تعد سنجار إحدى أهم المدن التاريخية القديمة، تقع في غرب محافظة نينوى شمال العراق على جبل سنجار وتبعد عن مدينة الموصل أكثر من 100 كم، وتتميز هذه المنطقة بتنوعها القومي والديني؛ إذ تجد فيها العرب والأكراد والإيزيديين وبعض تركمان العراق، وبحسب إحصائية 2014 بلغ عدد سكان سنجار أكثر من 84 ألف نسمة.
يعتمد اقتصاد سنجار في المقام الأول على الزراعة حيث المحاصيل الرئيسية هي الشعير والتين والقمح والتبغ، كما يتمتع جبل سنجار بالغاز الطبيعي والمعادن الثقيلة.
لم تكن سنجار ذات شهرة واسعة قبل صيف 2014، فقد تغيرت معالم هذه المنطقة كثيراً وبعضها باتت تراباً وفقدت الكثير من سكانها بالقتل والخطف وسبي النساء، من هنا كانت بداية تعرض سنجار للخراب على يد تنظيم "داعش".
ووفقاً لتقرير الأمم المتحدة، قتل خمسة آلاف مدني خلال الهجوم الأول للتنظيم، وادانت الأمم المتحدة الجرائم المرتكبة واعتبرت الانتهاكات التي ترتكبها "داعش" في العراق تصل إلى درجة جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية وتتضمن الإبادة الجماعية.
واستهدف التنظيم قضاء سنجار لأنه يمثل طريق الإمداد الرئيسي له، إذ يصل بين الحدود السورية ومدينة الموصل، واستمر سكان المنطقة بالنزوح إلى جبل سنجار خوفاً من المجازر والتعذيب والقتل حتى هجوم التحالف الدولي وشنه لضربات جوية، وتقدم قوات البيشمركة، ما أدى إلى فتح الحصار عن جبل سنجار وتحرير العوائل المنكوبة عام 2015، وبعدها بعامين بدأت اشتباكات مسلحة بين المسلحين الموالين للـ "بي كا كا" وقوات البيشمركة انسحبت على إثرها الأخيرة.
اتفاقية سنجار
في التاسع من أكتوبر 2020، وقعت حكومة بغداد برئاسة مصطفى الكاظمي، اتفاقاً مع حكومة أربيل، وصفه الطرفان بالـ "التاريخي" حول إدارة مدينة سنجار وإنهاء سطوة الجماعات المسلحة فيها.
وجاء في بنود الاتفاق، وضع إدارة مشتركة بالتعاون بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان وإلغاء الترتيبات التي وضعت بعد عام 2017.
أما البند الثاني، فقد تحدث عن الترتيبات الأمنية والذي يوكل مهمة الأمن للشرطة الاتحادية بالتعاون مع إقليم كردستان وإخراج الجماعات المسلحة غير القانونية من القضاء.
فيما شمل البند الثالث موضوع الخدمات، وتتم أيضا بالتعاون بين الطرفين لإعادة إعمار المدينة التي تضررت بمستوى 80% خلال العمليات العسكرية.
مرحلة التنفيذ
منذ توقيع الاتفاق وحتى الآن، يعيش قضاء سنجار حالة من الانفلات الأمني والتشتت السياسي، فضلاً عن المواجهات العسكرية بين القوات العراقية وعناصر ما يسمى بـ "وحدات حماية سنجار" التابعة لتنظيم "بي كا كا"، والذي يعتبر المعرقل الرئيسي لتنفيذ الاتفاق، وفق بيان صادر عن "مرصد أفاد".
ونقل المرصد شهادات لمواطنين أكدوا أن التنظيم "يقوم بفرض أجندته العسكرية والسياسية، عدا عن تلقيه تمويلاً إيرانيًا عبر ميليشيات عراقية".
وبحسب المرصد، فإن "عناصر وحدات حماية سنجار وإيزيدي خان، كلاهما جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيم بي كا كا، يرتكبان الانتهاكات في القضاء".
وأوضح المرصد الحقوقي، أن "الانتهاكات شملت عمليات ابتزاز وخطف واعتداء واستيلاء على الممتلكات والمنازل والعقارات التابعة للعرب والكرد المؤيدين للحزب (الديمقراطي الكردستاني) أو المعارضين لتواجد الميليشيات ومنع عودة النازحين إلى منازلهم وبشكل انتقائي ومنع دخول القوات العراقية النظامية إلى المنطقة، عدا جرائم تهريب الأسلحة والأدوية والمخدرات والوقود عبر الحدود القريبة من سوريا إلى داخل العراق".
وأكد أن "هذه الميليشيات منعت تنفيذ الاتفاقية الموقعة بين الحكومة العراقية والحكومة المحلية في إقليم كردستان العراق، والخاصة بتطبيع الأوضاع في مدينة سنجار، بسبب الانتشار الواسع لمسلحي بي كا كا ورفضهم الانسحاب من المدينة".
توترات أمنية
في الأيام الأخيرة، اندلعت اشتباكات عسكرية بين الجيش العراقي ومسلحين موالين لـ "بي كا كا" في القضاء، بعد طلب الجيش إخلاء موقع للمجموعة المسلحة؛ حيث قتل جندي وعنصران من الموالين للتنظيم الانفصالي، لتشن بعدها قوات الجيش العراقي عملية عسكرية واسعة، تمكنت خلالها من فرض سيطرتها على القضاء.
وشهد القضاء خلال هذه الاشتباكات نزوح نحو أربعة آلاف عائلة باتجاه محافظات إقليم كردستان، ثم عاد بعضهم بعد سيطرة الجيش على التوترات الأمنية وعمليات التخريب.
نزع السيطرة وملف التوظيف
في محاولات من الحكومة الاتحادية لنزع السيطرة من المليشيات المسلحة في القضاء، تقرر تشكيل لواء من أبناء سنجار لتولي حمايته، وعلى هذا السياق فتحت روابط تقديم إلكترونية تم قبول 2500 متطوع خلالها، جميعهم من الطائفة الإيزيدية، بحسب ما ذكره محافظ نينوى نجم الجبوري في تصريح متلفز.
وحول آلية توزيع المتقدمين على سلك الشرطة، أكد مجلس شباب سنجار في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، أن "توزيع الدرجات كان على أساس طائفي؛ إذ خصت به طائفة دون بقية الطوائف".
وأضاف المجلس، أن "الطوائف والمكونات الأخرى في سنجار لم تحصل على أية درجة وظيفية في سلك الشرطة".
وأوضح أن "التطوع يزيد من الشرخ المجتمعي بين مكونات سنجار، خصوصاً وأن القضاء يتكون من عدة طوائف، ومن الواجب أن يشارك الجميع بإدارة الملف الأمني".
وطالب المجلس "رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بإنصاف أهالي القضاء وإعادة النظر في توزيع الدرجات الوظيفية (بصفة شرطي) على جميع أبناء القضاء".
كما طالب المجلس "الحكومة العراقية ووزارة الهجرة والمهجرين باتخاذ إجراءات حقيقية وعاجلة لإعادة النازحين إلى سنجار وفرض سلطة القانون وإعمار البنى التحتية".
في المقابل، وجه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، بالإسراع في إتمام إجراءات تأسيس صندوق إعمار سنجار، وإدراج تعيين عدد من أبناء القضاء في سلك الأجهزة الأمنية ضمن قانون الموازنة العامة الاتحادية المقبلة.
وحتى الآن، ينتظر أهالي سنجار استقرار الوضع وفرض السيطرة والأمن على قضائهم وإعادة تعميره، وإنصافهم في توزيع الدرجات الوظيفية لتجنب تكوين جماعات لخدمة مصالح طرف دون الأطراف البقية المتواجدة في المنطقة، كما هو الحال في هذه الأيام.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام