تشارك إيران، اليوم الأربعاء، في قمة منتدى الدول المصدرة للغاز في موسكو، بالتزامن مع مباحثات مع روسيا بشأن اتفاق لتبادل الغاز وإمدادات محتملة عبر أذربيجان، في وقت يواجه فيه قطاع الطاقة الإيراني تحديات تتعلق بنقص الاستثمارات وتراجع القدرة الإنتاجية، رغم امتلاك البلاد ثاني أكبر احتياطي مؤكد من الغاز الطبيعي في العالم.

ويرأس الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وفد بلاده إلى القمة، ويتضمن برنامج زيارته لقاءً مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين لبحث التعاون الثنائي والتطورات الإقليمية والدولية، وفقاً لما أعلنه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

وتناقش القمة الثامنة للمنتدى تطورات أسواق الغاز العالمية وأمن الإمدادات وسبل تعزيز التعاون بين الدول المصدرة. وبحسب مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف، من المقرر أن يشارك في الاجتماع عدد من القادة، بينهم رئيس غينيا الاستوائية ورئيس المجلس الرئاسي الليبي ورئيس موزمبيق، فيما تشارك القائمة بأعمال رئيس فنزويلا عبر الاتصال المرئي.

ومن المتوقع أن يصدر عن القمة "إعلان موسكو"، الذي يتناول تنويع طرق تجارة الغاز واستخدام التقنيات الحديثة، إلى جانب تعزيز استقرار الأسعار والحد من تقلباتها، وفق أوشاكوف.

وتنعقد القمة في وقت تواجه فيه إيران مفارقة بين ضخامة احتياطياتها الغازية وصعوبة تلبية الطلب المحلي، إذ تستهلك البلاد معظم إنتاجها، وتعاني نقصاً في الإمدادات خلال فترات ذروة الاستهلاك.

وتبلغ احتياطيات إيران المؤكدة نحو 33.99 تريليون متر مكعب، بما يعادل قرابة 15.4% من إجمالي الاحتياطيات العالمية، وفق حسابات تستند إلى النشرة الإحصائية السنوية لمنظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك" لعام 2026.

وترى الخبيرة الاقتصادية سمر عادل أن أزمة الغاز الإيرانية لا ترتبط بحجم الاحتياطيات وحده، بل بقدرة البلاد على استخراج الغاز ومعالجته ونقله وتخزينه بكميات تتناسب مع الاستهلاك.

وتوضح أن الأسعار المدعومة والتوسع في استخدام الغاز بالمنازل والصناعة وتوليد الكهرباء أسهما في زيادة الطلب، في حين تحد العقوبات ونقص الاستثمارات من قدرة القطاع على مواكبة الاحتياجات المتنامية.

وبحسب وكالة الطاقة الدولية، استهلكت إيران نحو 260 مليار متر مكعب من الغاز خلال عام 2024، فيما يأتي أكثر من 70% من إنتاجها من حقل بارس الجنوبي، الذي تتقاسمه مع قطر.

ويحتاج الحقل إلى استثمارات وتقنيات متطورة للحفاظ على ضغطه ومستويات إنتاجه، وسط تحديات تتعلق بتطوير البنية التحتية وتجديد المعدات.

وتشير عادل إلى أن الاعتماد الكبير على حقل رئيسي، إلى جانب محدودية قدرات التخزين، يزيد من تأثير أي اضطرابات في الإنتاج. وقدرت وكالة الطاقة الدولية أن الأضرار الأولية التي لحقت بمنشآت معالجة الغاز في عسلويه خلال الحرب في آذار الماضي ربما أثرت على نحو 12% من إنتاج إيران.

وفي محاولة لتخفيف هذه الضغوط، قال القائم بأعمال وزارة النفط الإيرانية حميد بوفارد، قبل انعقاد القمة، إن اتفاقاً لتبادل الغاز مع روسيا يقترب من مراحله النهائية، بالتزامن مع استمرار الترتيبات الفنية وبحث مشروع لإنشاء خط أنابيب يمر عبر أذربيجان.

وكان البلدان قد بحثا عام 2025 إمدادات روسية محتملة إلى إيران تبدأ بنحو 1.8 مليار متر مكعب سنوياً، مع إمكانية رفعها على المدى الطويل إلى 55 مليار متر مكعب، فيما لم يكن السعر ومسار التسليم قد حُسما، وفق ما أوردته وكالة رويترز.

وتوضح عادل أن الكمية الأولية المطروحة تقل عن 1% من استهلاك إيران السنوي المسجل في عام 2024، فيما يمثل الرقم الأكبر هدفاً طويل الأجل، وليس إمدادات قائمة بالفعل.

وتضيف أن الغاز الروسي قد يساعد على تخفيف الضغوط في مناطق محددة أو خلال مواسم ارتفاع الطلب، إلا أن تنفيذ الاتفاق يرتبط بعوامل عدة، من بينها الأسعار والتمويل ومسار النقل وتوافر البنية التحتية اللازمة.

وتؤكد أن استيراد الغاز لا يعالج وحده التحديات الهيكلية التي تواجه القطاع الإيراني، إذ لا تزال البلاد بحاجة إلى تطوير حقولها وتجديد معداتها ورفع كفاءة الإنتاج. أما إمكانية مساهمة روسيا في هذه الجهود، فتعتمد على قدرتها على توفير التمويل والتكنولوجيا في ظل العقوبات المفروضة على البلدين.

وتكتسب قمة موسكو أهمية إضافية بالنظر إلى الوزن الذي تمثله الدول الأعضاء في منتدى الدول المصدرة للغاز داخل السوق العالمية. ووفقاً لبيانات المنتدى، يمتلك أعضاؤه نحو 70% من الاحتياطيات المؤكدة للغاز، ويمثلون 38% من الإنتاج المسوّق و42% من صادرات الغاز العالمية.

لكن عادل توضح أن هذه النسب تعكس جوانب مختلفة من السوق، إذ تشير الاحتياطيات إلى كميات الغاز المؤكدة في باطن الأرض، بينما يعكس الإنتاج الكميات المستخرجة والمسوقة، في حين تمثل الصادرات الكميات المباعة إلى الخارج. ولذلك، فإن امتلاك حصة كبيرة من الاحتياطيات لا يعني بالضرورة السيطرة على النسبة نفسها من الإمدادات أو الأسعار العالمية.

وتشير إلى أن تأثير المنتدى يرتبط بقرارات الدول الأعضاء واستثماراتها وعقودها مع المشترين، إذ يوفر منصة لتبادل المعلومات ومناقشة تطورات الأسواق والتكنولوجيا وأمن الإمدادات، لكنه لا يمتلك نظاماً معلناً لتحديد حصص إنتاج جماعية للدول الأعضاء.

وفي المقابل، تمتلك منظمة "أوبك" وتحالف "أوبك+" أدوات أكثر مباشرة للتأثير في سوق النفط، من خلال الاتفاق على مستويات الإنتاج وخفضها أو زيادتها، وإن كانت فاعلية هذه القرارات تعتمد على التزام الدول المشاركة وحجم الإنتاج خارج التحالف والتغيرات في الطلب العالمي.

وتظهر بيانات أوبك أن دول المنظمة تمتلك نحو 79% من احتياطيات النفط الخام المؤكدة، وشكلت قرابة 45% من صادراته العالمية عام 2025، فيما بلغت حصتها من إنتاج النفط الخام نحو 36.7% خلال العام نفسه.

وتختلف سوق الغاز عن النفط من حيث طبيعة النقل والتعاقد، إذ يرتبط جزء كبير من الإمدادات بخطوط أنابيب وعقود طويلة الأجل بين الموردين والمشترين، ما يجعل تغيير وجهة الغاز أو كمياته مرتبطاً بالتزامات تعاقدية وقدرات شبكات النقل.

أما الغاز الطبيعي المسال، فيوفر مرونة أكبر لتوجيه الشحنات عبر البحار، لكنه يتطلب محطات للتسييل وسفناً متخصصة ومنشآت للاستقبال، فضلاً عن استثمارات كبيرة.

وبذلك، تتوقف قدرة إيران على الاستفادة من التعاون مع روسيا على تحويل التفاهمات السياسية إلى إمدادات فعلية قابلة للتنفيذ، في وقت تحتاج فيه إلى معالجة اختلالات الإنتاج والاستثمار والبنية التحتية لتقليص فجوة الغاز بين احتياطياتها الضخمة واحتياجاتها المحلية المتزايدة.