شهد العراق عقب تسمية مرشح الإطار التنسيقي محمد شياع السوداني رئيسا لمجلس الوزراء، جملة من التغييرات في المناصب الحكومية بدوافع سياسية لإعادة نفوذ "الدولة العميقة" وفقًا لوجهة نظر مسؤولين ومراقبين.
فيما يرى آخرون أن التغييرات التي أجراها السوداني خطوات مهنية ليس لها أية دوافع سياسية، رغم تأكيدات ممثلي بعض المكونات أن المؤسسات الأمنية والعسكرية بعيدة عن التوازن والتمثيل المكوناتي كونها تقتصر على مكون واحد.
الدرجات الأمنية والعسكرية
في العراق، توجد العديد من المناصب والمواقع العسكرية الحساسة، وأبرزها منصب وزير الدفاع، ووزير الداخلية، وقائد هيئة الحشد الشعبي، ومستشار الأمن القومي، ومسؤول جهاز الأمن الوطني، ومدير المخابرات، وقائد القوات البرية، ورئيس أركان الجيش، ومدير الاستخبارات العسكرية، وقائد جهاز مكافحة الإرهاب، وقائد قوات الرد السريع، وقائد قوات الشرطة الاتحادية، وقادة العمليات، وقادة الفرق، وقيادة قوات حرس الحدود، وأهمها منصب القائد العام للقوات المسلحة.
ولم تدرج في المواقع العسكرية الهامة المناصب الأمنية في إقليم كردستان كونها (البيشمركة، الأسايش) مستقلة تماما عن سلطة الحكومة العراقية.
كما لما يذكر في التقسيم السابق، الفصائل المسلحة ولاسيما القريبة من إيران والتي يراها مراقبون بأنها تمتلك القوة الحقيقية على الأرض والتي تفرض نفوذها حتى على أجهزة الدولة الأمنية الأخرى.
مناصب غير شرعية
أكد النائب الأول لرئيس البرلمان، شاخوان عبد الله، غياب تمثيل المكونات في المؤسسات الأمنية والعسكرية العراقية، ولاسيما في المناصب القيادية العليا.
وقال شاخوان عبد الله، إن "المؤسسات الأمنية والعسكرية العراقية غير شرعية بسبب غياب تمثيل المكونات داخل مناصبها العليا".
بدوره، طالب أرشد الصالحي عضو مجلس النواب العراقي، القيادة العسكرية العراقية بـإعادة النظر في هيكلية الجيش والابتعاد عن المحاصصة الطائفية الحزبية التي ستجر البلاد إلى الهاوية.
وقال الصالحي في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، إن "المكون التركماني لا يملك أي تمثيل داخل الأجهزة الأمنية".
وأضاف أن "بعض الأجهزة تتصرف بعدوانية تجاه المكون التركماني، ورغم وجود الكثير من الكفاءات الأمنية لا توجد رغبة لدى الحكومة بإعطاء أي منصب أمني للتركمان".
كيف تقسم المناصب العليا؟
بحسب لغة التقسيم المكوناتي للمناصب المعتمد في العراق، فإن جميع المواقع القيادية العسكرية تعود للمكون الشيعي، باستثناء منصبي وزير الدفاع وقائد القوة البرية اللذين يعودان للمكون السني، وهما منصبان شكليان أكثر من كونهما مناصب قيادية فاعلة.
ويشير الخبير الأمني والاستراتيجي، سرمد البياتي، خلال حديثه مع شبكة "الساعة"، إلى "ضرورة أن تكون الآلية في توزيع المناصب الأمنية شفافة وتعتمد على الكفاءة والخبرة ونزاهة الأشخاص الذين يتولون المناصب وخصوصًا الأمنية منها".
وأكد أن "هناك خلافات على المناصب بين السياسيين"، مستدلاً بـ "كلام نوري المالكي (رئيس الوزراء الأسبق) حول امتناعه عن تسلم أي منصب أمني للأحزاب التي تملك فصائل مسلحة".
واستبعد البياتي، أن "يكون هناك توزيع عادل للمناصب الأمنية بين المكونات السياسية"، لافتاً إلى أن "بعض الإقالات فيها جنبة وانتقام سياسي".
خلافات سياسية
الباحث والمحلل السياسي، غالب الدعمي، أكد لشبكة "الساعة"، أن "هناك خلافات واسعة على توزيع المناصب، ففي وزارة الداخلية الإقالات شملت أغلب المحسوبين على منظمة بدر أو المدعومين منها وخصوصاً قائد الشرطة الاتحادية وشخصيات أخرى"، مرجحاً أن "يكون البدلاء نخبة جيدة من الضباط".
وأضاف أن "القوات الأمنية منذ سنوات طويلة أخذت صفة الانتماء إلى الأحزاب السياسية وابتعدت عن الانتماء للدولة"، مشددًا على ضرورة "إعادة الانتماء للبلد والدولة، وأن يجرم على القوات الأمنية الانتماء إلى الأحزاب".
وبيّن أن "بعض الجهات السياسية تعتبر التغييرات الحاصلة استهدافًا سياسيًا كما حصل في مطار بغداد".
استبعد الدعمي، أن "يكون التكليف على أساس الكفاءة أو الوطنية"، مؤكدًا أن "جميع المناصب حزبية وتخضع لمزاج الأحزاب، على شرط حصول موافقة من مسؤول المؤسسة الأمنية والقائد العام للقوات المسلحة".
ولفت إلى "وجود انتقام سياسي لبعض الجهات المحسوبة على مصطفى الكاظمي وبقية المناصب المقالة أغلبهم تم تكليفهم في حكومة عادل عبد المهدي وما سبقها ولا يمكن اعتبارها انتقام من الكاظمي أو التيار الصدري".
واختتم المحلل السياسي قوله، إن "بعض التعيينات الجديدة تنتمي إلى التيار الصدري ومقربة منه".
المكون السني خارج الحسابات
حول حصة المكون السني من المناصب الأمنية العليا، يؤكد الباحث بالشأن السياسي، كتاب الميزان، لشبكة "الساعة"، أن "المكون السني لم يستلم إلى الآن أي منصب أمني حساس فيما يخص التعيينات الجديدة".
وأشار إلى أن "هناك بوادر خلافات بين قيس الخزعلي (أمين عام عصائب أهل الحق) ونوري المالكي على عدة قضايا منها مسألة المناصب الأمنية الحساسة".
وأضاف أن "الإقالات لم ترتق إلى المستوى الكبير الذي يعبر عن تمثيل وتوازن بين المكونات في مؤسسات الدولة".
واختتم الميزان قوله، إن "الإقالات التي أجراها السوداني لم تكن بدوافع انتقامية، وإنما لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وفق توجه جديد".
إعفاءات السوداني بالجملة
في اليوم الأول من اختيار السوداني رئيسًا للوزراء، أقال الأخير مدير عام الخطوط الجوية، كريم كاظم، وكلف الوكيل الفني لوزارة النقل، طالب بايش، بالإشراف على الشركة.
وبعدها بيومين، اتخذ السوداني قراراً بإقالة السكرتير الخاص بالكاظمي، الفريق الأول محمد البياتي، وتعيين الفريق سعد العلاق بدلاً عنه.
ومطلع الشهر الماضي، أعلن السوداني إلغاء جميع القرارات والأوامر الديوانية والوزارية الصادرة عن حكومة تصريف الأعمال برئاسة رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي.
وشمل القرار إعفاء نحو 169 مسؤولاً رفيعًا، من بينهم رئيس جهاز المخابرات العراقية، رائد جوحي، وحميد الشطري رئيس جهاز الأمن الوطني ونعيم مهدي مستشار جهاز الأمن الوطني، وأمين العاصمة بغداد عمار موسى كاظم.
وبقرار السوداني، تم إعفاء مشرق عباس المستشار السياسي لرئيس الحكومة، وإحالة الفريق الركن حامد مهدي الزهيري قائد الفرقة الخاصة لحماية المنطقة الخضراء في بغداد إلى وزارة الدفاع.
وفي السادس من تشرين الثاني/نوفمبر المنصرم، قرر السوداني نقل مدير عام التحقيقات في هيئة النزاهة إلى خارج الهيئة، والموافقة على طلب استقالة رئيسة هيئة الاستثمار، سها النجار.
وفي 17 من الشهر ذاته، أصدر السوداني أوامر وزارية بإقالة اللواء فؤاد ناصر بلاد مبارك من منصب مدير عام العقود في الداخلية، إعفاء مدير عام صندوق شهداء الشرطة وكذلك مدير شرطة بغداد في جانب الرصافة الشرقي ومدير شرطة بغداد في جانب الكرخ الغربي.
وقرر السوداني أيضًا إعفاء مدير عام سلطة الطيران المدني، ومدير مطار بغداد الدولي، ومدير أمن المطار من مناصبهم، بالإضافة إلى العديد من المسؤولين الذين يقدر عددهم بـ 900 ما بين محافظ ومسؤول رفيع ومستشار.
وعلى إثر الإعفاءات الأخيرة، علق الباحث والإعلامي البارز، حسام الحاج، قائلا: سيذكر التاريخ أن السوداني قد مارس أكبر مجزرة في تغيير المناصب الإدارية العليا في الدولة في أول 40 يوما من عمر حكومته غّير أكثر من 900 منصب.
وأضاف أن "السوداني مّكن جهة سياسية واحدة على حساب جهات أخرى، في 40 يومًا فقط أعاد الرجل إنتاج الدولة العميقة التي استغرق تفكيكها 8 سنوات متتالية".
ولم يفارق العراق تهميش المكونات في الأجهزة الأمنية وهي السنة التي سنها رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، بحسب ما يؤكده رئيس مجلس النواب الأسبق، أسامة النجيفي.
ويبدو أن تحذيرات القوى السياسية التابعة للمكونين السني والكردي وللمكونات الأخرى لم تلق آذانًا صاغية من قبل الجهات صاحبة القرار في العراق على الأقل في الوقت الحالي.
ويكتفي من يعتبر نفسه مهمشًا بالحصول على استحقاقه في الأجهزة الأمنية بالتطوع والمراتب والتقديم في الكليات العسكرية فقط.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام