام من بينها 108 مساجد و15 ضريحاً و19 كنيسة و37 مدرسة ومعبداً واحداً و 13 سوقاً و13 حماماً و431 بيتاً تراثياً، فضلاً عن المتاحف والمواقع الأثرية، وفق  وزير الثقافة والسياحة والآثار أحمد فكاك البدراني.

 

تحرير الموصل وإعلان "النصر"

بدأت عمليات تحرير الموصل من "داعش"، حين أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2016، عن بدء عملية تحرير الموصل بمشاركة الجيش العراقي والحشد الشعبي وقوات البيشمركة وقوات التحالف الدولي التي ساندت عمليات التحرير بالقصف الجوي.

اشتدت المعارك في الجانب الأيمن للموصل، بعد دخول القوات العراقية المدعومة بقوات التحالف الدولي في 24 شباط/ فبراير 2017، إلى أول أحياء غرب المدينة بعد 4 أشهر على انطلاق العمليات العسكرية، واستعادت بعدها الجانب الأيسر من المدينة.

انطلقت بعدها المرحلة الثانية من "عملية تحرير الموصل" من سيطرة داعش، وتشمل الجانب الأيمن بعد استعادة الجانب الأيسر، والتي تسببت بنزوح ما يقارب مليون شخص منذ انطلاق عمليات التحرير.

 وتعد المرحلة الثانية الأكثر تعقيدا منذ بداية العملية العسكرية؛ إذ يوجد ما يقارب 800 ألف مدني محاصر بالمدينة القديمة من بينهم 350 ألف طفل معرضون للخطر في ظل اشتداد القصف واحتدام المعارك البرية بين عناصر داعش والقوات العراقية المدعومة بالتحالف الدولي.

وفي يوم 1 تموز/ يوليو 2017 تمكنت القوات العراقية من الوصول إلى بقايا جامع النوري ومنارته الحدباء (التي أعلن منها زعيم داعش، أبو بكر البغدادي الخلافة)، وفي يوم 9 من ذات الشهر تمكنت القوات العراقية من السيطرة بشكل كامل على مدينة الموصل، وفي اليوم التالي أعلن العراق النصر واستعادة الموصل كليا.

 

هل انتهت المعركة؟

عقب مرور 5 سنوات على إعلان "النصر"، يبدو أن إلحاق الهزيمة الكاملة بتنظيم "داعش" مازالت هدفاً بعيد المنال على المدى المنظور في العراق.

منذ إعلان يوم النصر على تنظيم داعش ولم تنته سلسلة هجمات عناصر التنظيم على القوات الأمنية كما سجلت العديد من الهجمات على المدن والقرى أسفرت عن قتل وإصابات في صفوف القوات الأمنية والمدنيين

ومنذ أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، شن التنظيم سلسلة من الهجمات في مناطق فاصلة بين البيشمركة (قوات إقليم كردستان شمالي البلاد) والقوات الاتحادية، ما أوقع عشرات القتلى والجرحى بين صفوف تلك القوات والمدنيين.

وفي أواخر 2021 أعلن جهاز مكافحة الإرهاب إنشاء تعاون كبير يجمع بين الجهاز والقوات الأمنية الأخرى والبيشمركة بهدف تبادل المعلومات لتأمين جميع المناطق الشمالية من هجمات تنظيم "داعش".