سلط تقريران نشرتهما قناة "فرانس 24" الفرنسية وموقع "أمواج" البريطاني الضوء على التداعيات السياسية والأمنية لمشاركة السعودية في الضربات التي استهدفت مواقع داخل العراق، معتبرين أن الخطوة تمثل تحولاً في السياسة الإقليمية للرياض، وقد تنعكس على المشهد السياسي العراقي وخطة الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة.
وذكرت "فرانس 24" أن "مشاركة السعودية إلى جانب الولايات المتحدة في تنفيذ ضربات داخل العراق تمثل أول تدخل عسكري مباشر تعلنه الرياض منذ اندلاع الحرب الإيرانية الأخيرة"، معتبرة أن "الخطوة تعكس تحولاً في نهج المملكة بعد أشهر من ضبط النفس، رغم تأكيدها أن العملية جاءت في إطار الدفاع عن النفس".
وأضاف التقرير أن "هذه المشاركة أثارت تساؤلات بشأن ما إذا كانت السعودية تتجه إلى التخلي عن سياستها الحذرة تجاه إيران، أم أنها تسعى فقط إلى توجيه رسالة ردع دون الانخراط في مواجهة مفتوحة".
ونقلت القناة عن الأكاديمي في جامعة بريستول، توبي ماثيسن، قوله إن "مشاركة السعودية العسكرية بشكل أكثر علنية تمثل تحولاً كبيراً مقارنة بسياسة الأشهر الماضية"، فيما رأى الباحث في جامعة لانكستر، خافيير بوردون، أن "الرياض تحاول ترسيخ صورتها كدولة معتدلة، وأن هدفها يتمثل في ردع التهديدات وليس تصعيد الصراع".
وأشار بوردون، بحسب التقرير، إلى أن "تكرار الهجمات والمخاطر الاقتصادية، ولا سيما التهديدات المحتملة لمضيق باب المندب، دفع السعودية إلى إعادة تقييم موقفها الأمني"، محذراً من أن "أي اضطراب في خطوط الملاحة سيزيد الضغوط الاقتصادية على المملكة".
كما أوضحت "فرانس 24" أن "خبراء يرون أن السياسة السعودية ما تزال تستند إلى استراتيجية دبلوماسية تقوم على الحفاظ على قنوات التواصل مع إيران، رغم استمرار التنافس بين البلدين"، فيما نقلت عن الباحث المتخصص في العلاقات السعودية-الإيرانية، كنزي ديسوكي، أن "الرياض تنظر إلى العملية باعتبارها رداً دفاعياً على هجمات الفصائل المسلحة، وليس استهدافاً مباشراً لإيران".
وأضاف التقرير أن "العراق يمثل، بالنسبة للسعودية، أهمية عسكرية وسياسية، وأن الضربات جاءت أيضاً في سياق دعم جهود الحكومة العراقية لتعزيز احتكار الدولة للسلاح، وهو ما اعتبره بوردون رسالة دعم لرؤية بغداد بشأن حصر السلاح بيد الدولة".
ورأت القناة أن "السعودية تراهن على أن إظهار استعدادها للرد العسكري قد يسهم في ردع إيران وحلفائها عن استهدافها مستقبلاً، لكنها حذرت في الوقت نفسه من أن الانخراط إلى جانب الولايات المتحدة قد يزيد مخاطر انجرار المملكة إلى مواجهة إقليمية أوسع".
في المقابل، قال موقع "أمواج" البريطاني إن "التداعيات الأعمق للهجوم قد تطال العراق أكثر من السعودية أو إيران"، موضحاً أن "بغداد عملت خلال السنوات الماضية على تجنيب البلاد التحول إلى ساحة للصراع الإقليمي، وإعادة بناء علاقاتها مع الرياض والعواصم العربية".
وأشار الموقع إلى أن "الضربات الأخيرة تهدد بإعادة العراق إلى واجهة الصراع بين القوى الإقليمية، بعدما نجحت الحكومات العراقية المتعاقبة في تقديم البلاد بوصفها منصة للحوار والدبلوماسية بدلاً من كونها ساحة للمواجهات بالوكالة".
ونقل "أمواج" عن مدير الإعلام في الحشد الشعبي، مهند العقابي، وصفه الهجمات السعودية بأنها "سوء تقدير سياسي"، مع تأكيده أن الحشد الشعبي لم يكن له أي دور في الهجمات التي استهدفت المنشآت النفطية السعودية.
كما أورد التقرير نفي السفير الإيراني السابق لدى بغداد، حسن كاظمي قمي، الاتهامات الموجهة إلى جماعات عراقية بالمسؤولية عن تلك الهجمات، واعتباره أن ما جرى "مشبوه"، مع طرح احتمال تورط خلايا أوكرانية في تنفيذها.
وأضاف الموقع أن "تضارب الروايات يعكس سرعة تحول العراق إلى ساحة تتنافس فيها القوى الخارجية على النفوذ"، مشيراً إلى أن "استمرار هذا الواقع قد يؤثر في مستقبل الوجود العسكري الأمريكي داخل البلاد، ويعقّد مساعي بغداد لإنهاء مهمة القوات الأجنبية".
ولفت التقرير إلى أن "إلغاء زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى الرياض قد ينعكس سلباً على مستوى الثقة السياسية والاستثمارات الخليجية"، مؤكداً أن "نجاح رؤية الحكومة العراقية في جعل العراق بيئة مستقرة للاستثمار وشريكاً موثوقاً لدول الخليج والولايات المتحدة يبقى مرهوناً بالاستقرار الإقليمي، وإحراز تقدم في ملف دمج الفصائل المسلحة ضمن مؤسسات الدولة".
وخلص "أمواج" إلى أن "المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كان العراق سيواصل أداء دور الوسيط بين القوى الإقليمية، أم سيعود مجدداً إلى موقع المواجهة في صراعات المنطقة".