قد تقترض حكومتان المبلغ نفسه، لكنهما تواجهان فاتورتين مختلفتين؛ إذ تستطيع إحداهما الاقتراض بعملتها المحلية ولآجال طويلة، بينما تضطر الأخرى إلى دفع فوائد أعلى وتسديد ديونها بالدولار، ثم العودة سريعاً إلى الأسواق لتمويل استحقاقاتها.
ولا يشكل ما يعرف بالجنوب العالمي كتلة اقتصادية متجانسة، فهو يضم اقتصادات مرتفعة الدخل ودولاً مصدرة للطاقة، إلى جانب بلدان فقيرة أو متعثرة مالياً. لذلك، فإن فهم الفوارق في كلفة الاقتراض يتطلب النظر إلى شروط التمويل ومخاطره، وليس الاكتفاء بالتصنيف الجغرافي للدول.
وبحسب تقرير "عالم من الديون" الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية في تشرين الأول 2026، بلغ متوسط الفائدة على الدين العام في البلدان النامية 5.2 في المئة، مقابل 2.2 في المئة في البلدان المتقدمة. كما اقترب صافي مدفوعات الفائدة العامة للبلدان النامية من تريليون دولار خلال عام 2025.
وتعكس هذه المتوسطات اختلاف العملات وآجال الاستحقاق وتركيبة الديون، ولا تمثل أسعاراً لقروض متطابقة من حيث الشروط والمخاطر.
وتظهر الفجوة بوضوح عند مقارنة إصدارين من السندات الدولارية لأجل خمس سنوات؛ إذ أصدرت مصر في 4 شباط 2025 سندات بعائد بلغ 8.625 في المئة، في حين أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية، في 31 كانون الثاني من العام نفسه، سندات بعائد 4.330 في المئة، وفق وثائق الإصدار المصري المنشورة عبر بورصة لندن ونتائج المزاد الأمريكي.
ويقترب العائد على السندات المصرية من ضعف نظيره الأمريكي، لكن هذا الفارق لا يرتبط بمستوى الدخل وحده، بل يتأثر أيضاً بالتصنيف الائتماني والسيولة ومخاطر عدم السداد، فضلاً عن اختلاف طبيعة الاقتراض؛ فمصر تقترض بعملة أجنبية، بينما تصدر الولايات المتحدة ديونها بعملتها المحلية.
وتكشف بيانات تقرير البنك الدولي للديون الدولية لعام 2025 عن جانب آخر من أزمة التمويل، إذ سددت البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل خلال الفترة من 2022 إلى 2024 أقساطاً وفوائد ديون خارجية تزيد بنحو 741 مليار دولار على التمويل الجديد الذي حصلت عليه، مسجلة أكبر صافي تدفق خارج مرتبط بالدين الخارجي خلال خمسين عاماً على الأقل.
وبلغ إجمالي الدين الخارجي لهذه البلدان 8.9 تريليونات دولار في عام 2024، فيما وصلت مدفوعات فوائده إلى نحو 415 مليار دولار. وتشمل هذه الأرقام الديون العامة والخاصة، ولذلك لا يمكن جمعها مع بيانات فوائد الدين العام الواردة في تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.
وتعني هذه الأرقام أن القروض الجديدة قد لا تذهب بالضرورة إلى تمويل مشاريع تنموية، مثل بناء المدارس والمصانع، بل قد تُستخدم في تسديد التزامات وديون سابقة، ما يحد من قدرتها على دعم النمو الاقتصادي.
وتتحدد كلفة الاقتراض وفق مجموعة من العوامل، في مقدمتها الإيرادات الحكومية والاحتياطيات النقدية ومعدلات التضخم وقوة المؤسسات وسجل الدولة في تسديد ديونها، وليس حجم الدين وحده. فقد تتمكن دولة ذات مديونية مرتفعة من الاقتراض بشروط أفضل إذا كانت قدرتها على تحصيل الإيرادات والوصول إلى التمويل أكثر استقراراً.
كما يمثل حجم الفوائد مقارنة بإيرادات الحكومة عاملاً مهماً في تقييم قدرة الدولة على تحمل ديونها، إلى جانب التمييز بين الدين الخارجي، الذي يرتبط عادة بمكان إقامة الدائن، والدين المقوم بعملة أجنبية.
وتتمتع الدول التي تصدر عملات احتياطية بميزة إضافية، تتمثل في وجود طلب دولي على سنداتها، بينما تواجه الدول التي تقترض بالدولار تحدياً في توفير العملة الأجنبية اللازمة للسداد.
فعلى سبيل المثال، إذا اقترضت دولة مليار دولار وكان سعر الدولار يعادل 20 وحدة من عملتها المحلية، فإن قيمة الدين تبلغ 20 مليار وحدة، لكنها ترتفع إلى 30 ملياراً إذا صعد سعر الدولار إلى 30 وحدة، أي بزيادة قدرها 50 في المئة من دون أن تقترض الدولة أي مبلغ إضافي.
وتؤثر آجال استحقاق الديون أيضاً في المخاطر المالية؛ إذ تشير بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى تراجع متوسط آجال السندات السيادية بالعملة الأجنبية في العينة التي درسها من نحو 17 عاماً قبل 2021 إلى 9.5 أعوام في 2025.
ويؤدي تقصير آجال الاستحقاق إلى اقتراب موعد إعادة التمويل، ما يجعل الحكومات أكثر عرضة لتغير أسعار الفائدة وتقلبات الأسواق وتراجع شهية المستثمرين. أما الاقتراض بالعملة المحلية، فقد يقلل مخاطر تقلبات أسعار الصرف، لكنه قد يكون أعلى كلفة ويزاحم الشركات على مصادر التمويل المتاحة.
وتؤدي التصنيفات الائتمانية دوراً إضافياً في تحديد كلفة الاقتراض، إذ تؤثر في نظرة المستثمرين إلى قدرة الحكومات على السداد. ورغم وجود مخاطر فعلية تستند إليها هذه التصنيفات، تدعو مؤسسات أممية إلى تعزيز شفافية المناهج والبيانات المستخدمة في تقييم الجدارة الائتمانية، من دون أن يعني ذلك أن جميع الفوارق في أسعار الفائدة غير مبررة.
وفي المقابل، توفر المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي قروضاً بشروط ميسرة، قد تمتد آجالها إلى 30 أو 40 عاماً، مع فترات سماح وفوائد منخفضة أو معدومة، بحسب نوع التمويل وأهلية الدولة، فضلاً عن تقديم المنح.
وبلغت التزامات المؤسسة 30.53 مليار دولار خلال السنة المالية المنتهية في حزيران 2026، منها 8.45 مليارات دولار على شكل منح. ومع ذلك، تظل هذه الموارد محدودة، كما يرتبط بعض التمويل الرسمي بتنفيذ مشاريع أو إصلاحات وخضوعها لمراجعات دورية.
وتشير تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن 51 دولة نامية، يبلغ عدد سكانها نحو 3.7 مليارات نسمة، تنفق على فوائد الديون مبالغ تفوق ما تخصصه للصحة أو التعليم، كل قطاع على حدة.
وتتطلب معالجة هذه الأزمة تحسين إدارة الديون وتعزيز الشفافية داخل الدول، إلى جانب توسيع نطاق التمويل الميسر وتسريع عمليات إعادة الهيكلة على المستوى الدولي.
وفي النهاية، لا يتوقف تقييم الاقتراض على حجم الأموال التي تحصل عليها الدولة، بل على شروط التمويل والغرض من استخدامه وقدرتها على السداد من دون استنزاف مواردها المستقبلية. وتكمن أهمية الاقتراض في تحويل الأموال إلى قدرة إنتاجية وإيرادات وفرص عمل، بحيث ينعكس أثره على حياة المواطنين، بدلاً من أن يقتصر على إصدار سندات جديدة لتغطية استحقاقات قديمة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام