كشف الخبير الاقتصادي منار العبيدي عن فجوة مالية تُقدّر بنحو 9 مليارات دولار خارج السجلات الرسمية في حركة التجارة بين العراق وتركيا، عازياً ذلك إلى دخول بضائع عبر منافذ إقليم كردستان غير المرتبطة بنظام الجمارك الإلكتروني "أسيكودا". 

وذكر العبيدي في منشور على "فيسبوك"، تابعته شبكة "الساعة"، أن "هيئة الإحصاء العراقية أصدرت بيانات استيرادات العراق لسنة 2025، وتكشف مقارنتها ببيانات الصادرات الرسمية للدول الشريكة إلى العراق عن تحسّن ملموس في مستوى التطابق بين المصدرين، فقد جاءت بيانات صادرات اليابان وكوريا الجنوبية والهند والبرازيل والولايات المتحدة متقاربة إلى حد كبير مع ما سجلته الاستيرادات العراقية على مستوى الإجماليات، في حين بقيت بيانات الإمارات وتركيا والصين بعيدة عن التوافق".

وعزا العبيدي هذا التباين إلى "عاملين رئيسيين:

الأول: اختلاف منهجية التسجيل بين المنشأ والمصدر، إذ يعتمد تقرير الاستيرادات العراقية على بلد منشأ البضاعة، لا على بلد تصديرها، بينما تعتمد دول مثل الإمارات على بيانات إعادة التصدير، التي تشمل سلعاً لم تُصنّع فيها أصلاً، بل عبرت أراضيها قادمة من دول مختلفة. ولهذا السبب، لا تتطابق بيانات الصين والإمارات مع السجل العراقي؛ فالصين تحتسب صادراتها إلى العراق على أساس ما يُشحن إليه مباشرة، في حين يسجل العراق كل سلعة صينية المنشأ على أنها واردة من الصين، بغض النظر عن المنفذ الذي صُدّرت منه. وبذلك، يظهر فائض في السجل العراقي لصالح الصين يقابله عجز في سجل الإمارات، وهما في حقيقتهما وجهان لظاهرة واحدة.

الثاني: المفارقة التركية، إذ أعلنت تركيا تصدير بضائع إلى العراق بقيمة تقارب 10 مليارات و700 مليون دولار، بينما لم تسجل بيانات الاستيراد العراقية الرسمية سوى مليار و200 مليون دولار. ويُفسَّر هذا الفارق الشاسع بأن جزءاً كبيراً من السلع التركية يدخل عبر منافذ تابعة لإقليم كردستان غير مرتبطة بنظام أسيكودا، فلا يُحتسب ضمن البيانات الرسمية للاستيرادات العراقية".

وأضاف أنه "استناداً إلى هذه المقارنة، يمكن القول إن نظام أسيكودا أسهم بشكل واضح في تحسين تسجيل السلع الفعلية الداخلة إلى العراق، وأن البيانات أصبحت أكثر دقة مقارنة بالسنوات السابقة. ويمتلك العراق اليوم ثلاثة مصادر مستقلة للتحقق من حقيقة ما يدخل إلى أسواقه: بيانات التحويلات الخارجية للبنك المركزي العراقي، وبيانات نظام أسيكودا، والبيانات الرسمية للدول المصدِّرة"، مبيناً أن "مقاطعة هذه المصادر الثلاثة فيما بينها أسهمت كثيراً في تقليص التهرب والممارسات غير الدقيقة في المنافذ الحدودية".

وتابع: "رغم ما رافق تطبيق النظام من لغط وصعوبات واجهها التجار في عمليات الإدخال، وتأثيره الملحوظ على صغار التجار، إلا أنه حسّن بدرجة كبيرة من انضباط التحويلات المالية الخارجية، ومن استحصال التعرفة الجمركية وفق طبيعة كل مادة. وتحقيق هذا المستوى من التوافق في البيانات سيتيح مستقبلاً فهماً أدق لنمط الاستهلاك الداخلي، ومسار كل سلعة وأسباب استيرادها، والعمل على تقليل الفواتير غير المبررة".

ولفت إلى أن "أبرز منجزات النظام أنه قلّص بشكل كبير ظاهرة تضخيم الفواتير، وإن كانت لم تختفِ بعد، ومن شأن ربط منافذ الإقليم بنظام أسيكودا أن يغلق الفجوة الأكبر المتبقية في دقة البيانات، وخصوصاً في بعض السلع التي لا تعتمد في صادراتها على المنافذ الرسمية، بل على منافذ كردستان، ومنها الذهب والأجهزة الإلكترونية، التي ما زالت تُظهر فرقاً شاسعاً بين ما تظهره صادرات الدول وما يسجله العراق في سجلاته الرسمية".

وزاد: "عندها، يصبح ممكناً الانطلاق في استراتيجية إحلال الواردات بالتصنيع المحلي، والحد من الهدر في التحويلات الخارجية على سلع يمكن إنتاجها داخلياً، بما يحسّن ميزان المدفوعات ويقلل الطلب على الدولار في السوق الموازية، ويضيّق بالتالي الفجوة بين السعر الرسمي والموازي".