يقود رئيس الجمهورية التونسي قيس سعيد، "انقلابا على الدستور" بهدف "تجميع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في يد الرئيس"، من وجه نظر قوى تونسية، بينما ترى قوى أخرى أن إجراءات سعيد تهدف إلى "تصحيح مسار ثورة 2011"، التي أطاحت بالرئيس آنذاك زين العابدين بن علي.
ففي 25 تموز/يوليو 2021، عانت تونس من أزمة سياسية حادة، حين بدأ سعيد فرض إجراءات استثنائية منها إقالة الحكومة وتعيين أخرى وحل البرلمان ومجلس القضاء وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية.
تبعها قرر إجراء استفتاء على دستور جديد للبلاد في 25 تموز/يوليو المقبل، وتبكير الانتخابات البرلمانية إلى 17 كانون الأول/ديسمبر القادم، ومنح نفسه حق تعيين ثلاثة من أعضاء هيئة الانتخابات السبعة، بما فيهم رئيسها.
وبتاريخ 12 شباط/فبراير المنصرم، قرر، سعيد، إنشاء "المجلس الأعلى المؤقت للقضاء" محل المجلس الأعلى للقضاء وهو هيئة دستورية مستقلة.
وحل سعيد حينها المجلس الذي اتهمه بعدم الاستقلالية وإطالة فترة التقاضي في قضايا، ما أثار احتجاجات ورفضا من هيئات قضائية وقوى سياسية، كون الأمر يتجاوز صلاحيته.
وآخر هذه الإجراءات حدثت ليل أمس الأربعاء؛ إذ أصدر سعيد، أمرا رئاسيا بالجريدة الرسمية يقضي بإعفاء 57 قاضيا، من مهامهم.
وفي وقت سابق من يوم الأربعاء، تعهد سعيد، بنشر مرسوم يكشف أسماء قضاة اتهمهم بـ"تغيير مسار قضايا" وتعطيل تحقيقات في ملفات إرهاب وارتكاب "فساد مالي وأخلاقي".
وقال سعيد، خلال إشرافه على مجلس الوزراء، الأربعاء، إن التهم الموجهة لقضاة هي "تعطيل تتبع ملفات إرهابية وعددها 6 آلاف و268 ملفا، وعدم الحياد وتجاوز الصلاحيات وتوجيه الأبحاث"، بحسب صفحة الرئاسة على "فيسبوك".
ومن التهم أيضا، وفق سعيد، "مساعدة مشتبه فيه بتهمة الإرهاب ومنها منحه الجنسية التونسية والتواطؤ فيما يُعرف "بالجهاز السري" والارتباط بأحزاب سياسية"، بجانب "فساد مالي وارتشاء وثراء فاحش وفساد أخلاقي".
وقال سعيد إنه "تم النظر في كل الملفات من أكثر من مصدر حتى لا يُظلم أحد، وتم التدقيق لمدة أسابيع طويلة في هذه التهم".
واعتبر سعيد، الذي بدأ عام 2019 بفترة رئاسية تستمر 5 سنوات، أن إجراءاته هي "تدابير في إطار الدستور لحماية الدولة من خطر داهم"، وتعهد بعدم المساس بالحقوق والحريات.
جبهة الخلاص الوطني
واليوم الخميس، قالت جبهة الخلاص في تونس والتي تضم أحزابا ونشطاء وبرلمانيين، إن قرار رئيس البلاد قيس سعيد، إعفاء 57 قاضيا من مهامهم، "إجراء خطير يزيد الأزمة السياسية".
وقالت الجبهة، في بيان إن إعفاء القضاة "إجراء خطير يؤذن بدفع البلاد إلى المواجهة بين الدولة والأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والإعلاميين والمدوّنين والأكاديميين".
وشددت على أن هذا الإجراء "لن يزيد الأزمة السياسية إلاّ استفحالاً، في وقتٍ تُنذر فيه الأوضاع الاجتماعية بالتفاقم والعزلة الخارجية بالازدياد".
وأضافت أن "التدخل الفظّ لرئيس الجمهورية في سير القضاء ينزع عن هذا الأخير ما تبقى له من قرينة الاستقلالية بعد حلّ المجلس الأعلى للقضاء"، وفق تعبيرها.
ودعت جبهة القوى السياسية والاجتماعية في تونس، إلى "توحيد كلمتها والوقوف صفاً واحداً في وجه هذا الانهيار الخطير والعمل على إنقاذ تونس وإعادتها إلى الشرعية الدستورية والحكم الرشيد".
و"الخلاص" تجمع سياسي تونسي برئاسة أحمد نجيب الشابي ، تأسست عقب 10 أشهر من الأزمة السياسية في تونس، وتضم الجبهة عدة كيانات سياسية تونسية معارضة لما قام به الرئيس قيس سعيد.
حركة النهضة
بدوره؛ أكد الناطق باسم حركة "النهضة" التونسية عماد الخميري، أن رئيس الحركة ورئيس البرلمان راشد الغنوشي لن يسافر إلى الخارج إلا بعد "إسقاط الانقلاب"، في إشارة إلى إجراءات الرئيس قيس سعيد.
جاء ذلك في مؤتمر صحفي للنهضة بالعاصمة تونس للرد على الاتهامات الموجهة لها من قبل لجنة الدفاع عن معارضين تونسيين وقع اغتيالهما خلال عام 2013.
وقال الخميري، إن "قرار تحجير السفر عن الغنوشي هو قرار سياسي غرضه الأساسي إلهاء الرأي العام عن فشل الانقلاب خاصة بعد صدور قرار لجنة البندقية الذي أشار إلى أن كل ما صدر بعد 25 تموز/يوليو لا يستند إلى مرجعية دستورية أو قانونية".
والسبت، أعلن القضاء التونسي منع الغنوشي و33 شخصا من السفر، على خلفية القضية المعروفة إعلاميا بـ"الجهاز السري".
وتعتبر لجنة الدفاع عن المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي أن حركة النهضة تمتلك جهازا سرّيا ضالع في اغتيالهما
وأضاف الخميري: "نحن نطالب بكشف الحقيقة كاملة في اغتيال بلعيد والبراهمي ولكن ليس للاتجار بدماء الشهداء".
وتساءل الخميري: "هل هناك حاجة لحركة (النهضة) في الحكم لجهاز خاص وهي تشرف على وزارات السيادة؟"، معتبرا أن اتهامات هيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمي "ضحك على العقول واعتبار تونسيات والتونسيين بلهاء".
يذكر أن المعارض اليساري شكري بلعيد تم اغتياله يوم 6 فبراير 2013 زمن حكومة حمادي الجبالي فيما تم اغتيال المعارض القومي محمد البراهمي يوم 25 يوليو 2013 زمن حكومة علي العريض.
واتهم الخميري، هيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمي، بأنها "داعمة للانقلاب وتريد توظيف القضاء والزج به في المعارك السياسية".
وتمثل "النهضة" التيار الإسلامي في تونس، ولكنها فصلت الدعوي عن السياسي في 2016 وتحولت لحركة مدنية.
ولم يُعترف بالحركة حزبًا سياسيًا في تونس إلا في الأول من آذار/ مارس 2011 من قبل حكومة محمد الغنوشي الثانية.
ويعود تاريخ تأسيسها لعام 1972 وأعلنت رسميا عن نفسها في 6 حزيران/ يونيو 1981.
مواطنون ضد الانقلاب
اعتبرت مبادرة "مواطنون ضد الانقلاب" في تونس، أن قرار سعيد، إعفاء 57 قاضيا من مهامهم، "إجراء تسلطي يدفع البلاد إلى تعميق عزلتها".
وقالت المبادرة، إن قرار إعفاء القضاة "إجراء تسلطي يدفع البلاد إلى مخاطر المواجهة وتعميق عزلتها تحت ستار حديدي من الحكم الفردي الاستبدادي المارق عن القوانين والشرعية".
وأضافت أن هذا الإجراء "يأتي في سياق عزلة داخلية وخارجية لسلطة الانقلاب وفي إطار محاولة يائسة لتحويل أزمته الخانقة نحو فتح المعركة مع خصومه السياسيين لتصفيتهم عبر قضاء التعليمات والخضوع"، وفق تعبيرها.
وحذرت من أن "ما أقدم عليه سعيد هو إيذان بمرحلة خطيرة من استعمال أجهزة الدولة والمرفق القضائي لإغلاق الحياة السياسية واستهداف المعارضة ومقاومي الانقلاب".
ودعت المبادرة، القوى السياسية والمدنية وكل الشارع الديمقراطي إلى "التصدي صفا واحدا لهذا الانقلاب الذي يذهب بالبلاد نحو الانهيار والخراب الشامل".
يذكر أن مبادرة "مواطنون ضد الانقلاب" أطلقتها مجموعة من الشخصيات في تونس بداية شهر أيلول/سبتمبر 2021 لمواجهة قرارات قيس سعيد والتي يصفونها بالانقلاب على الدستور.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام