لم تعد بيانات الفصائل العراقية التي توعدت بالرد على القصف المنسوب إلى السعودية والولايات المتحدة مجرد موقف سياسي عابر، فبعد دعوات إلى طرد القوات الأجنبية وقطع العلاقات مع الرياض، ربطت بعض الفصائل أي تحرك مقبل بانتهاء الزيارة الأربعينية في 23 صفر، واضعة الحكومة العراقية أمام اختبار أمني حساس في الأيام التي تليها.
وجاءت ردود الفعل الخليجية والإقليمية لتزيد الضغط على بغداد، فبحسب المعلومات المتداولة، تلقت الحكومة رسائل مباشرة من السعودية والأردن تحذر من أن أي هجوم ينطلق من الأراضي العراقية باتجاه دول الجوار سيقابَل برد يستهدف مقرات الفصائل المنفذة، كما نقلت الكويت تحذيراً عبر قنوات غير مباشرة، قبل أن تنضم سوريا إلى مسار التنبيه نفسه.
في بغداد، تحركت حكومة علي فالح الزيدي باتجاه تشديد موقفها الرافض لاستخدام الأراضي العراقية منصةً لاستهداف دول الجوار، وعقد رئيس الوزراء اجتماعاً أمنياً طارئاً وجّه خلاله بتعزيز الإجراءات لمنع الهجمات العابرة للحدود وتشكيل لجنة أمنية مشتركة لمتابعة التهديدات في وقت يؤكد فيه مسؤولون أن حماية السيادة العراقية تبدأ بمنع أي جهة من جر البلاد إلى مواجهة لا تقررها مؤسسات الدولة.
وقال المكتب الإعلامي للزيدي، في بيان نشرته الوكالة الرسمية وتابعته شبكة "الساعة"، إن القائد العام للقوات المسلحة شدد على منع أي تجاوز أو تهديد ينطلق من الأراضي العراقية تجاه دول الجوار، ووجّه بوضع آليات رادعة تحول دون تكرار الخروقات، كما كلّف الأجهزة الأمنية بإنفاذ القانون وتعزيز الأمن والاستقرار"، مؤكداً: "جاهزية القوات المسلحة لإحباط أي محاولة تستهدف دول المنطقة من داخل العراق أو عبر أراضيه".
ويضع البيان الرسمي موقف بغداد في مواجهة مباشرة مع هواجس العواصم المجاورة، فالحكومة لا تتحدث عن حقها في الرد أو إدارة الأزمة سياسياً فحسب، بل تتعهد بمنع استخدام الجغرافيا العراقية منطلقاً أو ممراً لأي اعتداء في صياغة تنسجم مع التحذيرات التي وصلت إليها خلال الأيام الماضية.
ولم يأتِ تشدد بغداد في اجتماعها الأمني من فراغ، إذ سبقه مسار اتصالات مع الرياض لمحاولة احتواء الملف قبل أن يصل إلى مرحلة التحذيرات المتبادلة. وكشف تقرير لصحيفة المدى عن عقد 7 اجتماعات عراقية سعودية خلال الشهرين الأخيرين لمناقشة الهجمات التي استهدفت المملكة، وقالت مصادر قريبة من المطبخ السياسي للصحيفة إن بغداد لم تعثر، خلال الاجتماعات والتحقيقات، على دليل مقنع يثبت أن تلك الهجمات انطلقت من الأراضي العراقية، فيما استند الجانب السعودي، بحسب المصادر، إلى بيانات مرتبطة بفصائل عراقية وصور ومقاطع فيديو تتضمن تهديدات باستهداف المملكة.
وأضاف التقرير بحسب مصادر، أن ملف الهجمات لم يقتصر على القنوات الأمنية بين بغداد والرياض، بل امتد إلى اجتماع للإطار التنسيقي طُرحت فيه معلومات وردت من عمّان عن احتمال استهداف الأردن من الأراضي العراقية، مشيرةً إلى أن خلاف داخل الاجتماع بشأن التعامل مع تداعيات القصف والرد عليه، وسط ضغوط انتهت إلى إلغاء زيارة كانت مقررة للزيدي إلى السعودية.
ولم تصدر الفصائل، حتى الآن، بياناً علنياً رداً على تحذيرات دول الجوار، إلا أن البيانات التي صدرت عقب القصف حملت لهجة تصعيدية، ودعت إلى إجراءات ضد السعودية والولايات المتحدة، فيما أبقت موعد ما بعد الزيارة الأربعينية حاضراً في الحديث عن أي رد محتمل.
ويرى رئيس مركز الفكر السياسي إحسان الشمري أن "اجتماع رئيس الوزراء علي فالح الزيدي يمثل خطوة استباقية تجاه الفصائل التي تلوّح باستهداف دول الجوار، ويضع المؤسسة الرسمية في مواجهة مباشرة مع السلاح الموازي الخارج عن قرار الدولة"،
ويقول الشمري في تصريح تابعته شبكة "الساعة" إن "الأجهزة الأمنية العراقية تملك القدرة على الوصول إلى بعض البؤر التي يمكن أن تنطلق منها هجمات عابرة للحدود، لكنه يرى أن المشكلة في مراحل سابقة لم تكن أمنية بقدر ما كانت مرتبطة بغياب الإرادة السياسية الكافية لمنع استخدام الأراضي العراقية في صراعات المنطقة".
وبحسب الشمري: "يمر العراق بمرحلة حساسة تتقدم فيها أولوية استعادة الدولة لقرار الحرب والسلم"، ويضيف أن "نجاح الحكومة لن يقاس بالبيانات أو بتشكيل اللجان وحده، بل بقدرتها على مسك الأرض ومنع أي جهة من تحويل العراق إلى منصة لاستهداف محيطه العربي".
ويشير إلى أن "ملف حصر السلاح بيد الدولة بات اختباراً مباشراً لحكومة الزيدي، ولا سيما مع تحديد موعد 30 أيلول المقبل لاتخاذ إجراءات في هذا الملف"، ويرى أن "الحكومة ما زالت تراهن على الحوار وإمكان حصول تغيير في موقف الجماعات المسلحة، رغم رفض بعض الفصائل التخلي عن سلاحها".
ويستبعد الشمري أن "تتجه بغداد في الوقت الحالي إلى طلب تحالف دولي لمعالجة ملف الفصائل المسلحة"، لكنه يحذر من أن "أي هجمات جديدة قد تفرض على العراق ترتيبات وضغوطاً أمنية أشد"، مؤكداً أن "منع التصعيد سيحافظ في الحد الأدنى على علاقات بغداد مع دول الجوار ويحول دون استخدام جغرافيتها جزءاً من صراع إقليمي جديد".
وبين إنذارات الجوار ووعود الفصائل بالرد، تبدو الأيام التي تلي الزيارة الأربعينية اختباراً مباشراً للقرار الذي أعلنته بغداد حول منع أي هجوم ينطلق من أراضيها، وحماية سيادتها وعلاقاتها مع دول المنطقة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام