رأت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أن الحملة الواسعة لمكافحة الفساد التي يشهدها العراق تمثل أول اختبار حقيقي لرئيس الوزراء علي فالح الزيدي، معتبرة أن نتائجها لن تحدد مستقبل حكومته فحسب، بل قد تعيد رسم توازنات النظام السياسي الذي تشكل بعد عام 2003.

وذكرت المجلة، في تحليل موسع اطلعت عليه شبكة "الساعة"، أن "الحكومة العراقية تخوض معركة غير مسبوقة ضد شبكات الفساد، وسط ترقب لما إذا كانت الاعتقالات الواسعة ستتحول إلى إصلاح مؤسسي شامل، أم ستلتحق بمحاولات سابقة انتهت من دون إحداث تغيير جذري في بنية الدولة".

وأشارت إلى أن "الزيدي يحاول، منذ وصوله إلى السلطة، ترسيخ صورته كقائد يتبنى مشروع استعادة هيبة الدولة والأموال العامة، مستفيدًا من حالة السخط الشعبي على الفساد، ومن الضغوط الداخلية والدولية الداعية إلى إصلاح المؤسسات وتعزيز سيادة القانون".

ولفتت إلى أن "السلطات العراقية بثّت، منذ أواخر حزيران/يونيو، مشاهد لعمليات دهم نفذتها أجهزة أمنية استهدفت منازل مسؤولين ونواب ورجال أعمال، عُثر خلالها على ملايين الدولارات وكميات من الذهب والأسلحة، كان بعضها مخبأً داخل الجدران أو تحت الأرض".

وأضافت أن "مجلس القضاء الأعلى أعلن، في 23 حزيران/يونيو، ضبط أكثر من 106 ملايين دولار من الأموال المختلسة، أعقبتها عمليات ضبط أخرى لمبالغ إضافية، فيما لم تكشف السلطات حتى الآن عن القيمة الإجمالية للأموال المصادرة".

واستعرض التقرير محاولات الحكومات السابقة لمكافحة الفساد، مشيرًا إلى أن "رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي كشف عام 2014 عن وجود نحو 50 ألف جندي فضائي داخل المؤسسة العسكرية، بينما أطلق مصطفى الكاظمي حملة استهدفت مسؤولين كبارًا، قبل أن يفتح محمد شياع السوداني ملف ما عُرف بـ(سرقة القرن)، من دون أن تنجح تلك الحكومات في إحداث تحول جذري في بنية الفساد".

وأشار التقرير إلى أن "غالبية المستهدفين يرتبطون سياسيًا بحلفاء رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني أو بقيادات في تحالف عزم، وهو ما أثار تساؤلات بشأن ما إذا كانت الحملة تستهدف اجتثاث الفساد بصورة شاملة، أم أنها تعيد ترتيب موازين القوى داخل النظام السياسي".

واعتبر أن "الزيدي، الذي لم يسبق له تولي مناصب حكومية، وجاء إلى السلطة مرشحًا توافقيًا، يسعى إلى بناء قاعدة سياسية وشعبية عبر تبني ملف مكافحة الفساد"، مؤكدًا أن "الحملة ما تزال تحظى بدعم شعبي، رغم تشكيك بعض العراقيين في أنها طالت، حتى الآن، شخصيات من الصفين الثاني والثالث أكثر من كبار صناع القرار".

ورجّح التقرير: "مسارات للحملة خلال المرحلة المقبلة؛ إذ يتمثل الأول في توسيع التحقيقات لتشمل جميع المتورطين واسترداد الأموال المنهوبة، وهو سيناريو قد يمنح الزيدي زخمًا شعبيًا كبيرًا، لكنه قد يهدد استقرار حكومته إذا طال شخصيات نافذة".

وتابع أن "السيناريو الثاني يتمثل في تكرار التجارب السابقة، بحيث تنتهي التحقيقات بإدانة عدد محدود من المتهمين مع إسقاط التهم عن آخرين، بما يضعف ثقة الشارع بجدية الإصلاح".

ورأت المجلة أن "السيناريو الثالث هو الأكثر ترجيحًا، ويقوم على توسيع التحقيقات بصورة تدريجية، مع تجنب الصدام المباشر مع جميع مراكز النفوذ، بما يسمح للحكومة بالحفاظ على توازناتها السياسية، مع الاستمرار في ملاحقة من صدرت بحقهم أوامر قضائية. وسيعتمد هذا المسار بدرجة كبيرة على دعم السلطة القضائية والأجهزة الأمنية، وقدرة الحكومة على مقاومة الضغوط السياسية".

ورغم تحسن ترتيب العراق على مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، بحصوله على 28 نقطة من أصل 100، وهو أفضل تصنيف له منذ أكثر من عقد، فإن المجلة رأت أن هذا التحسن لا يغيّر حقيقة أن الفساد ما يزال أحد أبرز التحديات التي تواجه الدولة.