بينما تصر الفصائل العراقية الموالية لإيران على التمسك بسلاحها، تسعى الحكومة العراقية إلى حصر هذا الملف بيدها ونزع السلاح في مدة أقصاها الـ 30 من أيلول المقبل، وفي هذا التوقيت الحساس جاء موقف ائتلاف إدارة الدولة والذي يضم جميع القوى السياسية المشاركة في الحكومة ليدعم قرار الحكومة ويمنحها تخويلا وتفويضا لنزع سلاح الفصائل المسلحة ولو بالقوة.
ويعد موقف ائتلاف إدارة الدولة هو الأشد والأول من نوعه في العراق، إذ كانت إلى القريب الماضي الفصائل تحظى بدعم أغلب الأطراف السياسية الشيعية على اعتبار انها فصائل "مقاومة" وقوات عقائدية تحمي النظام الشيعي.
وعقد ائتلاف إدارة الدولة اجتماعا في وقت متأخر من ليلة الأربعاء بحضور رؤساء الوزراء والبرلمان والجمهورية والسلطة القضائية وقادة الكتل السياسية، وأعلن عقب انتهاء الاجتماع دعمه لمواصلة الجهود لحفظ الأمن والاستقرار وحصر السلاح بيد الدولة ومنع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على دول الجوار أو زج العراق في الصراعات، وشدد البيان على اعتبار أي جهة مسلحة تقوم بسلوك يهدد أمن البلاد خارجة عن القانون ويجب محاربتهم وفقا لمواد الدستور التي تحظر استخدام السلاح خارج ارادة الدولة او تشكيل اي تنظيم مسلح خارج القوات المسلحة الرسمية.
ودعا ائتلاف إدارة الدولة إلى الالتزام بتوقيتات حصر السلاح بعد 30 أيلول 2026، واكد على التعامل بعدها بقانون مكافحة الارهاب مع أي سلوك مسلح خارج إطار الدولة.
وتظهر أهمية الموقف الأخير لائتلاف إدارة الدولة من زاوية أنه يعطي الضوء الأخضر للحكومة من قبل الأحزاب السياسية لمعالجة ملف السلاح المنفلت، لكن مقابل هذا التفاؤل، يرجح مراقبون عدم قدرة الدولة على فرض سلطتها على الفصائل المدعومة من إيران.
وتزامن مع الموقف السياسي الأخير من السلاح، إعلان الاستنفار الأمني لبعض الأجهزة الأمنية، إذ كشف مصدر عسكري عن دخول قطعات مكافحة الإرهاب حالة الإنذار "ج" تحسبا لأي طارئ، وبحسب بيان لخلية الإعلام الأمني فإن "رئيس الوزراء علي الزيدي وجه برفع مستوى الاستعداد القتالي للقوات الأمنية والعسكرية وذلك في إطار استمرار ديمومة الجاهزية القتالية لجميع التشكيلات وتعزيز قدرتها على أداء واجبها".
انقسام وقدرة محدودة
وتعليقا على موقف القوى السياسية في ائتلاف إدارة الدولة من ملف السلاح، أكد رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري أن اجتماع إدارة الدولة عقد دون مشاركة الأجنحة السياسية لبعض الفصائل المسلحة، ما يؤشر إلى وجود انقسام داخلي حول ملف حصر السلاح بيد الدولة.
وقال الشمري في حديث لشبكة "الساعة": إن "بيان ائتلاف إدارة الدولة كان واضحا وفيه نقاط مهمة وجوهرية، ويعطي تصوراً إيجابياً حول جدية الحكومة العراقية والقوى السياسية في حسم ملف حصر السلاح بيد الدولة"، وبين أنه "يمثل ضوء أخضراً من الأحزاب والقوى السياسية العراقية لحكومة الزيدي بمعالجة ملف السلاح الموازي ضمن المدة التي حددتها الحكومة في الـ 30 أيلول القادم".
وأضاف الشمري: أن "تصنيف إدارة الدولة للسلاح المنفلت بأنه خارج على القانون ويجب إخضاعه لقانون مكافحة الإرهاب يشكل تطورا في طبيعة الخطاب والتعاطي السياسي مع هذا الملف"، لكنه شدد على أن "البيان وحده غير كاف ما لم يدعم على أرض الواقع من قبل عدد من الأطراف الداخلية".
ونوه الشمري إلى أن "غياب الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة يؤشر إلى وجود انقسام حول ملف حصر السلاح، الأمر الذي من شأنه عرقلة جهود الحكومة في تنفيذ برنامجها في تفكيك السلاح"، حسب تعبيره.
وأشار إلى أن "بيان إدارة الدولة جاء خاليا من أي إشارة إلى ملف مكافحة الفساد وضرورة الاستمرار في تجفيف منابع الفساد وكشف الجهات والشخصيات المتورطة فيه، سيما أن هذا الملف لا يقل أهمية من ملف حصر السلاح بيد الدولة".
وقبل يومين، أعلنت كتائب حزب الله رفضها تسليم أسلحتها وأسلحة ما سمتها "جبهة المقاومة" إلى الحكومة أو أي جهة أخرى، وأكد زعيم كتائب حزب الله العراقي أبو حسين الحميداوي، التوجه نحو توسيع مخازن الأسلحة والذخائر وتطويرها، وذلك رداً على الاستهدافات الأخيرة الأمريكية – السعودية التي طالت مقرات الحشد الشعبي.
وسبق ذلك تأكيدات من فصائل أخرى منها النجباء على رفض مشروع تسليم السلاح، فيما جاءت تصريحات خطيرة مؤخرا على لسان رئيس أركان هيئة الحشد الشعبي أبو فدك المحمداوي والتي أعلن فيها عدم تسليم السلاح وأنه لا يوجد من يجرؤ على نزع سلاح "المقاومة"، في حين أن هيئة الحشد الشعبي تعتبر نفسها هيئة رسمية عسكرية تابعة للحكومة وتأتمر بأوامر القائد العام للقوات المسلحة.
لا قدرة للدولة على حصر السلاح
بالمقابل، يستبعد الباحث والمحلل السياسي الناصر دريد قدرة الحكومة على حصر السلاح وتنفيذ مشروعها الذي أعلنت عنه، مرجعًا ذلك إلى حجم الاختراق الإيراني لمؤسسات الدولة العراقية، ولا سيما الأمنية والعسكرية.
وقال دريد في حديث لشبكة "الساعة": إن "رئيس الوزراء لا يمكنه تنفيذ التهديدات والتعهدات التي قطعها على نفسه بخصوص السلاح المنفلت، وذلك بسبب حجم الاختراق الإيراني الكبير في الدولة العراقية والقوات المسلحة العراقية"، مبينا أن "الزيدي إن كان يراهن على قوات مكافحة الإرهاب في تنفيذ برنامجه لنزع السلاح فهي قوة لا تستطيع لوحدها كسر الفصائل المسلحة وضبط سلاحها".
ولفت إلى أن "المخرج الوحيد أمام الزيدي لتنفيذ التهديد بشأن السلاح في الوقت الحالي يتمثل بالمراهنة على بعض الجهات الداخلية المسلحة ولا سيما الصدريين وتيارهم وعصائب قيس الخزعلي"، مبينا أن "هذا المخرج أسوأ من عدم التهديد والوعيد بخصوص السلاح، على اعتبار أن التيار الصدري يرغبون بالمشاركة بالسلطة بعيدا عن باقي الجهات، بينما العصائب مخترقين بقوة من الجانب الإيراني ولا يمكن الوثوق بهم في هكذا مشروع مهم وحيوي".
وبسبب المعطيات السابقة، رجح دريد: "عدم إمكانية الزيدي وحكومته حصر السلاح في التاريخ المحدد، حتى وإن توفر الدعم الأمريكي في هذا المجال".
إيران تعرقل حصر السلاح
أما الباحث الأول في مركز الجزيرة لقاء مكي فتوقع صعوبة بالغة في تنفيذ شعارات حصر السلاح بيد الدولة في العراق، على اعتبار أن الميليشيات تمثل روح وأداة النفوذ الإيراني.
وقال مكي في تغريدة عبر منصة "إكس": إن "مهمة الحكومة العراقية بنزع سلاح الفصائل المسلحة ستكون شاقة وخطيرة وغير مضمونة النتائج"، لكنه أكد أن "هذه المهمة في حال نجاحها فستفرض واحدا من أهم المتغيرات على الصعيد الإقليمي".
وأضاف مكي: أن "الفصائل أو قوى (محور المقاومة) أو المجموعات خارج الدولة، هي جوهر النفوذ الإيراني وروحه وأداته، وبدون هذا المحور، سيواجه النظام محنة الانكماش إلى الداخل واهتزاز استراتيجية الأمن القومي، وضياع سردية الهيمنة الإقليمية وربما يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع الإيرانيين".
كما توقع أن "تحاول إيران منع تنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة في العراق بأي ثمن، ولو بتفجير صراع مباشر بين حكومة بغداد والفصائل المسلحة التي ترفض تسليم سلاحها".
ومنذ سنوات تطالب القوى السنية والكردية بإنهاء نفوذ الفصائل وتسليم سلاحها للدولة، بينما تنقسم القوى الشيعية بشأن هذا الملف بين صامت ورافض لبقاء سلاح الفصائل وبين من يدعم بقاء هذا السلاح ويسعى لإعطائه الشرعية القانونية والوطنية.
وبقي شعار حصر السلاح بيد الدولة شعارا تغنت به الحكومات المتعاقبة، لكن الحكومة الحالية برئاسة الزيدي وجدت نفسها مضطرة للتعامل بجدية مع الملف بسبب الضغوط الأمريكية ورفض واشنطن التعامل المستقبلي مع العراق في حال بقاء سلاح الفصائل الموالية لإيران.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام