قبل 153 سنة صدرت أول جريدة عراقية بتاريخ 15 حزيران/يونيو 1869، لتنطلق بهذا التاريخ رحلة الصحافة العراقية التي مرت بأوقات عصيبة ومحددات رسمتها السياسة والوضع الأمني في البلاد.
ومع تعيين الوالي مدحت باشا على العراق، بدأت قصة الصحافة؛ إذ جلب معه مطبعة من العاصمة الفرنسية باريس، وباشرت بطباعة جريدة الزوراء؛ فكان الهدف الأساسي لافتتاح الجريدة إعادة الثقة المفتقدة بين المواطن والسلطة.
والزوراء صحيفة رسمية أسسها الكاتب أحمد مدحت أفندي وهو في الوقت نفسه أول من تولى رئاسة التحرير فيها، تولاها بعده عزت الفاروقي وأحمد الشاوي البغدادي وطه الشواف ومحمد شكري الآلوسي وعبد المجيد الشاوي وجميل صدقي الزهاوي.
وفي العراق خضعت الصحافة للعديد من المسارات المرسومة مسبقًا من قبل الأحزاب الحاكمة المتنفذة، وزادت بشكل رقى إلى الاغتيالات والتهديد والتهجير للكثير من الصحفيين والناشطين.
بينما تعرضت قنوات وشبكات إعلامية للاقتحام والإغلاق واعتقل بعض مسؤوليها بسبب الكلمة.
ويعد العراق واحداً من أخطر البلدان بالنسبة للصحفيين؛ إذ وضَعَ جدول التصنيف العالمي لحرية الصحافة في عام 2021، العراقَ بالمرتبة 163 من أصل 180 دولة.
وفي رصد أجرته شبكة "الساعة"، قتل 237 صحفيًا من جنسيات مختلفة داخل العراق خلال الفترة ما بين 2003 و 2020.
وبينت الإحصائية أخطر السنوات التي مر بها الصحفيون داخل العراق؛ حيث شهدت سنوات 2006 و2007 قتل 88 صحفيًا على يد جماعات مختلفة.
حقوق الصحفيين
وقال الصحفي عمر الجنابي، في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، إن "الصحفيين محبطون والتفاعل لا يكاد يذكر مع الحدث الذي يفترض أن يكون عيدا للصحفيين ويحضون فيه بتكريم واهتمام وتقدير".
وأضاف أن "منذ مقتل النقيب الاسبق للصحفيين شهاب التميمي وإلى الآن حقوق الصحفيين مفقودة، وإن نقابة الصحفيين ونقيبها غير فعالة وغير جادة للتحرك إلى مجلس النواب لتفعيل قانون حماية الصحفيين واستحصال حقوقهم".
وتابع أن "سطوة الجهات السياسية وهيمنتها على المؤسسات الإعلامية أدت إلى عدم استحصال الصحفيين على حقوقهم فضلاً عن عدم الكشف عن منتهكي حقوق الصحفيين"، مبينًا "لم نرَ محاكمة أو محاسبة بحق أي معتدي أو قاتل لصحفي".
وأكد الجنابي أن "حرية الصحافة شبه معدومة بسبب هيمنة جهات سياسية على القضاء"، مبيناً أن هناك العديد من مذكرات القبض بحق صحفيين ومدونين ما ينعكس سلباً على حرية الصحافة".
وأوضح أن "الانعكاسات السياسية والتدهور الأمني والسياسي وعدم الاستقرار أثر بشكل سلبي على المؤسسة الصحفية وخير دليل على ذلك وجود العديد من الصحفيين العراقيين يعملون خارج البلاد بسبب المضايقات".
وأشار إلى أن "انتقاد الصحفيين للوضع السياسي والأمني والاقتصادي والخدمي جعلهم عرضة للاستهداف من قبل جهات سياسية متنفذة".
وأعرب الجنابي عن أمله بـ "استحصال الصحفيين لحقوقهم وتعويض عوائل الشهداء، والمتضررين منهم ممن تعرضوا لإعاقات".
وفي وقت سابق، أخلت إدارة قناة التغيير الفضائية العراقية، مقرها في بغداد على خلفية تلقي مديرها تهديدات بقتل العاملين فيها، فيما حملت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة القائد العام للقوات المسلحة، مصطفى الكاظمي "مسؤولية سلامة جميع العاملين في القناة".
ودعت مفوضية حقوق الإنسان في العراق، في وقت سابق، رئيس مجلس الوزراء، مصطفى الكاظمي إلى تفعيل الجهود الحكومية لضمان حماية الحقوق والحريات الأساسية وتعزيز واقع حقوق الإنسان في العراق".
وذكرت أن "استجابة الحكومة وتشكيلها اللجان التخصصية للكشف عن عمليات الاختطاف والقتل والمطاردة وتكميم الأفواه للمتظاهرين والناشطين والإعلاميين وأصحاب الكلمة الحرة، ليست كافية لضمان حقوق الضحايا ومنع المسؤولين عن هذه الجرائم من الإفلات من العقاب".
وأكدت أن "سمعة العراق دولياً على المحك، وهو ما يتطلب جهوداً استثنائية وتعاوناً وتنسيقاً بين الجميع؛ لإعادة ثقة المجتمع الدولي بالأجهزة التنفيذية العراقية وقدرتها على حماية الحقوق والحريات الدستورية وفرض هيبة الدولة والقانون ومنع المسؤولين عن جرائم الاغتيال والقتل والاختطاف والمطاردة وتكميم الأفواه من الإفلات من العقاب وضمان حقوق الضحايا".
استهداف الناشطين
ولم تقتصر عمليات الاغتيال على الصحفيين، بل توجهت فوهات البنادق نحو إي ناشط ينطق بكلمة ضد المتنفذين بالعراق، أبرزهم ناشطون عرفوا إبان الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في محافظات العراق بتشرين الأول/أكتوبر 2019.
اقتنصت آلة الاغتيال قادة وناشطين مؤثرين في الحراك الشعبي في عمليات تبدو أنها منظمة ومنسقة، ويمتلك الجناة كل الأدوات لتنفيذها دون الوصول إليهم أو حتى ملاحقتهم؛ إذ إن كل تلك الحوادث والمحاولات مرت بدون أي عقاب لمنفذيها، أو حتى الكشف عن هوياتهم.
أبرز الناشطين المغدورين
1-رسام الكاريكاتير حسين عادل وزوجته
بدأ المسلسل المرعب بعملية اغتيال بشعة راح ضحيتها الناشطان، رسام الكاريكاتير حسين عادل، وزوجته سارة طالب، التي كانت حاملاً، عندما اقتحم مجهولون منزلهما في البصرة، في 3 تشرين الأول/أكتوبر 2019، وأطلقوا النار عليهما وأردوهما قتيلين في الحال مع الجنين.
وعُرف عنهما أنهما كانا من منسقي التظاهرات في مدينة البصرة، وكان يقدمان الإسعافات الأولية للمصابين في الاحتجاجات في يوم اغتيالهما.
2-أمجد الدهامات
اغتيل بمسدس مزود بكاتم للصوت في ساعة متأخرة من ليل 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، على مقربة من منزله في مدينة العمارة مركز محافظة ميسان بعد عودته من ساحة الاعتصام في المدينة.
وكان الدهامات أحد أبرز منسقي الاحتجاجات في محافظة ميسان وأحد دعاة إقامة حوار وطني شامل لإصلاح أوضاع البلاد.
3-عدنان رستم
في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، اغتيل على يد مسلحين مجهولين في منطقة الحرية بالعاصمة بغداد، وهو ناشط مدني وأبرز الداعمين والمشاركين في احتجاجات بغداد.
4-فاهم الطائي
اغتيل على يد مسلحين اثنين يستقلان دراجة نارية في 8 كانون الأول/ديسمبر 2019، وسط كربلاء، عندما كان عائداً من ساحة الاحتجاجات الرئيسية في المدينة، وكان من طليعة منسقي الاحتجاجات في كربلاء.
5-زهراء علي
وجدت مقتولة بعد يومين من اختطافها في بغداد؛ حيث ألقى خاطفوها جثتها أمام منزل عائلتها في 9 كانون الأول/ديسمبر 2019.
وكانت زهراء الطالبة في كلية الآداب (19 عاماً) توزع الطعام والشراب على المتظاهرين في "ساحة التحرير" في بغداد.
6-علي اللامي
عثر عليه جثة هامدة في 11 كانون الأول/ديسمبر 2019 وفي جسده 3 رصاصات في الرأس أطلقت عليه من الخلف أثناء سيره في منطقة الشعب ببغداد بعد مغادرته "ساحة التحرير".
وكان اللامي قد كتب على صفحته قبل اغتياله بساعات إنه لن يعود من التظاهرات إلى بيته إلا في تابوت.
7-حقي إسماعيل العزاوي
وهو ناشط وصحفي وكان مواظباً على التواجد في "ساحة التحرير"، معقل احتجاجات العاصمة، اغتاله مسلحان مجهولان يستقلان دراجة نارية في منطقة الشعب ببغداد في 15 كانون الأول/ديسمبر 2019.
8-محمد جاسم الدجيلي
أطلق مجهولون النار عليه عندما كان يقود سيارته في "شارع فلسطين" ببغداد في 15 كانون الأول/ديسمبر 2019، ما تسبب بمقتله في الحال، وكان ينشط في تقديم الدعم الغذائي للمعتصمين في "ساحة التحرير".
9-ثائر الطيب
انفجرت عبوة ناسفة محلية الصنع وضعت تحت سيارته، وسط الديوانية (جنوب)، في 24 كانون الأول/ديسمبر 2019، وتوفي في اليوم التالي بالمستشفى.
وعرف عن الطيب مشاركته في أغلب التظاهرات بالديوانية، وكان فعالا دائما، يحث الجميع على المشاركة.
10-هشام الهاشمي
في 6 تموز/يوليو 2020، أطلق مسلح النار عليه أمام منزله في منطقة الزيتونة ببغداد، وفارق الحياة بعدها بساعات.
والهاشمي خبير معروف في الجماعات المسلحة على مستوى العراق والمنطقة الإقليمية، وعرف بآرائه المؤيدة للحراك الشعبي وانتقاداته للفصائل المسلحة المرتبطة بإيران.
11-تحسين أسامة الخفاجي
أطلق مسلحون مجهولون، في 14 آب/أغسطس 2020، النار عليه، وذلك عندما اقتحموا مركزاً لتقديم خدمة الإنترنت يعود له في "شارع البهو" وسط بغداد، ما أدى لمقتله على الفور.
ويعرف عن الخفاجي أنه كان دائم المشاركة في التظاهرات والاعتصامات بالعاصمة.
12-ريهام يعقوب
في 19 آب/أغسطس 2020، أطلق مسلحون النار على سيارة كانت تقلها و3 من صديقاتها وسط مدينة البصرة، ما أدى لوفاتها وإحدى صديقاتها، فيما أصيبت رفيقاتها الأخريات بجروح.
وكانت ريهام، وهي طبيبة، واحدة من أبرز الناشطات اللاتي شاركن في الاحتجاجات، وقادت العديد من المظاهرات النسائية في البصرة.
13-إيهاب الوزني
اغتاله مسلحون مجهولون فجر يوم 9 أيار/مايو 2021 قرب منزله بكربلاء، وكان رئيس تنسيقية الاحتجاجات في كربلاء.
حرية التعبير
وقد كفل الدستور العراقي حرية الصحافة، بقانون شهد جدلاً واسعاً؛ حيث نصت المادة 36 المعروضة للاستفتاء، على حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل وحرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر فضلا عن حرية الاجتماع والتظاهر السلمي.
ولكن تم لحق القانون بعبارة "بما لا يخل بالنظام العام والآداب"، وجرت محاولات عديدة لتعريف "النظام العام" وعرفها البعض بأنها مجموعة القواعد التي توفر الأمن للمجتمع، غير أنها ظلت عبارة فضفاضة.
وجاء في المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أن "لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار، وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام