غابت بغداد عن خارطة العالم، وشوّه غبار الحرب صورتها، وشظايا البيوت المهدمة فوق أصحابها، وسكنت رياض الأطفال من أصواتهم، وبهتت ألوان العاصمة إلا من الدماء.
دخلتها الجيوش حاملة على أكتافها أسبابًا "مهترئة" للحرب، وفي نواياها سرقة حتى تراب الرافدين، وإزاحة "ثلة" من السياسيين التي كانت إرادة الشعب والسنين أولى بإزاحتهم من على تاريخ العراق.
خلال أيام، (3-9 نيسان/أبريل) وضع بجانب اسم بغداد كلمة "المحتلة" ومحي اسم عاصمة "السلام" من نشرات الأخبار وألسنة الشعوب، حتى أصبح السلاح الذي لم يستطع حماية عاصمة الرشيد -بعد عشوائية الخطط التي وضعتها قيادة الحرس الجمهوري ورفض خطة وزارة الدفاع المقدمة لحماية العاصمة- مرادفًا لاسم عاصمة العراق.
انهارت بغداد في التاسع من نيسان/أبريل 2003، لأسباب لخصتها قيادات عسكرية في الجيش العراقي، بتعدد القيادات العسكرية، وهامشية دور وزارة الدفاع، والفجوة بين الشعب والحكومة آنذاك، فضلاً عن عدم إعداد الحرس الجمهوري المسؤول عن حماية بغداد خطة للدفاع عن العاصمة.
ومن جهة أخرى، اخترقت شائعات الخيانة والتواطؤ صفوف القوات المدافعة عن العاصمة، في إطار الحرب النفسية التي قادتها الجيوش المحتلة.
وفي حديث مع شبكة "الساعة"، أكد رئيس مركز صقر للدراسات، مهند العزاوي، عدم "وجود تواطؤ من قبل القيادات العسكرية العراقية"، في تلك الحرب.
وأضاف أن "من الصعب الصمود أمام حشد من 35 دولة يمتلكون أسلحة متطورة استراتيجية وميدانية مقابل مؤشرات القوة للجيش العراقي المحاصر لمدة 13 عام والمزود بأسلحة تقليدية مع فرق القدرات".
بدوره، قال الخبير الاستراتيجي، صبحي الطبقجلي لشبكة الساعة "لم يكن بين قيادات الجيش العراقي أي خائن ولم يرتبطوا سوى بالعراق ولكن كان هناك عدد من القادة المتقاعدين الذين هربوا من العراق في بداية التسعينات وارتبطوا بالمخابرات الأمريكية والبريطانية والإيرانية ولم يكن عددهم كثيرا".
حماية بغداد
إبان الحرب قدمت وزارة الدفاع العراقية خطة للحرس الجمهوري بقيادة قصي صدام، نجل رئيس العراق آنذاك صدام حسين، إلا أن الخطة قوبلت بالرفض؛ حيث علل قصي رفضه لوجود خطة "محكمة" أعدها الحرس الجمهوري.
تمحورت فكرة وزارة الدفاع، حينها حول تقسيم بغداد إلى قواطع تتولى وزارة الدفاع قاطعاً والحرس الجمهوري قاطعًا ويتولى الفريق أول ركن، إياد فتيح خليفة الراوي، القاطع الثالث مع الاحتفاظ بالاحتياط.
كما خططت وزارة الدفاع لإنشاء غرفة عمليات مشتركة وتدار من قبل وزارة الدفاع المتمثلة بوزير الدفاع، سلطان هاشم، وتضم قيادات القواطع، وفق تصريحات سابقة لمزهر طه أحمد الغنام، وهو أحد قادة الأركان في وزارة الدفاع آنذاك.
بدوره؛ أكد الطبقجلي في حديثة مع "الساعة" أن "مجموعة من القيادات العسكرية في الخط الأول هي من أعدت الخطط العسكرية لمواجهة الغزو الأمريكي مع إهمال قادة القوة الجوية وطيران الجيش والبحرية بسبب إبعادهم من قبل القيادة العسكرية وإخلاء القواعد الجوية من الطائرات".
وبيٌن أن سبب الاستبعاد "لعدم أمكانية القوة الجوية صد الهجوم ومقاومة طيران جيش التحالف فضلاً عن القوة البحرية التي لا يمكن أن تجابه القوة البحرية للتحالف في الخليج العربي".
وأضاف أن "الحرس الجمهوري لم يفشل في الدفاع عن بغداد بل أبيدت جميع قطاعاته تحت القصف الوحشي الأمريكي".
وتابع "لم يستطع الجيش العراقي التحرك والانسحاب نحو بغداد لصعوبة الحركة في ظل سيطرة جوية لقوات التحالف مع انشغاله في معارك في مدن عراقية عدة مع وجود تعليمات بعدم الانسحاب والتحرك خشية الإبادة الجماعية".
قيادة الجيوش ليست "سهلة"
لم يكن الابن الثاني لصدام حسين هو الخيار الأنسب لقيادة معركة كبيرة كمعركة حماية بغداد، فصاحب 36 عاما كان المسؤول المباشر عن الحرس الجمهوري المكلف بحماية العاصمة مركز الحكم.
درس قصي الحقوق في جامعة بغداد وعمل في بعض القطاعات الأمنية؛ إذ إن خبرته لم تكن في مستوى قيادة القطاعات العسكرية في معركة ضد الولايات المتحدة وحلفائها.
تولى "الشاب" حماية بغداد بعد أن قسمت الرئاسة المتمثلة بصدام حسين العراق إلى عدة مناطق وأسندت إلى "قصى" مسؤولية قيادة المنطقة الوسطى و ابن عم صدام حسين، علي حسن المجيد تولى المنطقة الجنوبية ونائب الرئيس عزة الدوري منطقة الشمال.
كانت خطة قصي حماية بغداد ومحيطها مع ترك مساحات إلا أن فرق الحرس وزعت في فترة متأخرة من الحرب داخل البساتين على شكل خطين.
ورصدت القوات المهاجمة عبر طائرات استطلاع وأقمار صناعية تحركات الحرس الجمهوري العراقي، ما جعلها تستغل المناطق الخالية من الدفاعات للتوغل في بغداد.
ويتشكل الحرس الجمهوري من فيلقين فيلق "الله أكبر" وفيلق "الفتح المبين"، ويضم كل فيلق ثلاثة فرق، ويبلغ تعداد جنود الفرقة الواحدة 12 ألف جندي.
فارق الإمكانيات
من الصعب مقارنة جيش حوصر لـ 13 سنة، وبتسليح وصف بأنه بدائي بقوة مكونة من 35 جيش (قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية) مدجج بالإمكانيات العسكرية والأسلحة المتطورة الاستراتيجية والميدانية.
دخلت قوات التحالف بجيش بلغ تعداده نحو 236 ألف مجند، معززة بسلاح جوي وطائرات استطلاع وأقمار صناعية.
وبلغ جيش العراق حينها 350 ألف مجند، بينهم 100 ألف جندي احتياطي، ومسلح بأسلحة مستوردة منذ عام 1985 من الاتحاد السوفياتي وأمريكا وفرنسا والصين وألمانيا الغربية وإيطاليا والبرازيل وبولندا وتشيكوسلوفاكيا ومصر ودول أخرى.
خلال مرحلة الغزو الأولية فقط والتي استمرت من 19 آذار/مارس إلى الأول من أيار/مايو 2003 أرسل التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ما يقارب 180 ألف جندي إلى العراق.
بدأت أعمال العنف في العراق بالتصاعد منذ أوائل عام 2005، ثم وصلت إلى ذروتها في أعوام 2006 و 2007؛ إذ تجاوز أعداد القتلى المدنيين 29 و26 ألف مدني على التوالي، بينما انخفض إلى النصف عام 2008.
واستمرت بالانخفاض حتى 2014؛ إذ قتل أكثر من 20 ألف مدني وبلغ عدد القتلى في عامي 2015 و2016 أكثر من 17 و 16 ألف مدني على التوالي، حتى بلغ أجمالي الضحايا من 2003 وحتى 2022 أكثر من 209 آلاف مدني عراقي، وذلك وفق الإحصائيات الموثقة لدى العراق.
بينما تتفاوت التقديرات للعدد الإجمالي لضحايا الحرب من المدنيين تبعا لجهة صدورها؛ إذ أفادت دراسة لمعهد الاستطلاعات البريطاني صيف 2007 بأن عدد الضحايا بلغ حتى ذلك التاريخ حوالي مليون شخص، من أصل 26 مليونا سكان العراق.
وأشار تقرير للمجلة العلمية البريطانية "ذي لانسيت" صدر في تشرين الأول/أكتوبر 2006 إلى أن عدد الضحايا لا يقل عن 655 ألف مدني عراقي.
وقدرت الخسائر البشرية في صفوف المقاتلين الأمريكان والتحالف الدولي منذ عام 2003 حتى عام 2020 نحو أربعة آلاف و902 قتيل، نتيجة استهداف القواعد العسكرية والارتال اللوجستية بحسب إحصائيات "icasualties" الأمريكية.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام