حسمت المحكمة الاتحادية العليا جانباً مهماً من الجدل القانوني والإداري بشأن الأراضي الممنوعة من البناء في محافظة نينوى، بعد تأييدها قرار مجلس المحافظة الخاص برفع منع البناء عن أراضي منطقتي قزة فخرة وجليوخان، وفق ما أعلنه المستشار السياسي لمجلس نينوى همام السليم.
وقال السليم منشور تابعته "الساعة"، إن "المحكمة الاتحادية العليا صادقت على قرار مجلس محافظة نينوى، بعد رد دعاوى الطعن المقدمة من عدد من النواب، في خطوة من شأنها فتح الطريق أمام أصحاب الأراضي للمباشرة بالبناء على أملاكهم، بعد سنوات طويلة من الانتظار والنزاع حول الوضع القانوني لهذه الأراض"ي.
من جانبه، قال رئيس لجنة الأراضي الممنوعة من البناء في مجلس محافظة نينوى عبد الله النجيفي إن "المحكمة الاتحادية العليا قالت كلمتها اليوم وأيدت قرار مجلس محافظة نينوى برفع المنع عن البناء في مناطق جليوخان وقزة فخرة"، معتبراً أن "القرار ينهي انتظاراً طال أكثر مما ينبغي ويفتح الطريق أمام الأهالي للبناء في أراضيهم".
كما هنأ رئيس مجلس محافظة نينوى أحمد الحاصود أهالي جليوخان وقزة فخرة، عقب صدور القرار القضائي، مجدداً تأكيده الوقوف إلى جانبهم ودعم حقوقهم القانونية.
ويأتي قرار المحكمة بعد سنوات من الجدل بشأن آلاف الأراضي الواقعة في مناطق مختلفة من نينوى، ولا سيما جليوخان وقزة فخرة، إذ ظل أصحابها غير قادرين على البناء رغم امتلاكهم سندات ملكية رسمية، في وقت تحولت القضية إلى واحدة من أبرز الملفات الخلافية في المحافظة.
10 سنوات من الانتظار
بدأت أزمة الأراضي الممنوعة من البناء في نينوى عقب تحرير مدينة الموصل من تنظيم "داعش"، عندما مُنع أصحاب آلاف القطع السكنية من البناء عليها، وسط خلافات بشأن تبعية بعض المناطق وحدودها الإدارية وعلاقتها بالمناطق المشمولة بأحكام المادة 140 من الدستور.
وتشير تقديرات محلية إلى أن عدد الأراضي المتضررة من قرار المنع تجاوز 30 ألف قطعة، فيما تقدر مصادر في محافظة نينوى العدد بنحو 35 ألفاً، ما جعل الملف يمس شريحة واسعة من المواطنين الذين يقولون إنهم يمتلكون أراضيهم بموجب سندات رسمية صادرة عن دوائر التسجيل العقاري.
وخلال السنوات الماضية، تعاقبت محاولات حكومية وبرلمانية ومحلية لحل الأزمة، إلا أن الملف بقي عالقاً بسبب تضارب المواقف بين الجهات السياسية والأمنية والإدارية بشأن طبيعة الأراضي وموقعها القانوني.
وفي نهاية حزيران الماضي، صوّت مجلس محافظة نينوى على قرار يسمح لأصحاب الأراضي الممنوعة من البناء بالمباشرة بإجراءات البناء، مع استكمال المتطلبات القانونية خلال مدة أقصاها 30 يوماً، والتعهد بملاحقة أي جهة تمنع تنفيذ القرار عبر القضاء.
إلا أن القرار واجه اعتراضات من أعضاء في مجلس المحافظة ونواب عن المكون الشبكي، الذين اعتبروا أن السماح بالبناء قد يؤدي إلى تغيير ديمغرافي في مناطق سهل نينوى، وأعلنوا اللجوء إلى القضاء والمحكمة الاتحادية للطعن بالقرار.
كما أثيرت المادة 140 من الدستور في الخلاف، باعتبار أن بعض الجهات ترى أن الأراضي تقع ضمن المناطق المتنازع عليها وتخضع لإجراءات خاصة، في حين رفض مجلس محافظة نينوى هذا التوصيف، مؤكداً أن الأراضي المشمولة بقراره تقع ضمن الحدود الإدارية والتصميم الأساسي لمدينة الموصل.
خلاف حول المادة 140 والملكية الخاصة
رئيس مجلس محافظة نينوى أحمد الحاصود سبق أن أكد أن الساحل الأيسر لمدينة الموصل غير مشمول بأحكام المادة 140، رافضاً أي محاولة لتجزئة المحافظة أو المساس بوحدة أراضيها تحت أي عنوان.
وقال الحاصود إن قرارات مجلس محافظة نينوى نافذة وسيتم تنفيذها من الجهات المختصة، داعياً إلى الالتزام بالسياقات القانونية وعدم الانجرار وراء التفسيرات التي لا تستند إلى أساس قانوني.
بدوره، أكد عضو مجلس محافظة نينوى محمد هريس أن الأراضي التي شملها قرار رفع منع البناء تقع ضمن الحدود الإدارية والبلدية لمدينة الموصل، ولا تخضع لإجراءات المادة 140، نافياً ارتباطها بمزاعم التغيير الديمغرافي.
وفي المقابل، تمسكت جهات سياسية بموقفها الرافض للبناء في تلك الأراضي، استناداً إلى مخاوف تتعلق بالتغيير الديمغرافي وطبيعة المناطق المتنازع عليها.
القضاء يضع حداً لمرحلة من النزاع
ويرى المستشار السياسي لمجلس نينوى همام السليم أن قرارات مجلس المحافظة المتعلقة بالسماح بالبناء تستند إلى أساس قانوني، وأن قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم 21 لسنة 2008 المعدل حدد آلية الاعتراض على قرارات مجالس المحافظات، بما يجعل اللجوء إلى القضاء هو المسار القانوني للفصل في النزاع.
كما أكد السليم أن الملكية الخاصة مصونة دستورياً، وأن الأراضي المشمولة بقرار مجلس المحافظة مملوكة لأصحابها بموجب سندات رسمية، مشيراً إلى أن ربطها بملف التغيير الديمغرافي أو المناطق المتنازع عليها يحتاج إلى أساس قانوني وجغرافي واضح.
ومع صدور قرار المحكمة الاتحادية العليا بتأييد قرار مجلس محافظة نينوى ورد دعاوى الطعن، ينتقل الملف إلى مرحلة جديدة يفترض أن تضع حداً لجزء أساسي من النزاع القانوني، وتفتح الباب أمام تنفيذ قرار رفع منع البناء.
وبينما ينتظر آلاف المواطنين ترجمة القرار القضائي على أرض الواقع، تبقى القضية مرتبطة بمدى قدرة الجهات التنفيذية على تطبيق القرار ومنع أي تدخلات تحول دون تمكين أصحاب الأراضي من ممارسة حقوقهم القانونية في البناء والاستفادة من أملاكهم.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام