كان يسمى أرض السواد لكثرة الأشجار والمزروعات فيه، وله أسم تاريخي آخر وهو "بلاد ما بين النهرين" وهذا سابقا أيضا؛ إذ يعاني العراق اليوم من تصحر شديد أدى إلى تطور ملفت في أعداد العواصف الترابية التي تضرب معظم محافظاته، ولا يكاد يمر أسبوع دون أن تتغير ألوان الأجواء بلون ذرات الغبار التي تتشكل بكثافة لتحول سماء المدن إلى اللون الأحمر.
وبحسب متخصصين فإن الإهمال لقطاع الزراعة وعدم وجود أحزمة خضراء حول المدن، السبب وراء تصاعد أعداد العواصف الترابية في العراق، ولكن ليس هو السبب الوحيد؛ حيث يرى متخصصون في مجال المياه والزراعة، أن انقطاع الإطلاقات المائية من إيران وضعفها من تركيا، أدى إلى تقليص عدد المساحات الزراعية، فضلاً عن انخفاض منسوب المياه الجوفية في المناطق الصحراوية، مؤكدين أن العمليات العسكرية وتهجير المزارعين من جانب، وإهمال القطاع الزراعي من قبل الحكومة من جانب آخر، أسباب رئيسية وراء التصحر المرعب في العراق.
وقالت الأمم المتحدة بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الجفاف والتصحر، المصادف اليوم الجمعة، إن "العراق من بين الدول الـ 5 الأولى الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، وفي المرتبة 39 بين الدول الأكثر إجهادا للمياه".
وأضافت أن "الانخفاض القياسي في معدل سقوط الأمطار في العام الماضي - وهو ثاني أكثر المواسم جفافاً منذ 40 عامًا – أدى إلى نقص المياه والتصحر وتآكل التربة بسبب الممارسات الزراعية غير المستدامة وإلى تضرر وانكماش الغطاء النباتي، كما أدى الصراع إلى تدمير الأراضي ومصادر المياه في العراق، مما تسبب في المزيد من تآكل التربة وتلوثها".
وأشارت إلى أن "تدهور الأراضي والتربة وزيادة الكثبان الرملية أدى إلى زيادة العبء والضغط وهجرة الحيوانات ونفوقها"، مبينة أن "التوقعات حتى عام 2040 تظهر ضغوطا وإجهادا متزايدا على مصادر المياه في العراق، والتي تواجه أيضاً تحديات كبيرة من التلوث الناجم عن صناعة النفط ومياه الصرف الصحي، وضعف الإدارة البيئية".
وعن آثار التصحر على المجتمع، أوضحت أنه "لغاية آذار 2022، تم تسجيل ما يقدر بـ 3 آلاف أسرة نازحة بسبب الجفاف والتدهور البيئي في 8 محافظات في وسط وجنوب العراق"، لافتة أن "شحة المياه هي أحد الدوافع الرئيسية للهجرة من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية، إلى جانب التحديات التي تواجه الزراعة المستدامة والأمن الغذائي".
وأكدت الأمم المتحدة، على أن "التصحر وندرة المياه أثرت على الفئات الأكثر ضعفاً، والأسر الفقيرة التي عانت أصلا من الصراع والنزوح، مما يجعلها الآن في مواجهة خطرة مع الوقوع في دائرة الفقر لفترة أطول".
وتابعت أنه "ما يثير القلق بشكل خاص هو مستقبل الأطفال في المناطق الريفية، والذين فاتتهم فرص التعليم بسبب النزاع وجائحة كورونا، والذين قد يتم إجبارهم الآن إلى اللجوء إلى عمالة الأطفال والزواج المبكر لمساعدة أسرهم مالياً على تلبية احتياجاتهم الأساسية من المياه والغذاء".
من جانبه، قال الخبير في الموارد المائية عبد الكريم سلومي في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، إن "إزالة الغابات والغطاء الخضري من أجل بناء وحدات سكنية أو الاستثمار أو من جراء حركة الآليات العسكرية بالعمليات الأخيرة التي تعرض لها العراق؛ إذ تم تجريف مساحات واسعة من الاراضي الزراعية أو الرعوية أو ذات الغطاء الخضري".
وأضاف أن هذه الممارسات "أدت لزيادة عامل التعرية في الكثير من الأراضي، وأن انتشار ظاهرة العواصف الترابية التي اجتاحت العراق ومناخه هذه السنة ما هي إلا دليل على حجم التصحر الذي أصابه".
وأكد سلومي، أن "الاعتداء على حقوق العراق المائية المكتسبة تاريخيا تعد من أخطر العوامل التي أدت إلى التصحر وخروج مساحات زراعية من دائرة الإنتاج فاليوم تقترب واردات العراق المائية من ثلث معدلها العام ومن المتوقع أن تقل مستقبلا إذا بقيت سياسات دول الجوار بهذا النهج بعدم المبالاة وعدم الخضوع للقانون والأعراف الدولية".
وانخفضت مناسيب المياه في نهري دجلة والفرات بنسبة تصل إلى 73%، بحسب ما صرح به المدير الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، سامي ديماس، في مؤتمر عقده بمبنى وزارة البيئة العراقية.
وأوضح ديماس، أن "العراق يشهد مظاهر قلة الأمطار وتأثيرها في مناسيب نهري دجلة والفرات بنسب وصلت إلى 73%، وارتفاع درجات الحرارة إلى معدلات أسرع سبع مرات من الارتفاع العالمي، وكذلك عدم التوازن السكاني بنسبة 70% في المناطق الحضرية، مما أدى إلى تراجع الزراعة".
وقطعت إيران المياه بشكل كامل عن العراق، مما أثر بشكل مباشر على المناطق الحيوية المهمة في مناطق بمحافظة ديالى (شرقي البلاد)، إضافة إلى شط العرب، وفق تصريحات رسمية أدلى بها مستشار وزارة الموارد المائية العراقية عون ذياب.
وسبقها إعلان لوزارة الزراعة والموارد المائية في إقليم كردستان العراق، عن قيام إيران بقطع إمدادات المياه عن الإقليم بنسبة 100%.
وقطع إيران لمياه الأنهار عن العراق يتم وفق خطة حكومية بدأت منذ عام 2003؛ حيث أقدمت السلطات الإيرانية على قطع المياه عن أكثر من 42 رافداً وجدولاً موسمياً كانت تغذي الأنهار والأهوار في العراق، أهمها أنهار الكرخة والكارون والطيب والوند والزاب الصغير وسيروان، وآخرها نهر هوشياري الذي يغذي محافظة السليمانية.
واحتضن العراق في شهر مارس الماضي، المؤتمر الدولي الثاني للمياه، بمشاركة دولية إقليمية، إلا أن وزارتي الموارد المائية والزراعة، لم تكشفا عن تطورات واضحة لتخفيف نتائج الأزمة على البلاد.
ويعتمد العراق في تأمين المياه بشكل أساسي على نهري دجلة والفرات، وروافدهما، والتي تنبع جميعها من تركيا وإيران وتلتقي قرب مدينة البصرة جنوب العراق، لتشكل شط العرب الذي يصب في الخليج.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام