كشف تقرير نشره موقع "ذا ناشونال كونتيكست" أن الولايات المتحدة تتبنى رؤية جديدة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، تقوم على تعزيز التجارة، وممرات الطاقة، والترابط الاقتصادي بين العراق وسوريا وتركيا، بدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية التقليدية، بهدف تقليص النفوذ الإيراني وإرساء نظام إقليمي جديد تكون فيه كردستان إحدى الركائز الأساسية.
وأوضح التقرير أن "هذا التوجه يعتمد على مفهوم الدولة والمؤسسات"، مشيراً إلى أن "إقليم كردستان وافق، للمرة الأولى، على اعتماد نظام جمركي موحد بإشراف الحكومة الاتحادية، مع مرور صادرات النفط عبر شركة (سومو) في خطوة اعتبرها جزءاً من إعادة تنظيم العلاقة الاقتصادية بين بغداد وأربيل".
وأضاف أن "الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني باتا يُنظر إليهما كجهتين فاعلتين تؤديان أدواراً مختلفة داخل المنظومة الجديدة، وليس باعتبارهما جناحين لحكومة إقليمية واحدة".
وتحدث التقرير عن ما وصفه بـ"عقيدة الارتكاز"، وهي "بنية أمنية واقتصادية تقودها الولايات المتحدة لربط العراق وسوريا وتركيا ضمن شبكة متكاملة، تعتمد على الطاقة والاستثمار والتكامل الاقتصادي، بما ينسجم مع استراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي تعتبر الاقتصاد والطاقة أدوات النفوذ الرئيسية في المنطقة".
وأعلن أن "تعيين توم باراك سفيراً لدى تركيا ومبعوثاً خاصاً إلى العراق وسوريا يعكس هذا التوجه، إذ يتولى إدارة الملفات الثلاثة بصورة مترابطة، فيما جاءت الاتفاقيات الموقعة مع شركات (شيفرون) و(HKN) في العراق و(كونوكو فيليبس) في سوريا ترجمة عملية لهذه الاستراتيجية".
وبيّن التقرير أن "تركيا تؤدي دور السوق الإقليمية ومركز العبور وحارس البوابة الأمنية، فيما ترتبط عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني بأهداف تتعلق بدمج الشبكات الكردية ضمن منظومة إقليمية مستقرة، وتحويلها من مصدر تهديد إلى عنصر ربط بين دول المنطقة".
كما أوضح أن "الحرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز أظهرا الحاجة إلى إيجاد ممرات جديدة للطاقة، الأمر الذي دفع واشنطن إلى دعم إنشاء مسارات تمر عبر سوريا وتركيا، مستفيدة من التغيرات السياسية في سوريا، بهدف تقليل الاعتماد على المسارات المرتبطة بالنفوذ الإيراني".
وأكد التقرير أن السياسة الأمريكية الجديدة تقوم على إدارة ملفات العراق وسوريا وتركيا بصورة متزامنة، مع التركيز على ممرات التجارة وخطوط الطاقة والتكامل الاقتصادي، بدلاً من الوجود العسكري المباشر.
وفيما يتعلق بالقضية الكردية، كشف التقرير أن "تركيا تقدم عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني باعتبارها مدخلاً لتحقيق الاستقرار الإقليمي، مع إبراز الشراكة التاريخية بين الأتراك والكرد، بما يسمح بتحويل المجتمعات الكردية في المنطقة إلى عنصر نفوذ إقليمي بدلاً من اعتبارها تحدياً أمنياً".
وأشار التقرير إلى أن المقاربتين الأمريكية والتركية ليستا متطابقتين، إلا أنهما متوافقتان في العديد من الأهداف، لافتاً إلى أن القوى الكردية باتت تمثل عقداً رئيسية داخل النظام الإقليمي الجديد، مع توزيع واضح للأدوار بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
ووجه بأن "مناطق نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني تضم معظم حقول النفط، إضافة إلى معبر إبراهيم الخليل وخط الأنابيب الواصل إلى ميناء جيهان التركي، بينما تتركز حقول الغاز، التي باتت تحظى بأهمية متزايدة، في مناطق نفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني".
وأورد أن "توسعة إنتاج حقل خور مور، وربطه بمحطة السليمانية لتوليد الكهرباء، إلى جانب زيادة إنتاج حقل جمجمال، تمثل خطوات مهمة لتقليل اعتماد العراق على الغاز الإيراني، فضلاً عن إمكانية تصدير الغاز إلى تركيا بالتزامن مع انتهاء عقدها لاستيراد الغاز الإيراني".
كما رأى التقرير أن "الاتحاد الوطني الكردستاني اكتسب أهمية إضافية في ظل عملية السلام، نظراً لعلاقاته مع حزب العمال الكردستاني، والتي يمكن أن تسهم في إدارة العلاقة بين الحزب وقوات سوريا الديمقراطية وتركيا، دون أن يعني ذلك تراجع دور الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي لا يزال يمثل محوراً رئيسياً في قطاع النفط والربط الحدودي مع تركيا".
وذكر أن "القوى الكردية أصبحت تؤدي دور الوسيط الإقليمي بين العراق وسوريا وتركيا، وهو ما يفسر استضافة أربيل والسليمانية لاجتماعات تتعلق بمستقبل شمال شرق سوريا، من بينها لقاءات جمعت قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي مع توم باراك، إلى جانب اجتماعات مع مسعود بارزاني وبافل طالباني ورئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني".
وأفاد بأن "مراسم نزع سلاح حزب العمال الكردستاني أقيمت قرب السليمانية، في وقت تواصل فيه مجموعة عمل أمريكية – سورية – تركية جهودها لدفع قوات سوريا الديمقراطية نحو الاندماج في الجيش السوري، في إطار رؤية تؤكد ضرورة وجود دولة سورية موحدة".
وشدد على أن "استمرار الجمود السياسي داخل حكومة إقليم كردستان لم يؤثر بصورة كبيرة على تنفيذ مشاريع النفط والغاز، إذ استمرت عمليات الإنتاج والنقل وفق الأدوار المرسومة لكل من الحزبين الرئيسيين".
ولفت إلى أن "تراجع النفوذ الإيراني يثير تساؤلات بشأن الجهة التي ستملأ الفراغ في المنطقة، في ظل تنامي الدور التركي، وهو ما يثير تحفظات إسرائيل، خاصة بعد حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رفع القيود المفروضة على بيع مقاتلات (F-35) إلى تركيا، وهو ما اعتبره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تهديداً لتوازن القوى الإقليمي".
واختتم التقرير بالتأكيد على أن "النظام الإقليمي الجديد يقوم على شبكات الطرق، وخطوط الأنابيب، وممرات التجارة والطاقة، والموانئ، وأن القوى الكردية أصبحت جزءاً أساسياً من هذه المنظومة، ليس بوصفها صانعة لها، وإنما كعنصر رئيسي يربط العراق وسوريا وتركيا ضمن الهيكل الإقليمي الجديد":
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام