دقت الصور الحزينة والمفزعة لبحيرة "ساوة" الشهيرة، ناقوس الخطر وجرس الإنذار في العراق حول الخزين المائي تحت الأرض وفوقها، لاسيما وأن البحيرة التي اختفت من الوجود، استمرت بالحياة وتدفق ينابيعها من جوف الأرض لقرابة 10 آلاف عام، وليست هي الوحيدة المهددة بالزوال، إذ تشير التقارير إلى أن الخطر سيمتد إلى نهري دجلة والفرات، ما لم تمسك السلطات العراقية بشكلٍ عاجل وجدي بملف إدارة المياه.
وتحدث مدير بيئة محافظة المثنى يوسف سوادي، في تصريح صحفي، عن الأسباب الرئيسية لجفاف البحيرة، موضحاً أن "التغير المناخي الذي أصاب العالم، والعراق من أكثر البلدان تأثرا به، وتغير الصفائح الزلزالية التي غيّرت المجرى الطبيعي لها تحت الأرض، فضلاً عن قيام العشرات من الفلاحين وأصحاب المصانع والمعامل بإنشاء الآبار الارتوازية التي أسرفت في استخدام المياه الجوفية؛ من أبرز العوامل التي ساهمت في انخفاض الكميات الواصلة إلى البحيرة بشكل كبير جداً".
وطالب سوادي، لحكومة العراقية بتشكيل لجان لمتابعة الموضوع، كما دعا المنظمات الدولية للمشاركة في حل ما وصفها "بالكارثة البيئية" التي حلت بالبحيرة التي كانت تعد من الظواهر الطبيعية الشهيرة والفريدة في العراق.
وبحيرة "ساوة" هي بحيرة مغلقة مالحة، وهي لا تملك أنهاراً تصب فيها أو تخرج منها إنما تتزوّد بالمياه الجوفيّة من تحت البحيرة والتي ترشح إليها من نهر الفرات عبر الصدوع والشقوق.
وتعتبر من البحيرات الفريدة لما تتصف به من ارتفاع نسبة الملوحة فيها مقارنة بباقي البحيرات والأنهار في العراق حيث تبلغ هذه النسبة 1500 بالمليون وهي نسبة عالية جداً حيث إنها أعلى ملوحة من مياه الخليج العربي بمرة ونصف.
في مدينة مشهد تم صناعة بحيرة اصطناعية من اجل ان تكون مرفق سياحي وفعلاً تم ذلك واصبحت منطقة تجارية ايضاً.
— مصطفى السراي (@mustafaalsarray) April 17, 2022
في مدينة السماوة توجد بحيرة طبيعية اسمها "ساوه" تجف تمامً نتيجة الاهمال وعدم الادارة الصحيحة.
جفت الموارد البشرية وتحول الجفاف الى الموارد الطبيعية.#العراق #السماوة #ساوه pic.twitter.com/uCx0OufEHt
أزمة المياه وأسبابها
أوضح المتحدث باسم وزارة الموارد المائية، علي راضي، أن "أزمة المياه في العراق لها عدة عوامل، أبرزها التغيرات المناخية وانحسار الأمطار والغطاء الثلجي، فضلاً عن ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير".
وأضاف راضي في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، أن "التوسع السكاني على مجرى الأنهار في دول المنبع، وقيامها بإنشاء السدود، أيضاً من الأسباب التي تقف وراء الأزمة الحالية التي يشهدها العراق".
وبيّن أن "الوزارة تسعى للعمل بملفين التفاوض وتقاسم والضرر مع دول المنبع لأطلاق حصة العراق المائية وما يترتب عليها من أمن غذائي وتأمين مياه الخام الإسالة ومياه الشرب".
وفيما يتعلق بالإجراءات الداخلية، أكد راضي، أنه "تم وضع خطط لإدارة الإطلاقات المائية من السدود والخزانات، وتوزيعها على المحافظات بحسب المواسم، كما يتم ملاحقة المتجاوزين على مجرى الأنهار لضمان حق الجميع في المياه".
بحيرة الرزازة التي كانت تعتبر ثاني أكبر بحيرات #العراق تحتضر أمام الجفاف والإهمال pic.twitter.com/R0cp4Lxhag
— الأخبار × صور (@news_inpicture) February 27, 2022
وانخفضت مناسيب المياه في نهري دجلة والفرات بنسبة تصل إلى 73%، بحسب ما صرح به المدير الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، سامي ديماس، في مؤتمر عقده بمبنى وزارة البيئة العراقية.
وأوضح ديماس، أن "العراق يشهد مظاهر قلة الأمطار وتأثيرها في مناسيب نهري دجلة والفرات بنسب وصلت إلى 73%، وارتفاع درجات الحرارة إلى معدلات أسرع سبع مرات من الارتفاع العالمي، وكذلك عدم التوازن السكاني بنسبة 70% في المناطق الحضرية، مما أدى إلى تراجع الزراعة".
وقطعت إيران المياه بشكل كامل عن العراق، مما أثر بشكل مباشر على المناطق الحيوية المهمة في مناطق بمحافظة ديالى (شرقي البلاد)، إضافة إلى شط العرب، وفق تصريحات رسمية أدلى بها مستشار وزارة الموارد المائية العراقية عون ذياب.
وسبقها إعلان لوزارة الزراعة والموارد المائية في إقليم كردستان العراق، عن قيام إيران بقطع إمدادات المياه عن الإقليم بنسبة 100%.
وقطع إيران لمياه الأنهار عن العراق يتم وفق خطة حكومية بدأت منذ عام 2003؛ حيث أقدمت السلطات الإيرانية على قطع المياه عن أكثر من 42 رافداً وجدولاً موسمياً كانت تغذي الأنهار والأهوار في العراق، أهمها أنهار الكرخة والكارون والطيب والوند والزاب الصغير وسيروان، وآخرها نهر هوشياري الذي يغذي محافظة السليمانية.
واحتضن العراق في شهر مارس الماضي، المؤتمر الدولي الثاني للمياه، بمشاركة دولية إقليمية، إلا أن وزارتي الموارد المائية والزراعة، لم تكشفا عن تطورات واضحة لتخفيف نتائج الأزمة على البلاد.
مخاوف من نزوحٍ جديد
حذر مسؤولون عراقيون، من تأثير شح المياه على استقرار العائلات ونزوحها من الريف إلى المدن الكبيرة، وخصوصاً العوائل المزارعة التي تعتمد على المياه في حرفتها.
وأكد رئيس الجمهورية برهم صالح، تضرر سبعة ملايين عراقي من الجفاف والنزوح الاضطراري بسبب نقص المياه.
وأوضح صالح خلال كلمة له في مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ، أن "التصحر أثر على 39% من مساحة العراق، وأن 54% من الأرض الخصبة مُعرّضة لخطر فقدانها زراعياً بسبب الملوحة الناتجة عن تراجع مناسيب دجلة والفرات".
من جهته، يروي محمد القيسي وهو أحد المزارعين الذين يسكنون في أطراف محافظة ديالى ويبلغ من العمر 42 عاماً، قصته في النزوح، قائلاً: إن "تأثير أزمة المياه على المحافظة أجبرني على تغيير مهنتي وترك القرية التي ولدت بها، مهاجراً إلى العاصمة بغداد".
وأضاف القيسي في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، أن "فلاحي قرى ديالى تكبدوا بخسائر فادحة بعد عدم كفاية المياه لري أراضيهم الزراعية، ما تركهم مدانين لتجار البذور والأسمدة حتى الآن".
وتابع القيسي "اضطررت إلى الذهاب عند أقاربي في بغداد للبحث عن عمل يكفيني وعائلتي ويسد الدين عني، فبدأت أعمل كحارس مدرسة ابتدائية وانتقلت للسكن في منزل صغير ضمن بناية المدرسة مخصص للحارس وعائلته، فيما عمل أولادي محمود وحسن، في محل ألبسة رجالية داخل أحد المراكز التجارية الضخمة وسط العاصمة بغداد".
في مدينة مشهد تم صناعة بحيرة اصطناعية من اجل ان تكون مرفق سياحي وفعلاً تم ذلك واصبحت منطقة تجارية ايضاً.
— مصطفى السراي (@mustafaalsarray) April 17, 2022
في مدينة السماوة توجد بحيرة طبيعية اسمها "ساوه" تجف تمامً نتيجة الاهمال وعدم الادارة الصحيحة.
جفت الموارد البشرية وتحول الجفاف الى الموارد الطبيعية.#العراق #السماوة #ساوه pic.twitter.com/uCx0OufEHt
ورجحت اللجنة الدولية للمياه والسكن في الصليب الأحمر، أن المستقبل لسكان المناطق الريفية في العراق هو الهجرة إلى المدن، بسبب العوامل البيئية والاقتصادية.
وقال مستشار اللجنة عادل العطار في تقرير، إنه "من المؤلم أن ترى جيل الشباب يترك المناطق الريفية للعمل في وظائف عمل يدوية لا تتطلب مهارة في المناطق الحضرية أو في حقول النفط"، مبيناً أنه "لا توجد وظائف كافية لهم في هذه القطاعات، ومعدل البطالة مرتفع، وكذلك التوترات، وهو ما لا يبشر بالخير بالنسبة إلى التعافي والاستقرار".
ودفع شح المياه، الحكومة العراقية إلى تقليص المساحات المزروعة بنسبة 50% خلال العام الحالي.
كما حذر البنك الدولي من انخفاض موارد العراق المائية بنسبة 20% بحلول العام 2050، مع استمرار ظاهرة تغير المناخ، مبيناً أن "ندرة المياه" بدأت تتسبب في "تهجير قسري محدود النطاق".
وأضاف أن "الوضع الحالي للبنية التحتية أدى إلى تملح يؤثر على 60% من الأراضي المزروعة، وانخفاض بنسبة تتراوح بين 30% و60% في مستوى المحاصيل".
ويعتمد العراق في تأمين المياه بشكل أساسي على نهري دجلة والفرات، وروافدهما، والتي تنبع جميعها من تركيا وإيران وتلتقي قرب مدينة البصرة جنوب العراق، لتشكل شط العرب الذي يصب في الخليج.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام