تتبنى الصين سياسة تقوم على التوازن في علاقاتها مع بغداد وإقليم كردستان، إذ تسعى إلى حماية مصالحها الاقتصادية مع الطرفين، من دون الانخراط في الخلافات السياسية بينهما أو تحويل علاقاتها مع أربيل إلى جزء من المنافسة الجيوسياسية التي تشمل إيران وتركيا والولايات المتحدة.
وبحسب تقرير لمنتدى "كامبريدج للشرق الأوسط وشمال أفريقيا" البريطاني، بعنوان "استراتيجية الصين ذات المسار المزدوج بين بغداد وإقليم كردستان في العراق"، فإن بكين لا تنظر إلى الإقليم بوصفه بديلاً عن الحكومة الاتحادية، بل باعتباره جزءاً من الهيكل السياسي والاقتصادي الأوسع للعراق، بما يتيح لها تعزيز مصالحها طويلة الأمد عبر بغداد وأربيل معاً.
ووفقاً للتقرير المنشور على موقع "منارة"، فإن الصين وسّعت علاقاتها مع الحكومة الاتحادية، خصوصاً في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والمشاريع المرتبطة بمبادرة "الحزام والطريق"، بالتوازي مع الحفاظ على علاقات اقتصادية مع إقليم كردستان، مع تجنب تحويل هذه العلاقات إلى مصدر توتر مع بغداد.
ويختلف هذا النهج عن سياسات بعض الدول الغربية التي طورت علاقات مؤسسية وأمنية أوثق مع الإقليم، ما أثار أحياناً انتقادات من الحكومة الاتحادية بشأن تجاوز صلاحياتها أو تقويض سلطتها.
وأشار التقرير إلى أن موقع إقليم كردستان عند تقاطع مصالح إيران وتركيا والولايات المتحدة، وبدرجة أقل دول الخليج، يجعل الانخراط المباشر في المنافسات الإقليمية محفوفاً بالمخاطر السياسية والأمنية على الاستثمارات الصينية.
ولهذا، اختارت بكين التركيز على دور الشريك الاقتصادي، خلافاً لواشنطن التي تمتلك حضوراً أمنياً وعسكرياً في الإقليم، وتركيا التي تضع المخاوف الأمنية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني ضمن أولوياتها.
وأوضح التقرير أن الصين لم تسعَ إلى التوسط في النزاعات بين بغداد وأربيل، كما تجنبت التدخل في المنافسات بين الأحزاب السياسية الكردية، معتمدة نهجاً يقوم على تعظيم المصالح الاقتصادية والحد من المخاطر الجيوسياسية.
وأضاف أن هذا التوجه ينسجم مع السياسة الصينية الأوسع في الشرق الأوسط، حيث تسعى بكين إلى توسيع نفوذها من خلال الاستثمار والتجارة والدبلوماسية الاقتصادية، مع تجنب الانخراط المباشر في التحالفات الأمنية أو الانحياز العلني إلى أطراف الصراعات، كما في أزمات سوريا وغزة ولبنان.
وفي ما يتعلق بإقليم كردستان، أكد التقرير أن الحفاظ على الاستقرار السياسي واستمرار إنتاج الطاقة وتصديرها يمثلان أولوية للصين، مقارنة بمحاولات تغيير موازين القوى بين الأطراف المحلية. لذلك، تفضل بكين تقديم نفسها بوصفها قوة منخرطة اقتصادياً، لكنها محدودة الالتزامات الاستراتيجية والأمنية.
ويستند الموقف الصيني من العلاقة بين بغداد وأربيل، بحسب التقرير، إلى الاعتراف بالحكومة الاتحادية بوصفها السلطة القانونية المركزية في العراق، وهو مبدأ يشكل أحد مرتكزات الدبلوماسية الصينية منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949.
وعلى الرغم من تمتع إقليم كردستان بقدر واسع من الحكم الذاتي السياسي والأمني والاقتصادي، فإن بكين تواصل التعامل معه باعتباره جزءاً من دولة عراقية موحدة. وتُدار الاتفاقات الحكومية والتعاون الاستراتيجي والترتيبات المالية والمصرفية والاتصالات الدبلوماسية الرسمية عبر بغداد.
ولفت التقرير إلى أن الصين لم تؤيد استفتاء استقلال إقليم كردستان عام 2017، بسبب مخاوفها من التداعيات المحتملة على قضايا الأقاليم والمناطق التي تواجه تحديات مماثلة، ومنها شينجيانغ والتبت وتايوان. ويعكس ذلك تمسك بكين بمبدأ وحدة الدول وعدم التضحية بمواقفها السياسية الأساسية في سبيل تحقيق مكاسب اقتصادية.
ومع ذلك، تتسم العلاقات الاقتصادية الصينية مع الإقليم بالمرونة، إذ تتعامل الشركات الصينية مع المؤسسات المحلية ووزارة الموارد الطبيعية في حكومة الإقليم والشركات الخاصة والجهات الاقتصادية الأخرى، من دون اتخاذ موقف من الوضع القانوني والسياسي للإقليم.
وتشمل الأنشطة الاقتصادية الصينية في كردستان قطاعات الطاقة والبناء والاتصالات والطرق وتوريد المعدات، إلى جانب أعمال شركات مثل "سينوبك"، التي استحوذت على شركة "أداكس بتروليوم"، و"جيو جايد بتروليوم"، فضلاً عن مجموعة من المقاولين الصينيين العاملين في المنطقة.
ويرى التقرير أن هذه الأنشطة تعكس اعتبار بكين الإقليم سوقاً تجارية مهمة وجزءاً من استراتيجيتها الأوسع لأمن الطاقة، مع الحرص على إبقاء الاستثمار والتجارة بعيداً عن النزاعات المرتبطة بالهوية والقومية والمنافسة السياسية.
وقد أتاح هذا النهج للصين الحفاظ على علاقات مستقرة نسبياً مع بغداد وأربيل وطهران وأنقرة في الوقت نفسه، مع الحد من تعرض مصالحها للمنافسات السياسية الداخلية في العراق والصراعات الإقليمية الأوسع.
وخلال العقدين الماضيين، تركزت العلاقات بين الصين وإقليم كردستان بصورة رئيسية على التعاون الاقتصادي والتجاري، فيما ظلت الروابط السياسية والأمنية محدودة مقارنة بالعلاقة الاستراتيجية التي تربط بكين بالحكومة الاتحادية، انسجاماً مع مبدأ "الدبلوماسية من دولة إلى دولة".
وخلص التقرير إلى أن العلاقات الصينية مع إقليم كردستان تقوم على "البراغماتية الاقتصادية بلا التزام سياسي"، إذ تمنح بكين الأولوية للطاقة والمصالح التجارية، مع التمسك بالحياد السياسي وتجنب الانخراط المباشر في النزاعات الإقليمية.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام