رغم ارتباط التأمل واليقظة الذهنية بتحسين الصحة النفسية والجسدية، تشير أبحاث إلى أن بعض ممارسات التأمل قد تكون مصحوبة بآثار سلبية لدى فئة من الأشخاص، قد تتجاوز الأرق والقلق إلى أعراض نفسية أكثر حدة في حالات محددة.
وبحسب تقرير نشره موقع "ABC" الأسترالي، فإن الدراسات تشير إلى أن نحو شخص واحد من كل 10 أشخاص يمارسون التأمل قد يواجه آثاراً سلبية تستمر لأكثر من شهر أو تؤثر في قدرته على ممارسة أنشطته اليومية بصورة طبيعية.
وتأتي هذه النتائج في وقت تتزايد فيه شعبية التأمل حول العالم، ولا سيما تمارين اليقظة الذهنية. ففي الولايات المتحدة ارتفعت نسبة الأشخاص الذين يمارسون التأمل من نحو 10% إلى 20% خلال العقدين الماضيين، بينما يمارس قرابة ثلث سكان أستراليا شكلاً من أشكال التأمل.
وعلى الرغم من وجود أدلة بحثية واسعة على فوائد التأمل في التعامل مع بعض مشكلات الصحة النفسية والجسدية، فإن الآثار الجانبية المحتملة لم تحظَ بالقدر ذاته من الدراسة والاهتمام.
باحثة تحولت من الترويج إلى دراسة المخاطر
وتبرز في هذا المجال أبحاث الدكتورة ويلوبي بريتون، الأستاذة المشاركة في الطب النفسي بجامعة براون ومديرة مختبر العلوم العصبية السريرية والعاطفية، بعدما كرست جانباً كبيراً من عملها لدراسة التجارب السلبية المرتبطة بالتأمل.
وتقول بريتون إنها أمضت نحو عقدين من مسيرتها المهنية في الترويج لفوائد التأمل، وكانت تعتقد أن هذه الممارسة لا تحمل آثاراً ضارة، قبل أن تدرك أن هذا الجانب لم يخضع للاختبار العلمي الكافي.
وبدأت مراجعتها لهذه الفكرة بعد دراسة أجرتها حول تأثير التأمل في النوم، إذ توقعت أن تظهر النتائج تحسناً في جودة النوم وانخفاضاً في أعراض الاكتئاب، إلا أن النتائج جاءت على خلاف ذلك، بعدما أظهرت زيادة في سرعة موجات الدماغ وارتفاعاً في مرات الاستيقاظ أثناء النوم لدى المشاركين.
وتعززت مخاوفها لاحقاً بعدما تعاملت، خلال عملها في مستشفى الطب النفسي التابع لجامعة براون، مع حالتين ظهرت عليهما أعراض ذهانية عقب مشاركتهما في خلوات للتأمل، ما دفعها إلى التوسع في دراسة الآثار غير المرغوبة لهذه الممارسة.
أكثر من 50 نوعاً من الأعراض
وفي دراسة نشرتها بريتون وفريقها عام 2017، بعد نحو 10 أعوام من البحث والمقابلات مع أكثر من 100 شخص يمارسون التأمل، جرى رصد أكثر من 50 عرضاً سلبياً مختلفاً.
وصنّف الباحثون أبرز هذه التأثيرات ضمن مجموعتين رئيسيتين، الأولى مرتبطة بفرط الاستثارة، وتشمل القلق والخوف والأرق والحركات اللاإرادية والاندفاع العاطفي، فيما ترتبط الثانية بنقص الاستثارة، وتشمل فقدان المشاعر وتراجع الدافع والشعور بتلاشي الإحساس بالذات.
وأفاد بعض المشاركين بتجارب جمعت بين النوعين، في حين تحدث آخرون عن أعراض ذهانية استمرت لفترات تراوحت، في المتوسط، بين عام و3 أعوام، وهو ما قد ينعكس على الحياة اليومية والقدرة على العمل.
تحذيرات قديمة من الآثار الجانبية
ولا تبدو المخاوف من الآثار السلبية للتأمل جديدة تماماً، إذ يشير بيرس سالغويرو، أستاذ التاريخ الآسيوي والعلوم الإنسانية الصحية في جامعة بنسلفانيا ستيت، إلى وجود نصوص آسيوية تعود إلى نحو 1500 عام تناولت التأمل كوسيلة للعلاج، لكنها تضمنت أيضاً تحذيرات من مشكلات صحية ونفسية قد تظهر لدى بعض الممارسين.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن وجود هذه المخاطر المحتملة لا يعني أن التأمل ممارسة ضارة بصورة عامة، خصوصاً أن دراسات عديدة دعمت فوائده في مجالات مختلفة.
فوائد مثبتة ومطالبة بمعلومات أوضح
ويشير نيكولاس فان دام، مدير مركز الدراسات التأملية في جامعة ملبورن، إلى أن التأمل قد يساعد في التعامل مع بعض اضطرابات الصحة النفسية، بينها القلق والاكتئاب وبعض مشكلات الإدمان.
كما يمكن أن يساهم في تخفيف الألم المرتبط ببعض الحالات الجسدية، مثل التهاب المفاصل وفترات التعافي بعد الإصابة بالسرطان، من خلال تدريب الانتباه والمساعدة على تحويل التركيز بعيداً عن الألم، إلى جانب تأثيراته المهدئة.
ويرى فان دام أن التعامل مع التأمل ينبغي ألا يختلف عن أي تدخل علاجي آخر من حيث توضيح فوائده ومخاطره المحتملة، داعياً إلى تعزيز مفهوم "الموافقة المستنيرة" بحيث يحصل الأشخاص على معلومات كافية قبل اختيار ممارسة التأمل، بما يتيح لهم اتخاذ قرار واعٍ يستند إلى فهم متوازن للمنافع والآثار الجانبية المحتملة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام