في وقت تتسارع فيه وتيرة الحياة وتزداد فيه المسؤوليات اليومية، قد يبدو تخصيص يوم كامل بعيداً عن المنبهات الصباحية، والجداول المزدحمة، والمهام المطلوب إنجازها، نوعاً من الرفاهية التي يتمناها كثيرون. إلا أن دراسات نفسية تشير إلى أن قضاء يوم دون القيام بأي نشاط ليس بالأمر السهل بالنسبة لمعظم الناس، بل قد يكون تحدياً حقيقياً للعقل.
وتوضح الأبحاث أن عدداً محدوداً فقط من الأشخاص يستطيعون الاستمتاع بيوم خالٍ تماماً من الالتزامات مع شعور بالراحة النفسية، دون أن يراودهم الإحساس بالذنب أو التقصير، أو الحاجة إلى البحث عن مهمة جديدة تشغل وقتهم. ويشير الباحثون إلى أن هذا الأمر لا يرتبط بضعف الإرادة، وإنما بطريقة تفكير الإنسان وتعامل عقله مع أوقات الفراغ.
ويطلق المختصون على هذه الحالة اسم "الخوف من الخمول"، وهي ميل بعض الأشخاص إلى تجنب الفراغ بأي وسيلة ممكنة، حتى لو اضطروا إلى ابتكار أعمال جديدة لا تحمل أي ضرورة حقيقية، وذلك فقط لتجنب الجلوس دون انشغال.
وتبين الدراسات أن الأشخاص عندما لا يجدون سبباً يدفعهم للقيام بنشاط معين، فإنهم غالباً يفضلون عدم القيام بأي شيء. لكن بمجرد ظهور أي مبرر، حتى وإن كان بسيطاً أو غير ضروري، فإنهم يسارعون إلى الانشغال به، ثم يشعرون لاحقاً برضا أكبر مقارنة بمن أمضوا الوقت دون نشاط. ويعكس ذلك أن كثيرين لا يسمحون لأنفسهم بالراحة إلا إذا وجدوا سبباً يبررها.
ويظهر هذا السلوك بوضوح خلال الإجازات أو عطلات نهاية الأسبوع، حيث يشعر البعض فجأة برغبة في الرد على رسالة بريد إلكتروني كان بالإمكان تأجيلها، أو إنجاز مهمة مؤجلة منذ فترة طويلة، أو إعداد قائمة جديدة من الأعمال، لأن اختراع مهمة جديدة يبدو أحياناً أسهل من مواجهة وقت الفراغ.
وفي المقابل، هناك أشخاص يستطيعون قضاء ساعات طويلة دون هاتف أو كتاب أو خطة مسبقة، ويشعرون رغم ذلك بالهدوء والرضا. ويرجع الباحثون هذا الاختلاف إلى الطريقة التي يعمل بها الدماغ عندما يتوقف الإنسان عن الانشغال.
فعند التوقف عن أداء المهام، لا يتوقف الدماغ عن النشاط، بل ينتقل إلى حالة تعرف باسم "شبكة الوضع الافتراضي"، وهي منظومة دماغية تنشط عندما يتراجع التركيز على العالم الخارجي، لتبدأ عمليات شرود الذهن، واسترجاع الذكريات، والتخطيط للمستقبل، وإعادة تقييم المواقف والحوارات السابقة.
ورغم أن هذه الشبكة تؤدي وظائف إيجابية مثل أحلام اليقظة، والإبداع، والمساعدة في حل المشكلات، فإنها قد تتحول أيضاً إلى مصدر للتفكير المتكرر والقلق، فتدفع الشخص إلى استحضار الذكريات المؤلمة، أو التفكير في القرارات المؤجلة، أو التساؤل المستمر حول مدى كفاية ما أنجزه.
ويظهر هذا الأمر بوضوح لدى كثير من الأشخاص عند الخلود إلى النوم، حيث يبدأ العقل باستحضار جميع المهام غير المنجزة والمواقف التي لم تُحسم بعد، ليصبح الهدوء فرصة لزيادة نشاط الأفكار بدلاً من الشعور بالراحة.
ويشير الباحثون إلى أن الأشخاص الذين يستمتعون بالفراغ لا يملكون بالضرورة عقلاً أكثر هدوءاً، فشبكة التفكير التلقائي تعمل لديهم بالطريقة نفسها، إلا أن الفرق يكمن في نظرتهم إلى الراحة.
فبالنسبة لكثيرين، يمثل اليوم الخالي من الإنجاز اختباراً شخصياً، لأنهم يربطون قيمتهم الذاتية بما يحققونه من أعمال، ولذلك يشعرون بالتقصير عندما لا يكونون منتجين. أما الأشخاص الذين يستمتعون بالراحة، فلا ينظرون إليها بهذه الطريقة، بل يعتبرونها جزءاً طبيعياً من الحياة، ويمكنهم القول ببساطة إنهم لم يفعلوا شيئاً خلال عطلتهم وكانت تجربة ممتعة، دون الحاجة إلى تبرير ذلك.
ويضرب التقرير مثالاً بشخصين يفكران في اجتماع صعب ينتظرهما في اليوم التالي؛ فالأول ينشغل بتحليل جميع السيناريوهات المحتملة والاستعداد لكل الاحتمالات، ليظل عالقاً في دوامة التفكير لساعات، بينما يلاحظ الثاني الفكرة نفسها، لكنه يقرر تأجيل التعامل معها، ويتركها تمر دون أن يمنحها مساحة أكبر من اللازم.
ويخلص الباحثون إلى أن القدرة على الاستمتاع بالفراغ لا تعني غياب القلق أو توقف الأفكار، وإنما تعني تعلم عدم الاستجابة لكل فكرة تخطر في الذهن، وعدم اعتبار كل هاجس أو ذكرى أمراً يستوجب التحليل أو التنفيذ، فربما يكون الإنجاز الحقيقي للعقل القلق هو القدرة على التعايش مع ضجيج الأفكار دون السماح لها بالسيطرة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام