رأى تقرير تحليلي نشرته مؤسسة "دايركت للسياسات"، وهي مؤسسة بحثية مستقلة مقرها الولايات المتحدة الأمريكية، أن القضاء العراقي شهد منذ عام 2017 تحولاً وصفه بـ"الجوهري" على مستوى الاستقلال المؤسسي، معتبراً أنه أصبح اليوم المؤسسة الأكثر قدرة على الإسهام في إنقاذ الدولة العراقية في ظل تعثر أداء مؤسسات أخرى.

وأوضح التقرير، الذي اطلعت عليه شبكة "الساعة"، أن "رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان قاد ما وصفه بثورة إصلاح صامتة داخل المؤسسة القضائية، نجحت في حماية القضاء من التدخلات السياسية والحزبية والدينية، وإعادة هيبته بوصفه سلطة مستقلة تستند إلى القانون".

وأشار إلى أن "القضاء العراقي ظل، على مدى عقود، خاضعاً لتأثيرات السلطة التنفيذية والقوى السياسية، رغم أن دستور عام 2005 نص صراحة على استقلال السلطة القضائية ومنع أي تدخل في شؤونها، إلا أن التطبيق العملي لهذا المبدأ، بحسب التقرير، لم يتحقق إلا خلال السنوات الأخيرة".

وبيّن التقرير أن "الاتهامات التي كانت تُوجَّه سابقاً إلى القضاء تمحورت حول تعرضه لاختراق الأحزاب واستخدامه لخدمة أجندات سياسية، إلا أن طبيعة الانتقادات تغيرت في الوقت الحالي، لتتركز على حجم النفوذ الذي اكتسبته المؤسسة القضائية، وهو ما اعتبره مؤشراً على نجاحها في ترسيخ استقلالها".

وأضاف أن "فائق زيدان، منذ توليه رئاسة مجلس القضاء الأعلى عام 2017، انتهج سياسة إصلاح تدريجية بعيداً عن الصدام، ركزت على إعادة تنظيم المؤسسة القضائية، وتعزيز كفاءة القضاة، وتطوير آليات العمل، وتحصين القضاء من الضغوط الخارجية، مع الحفاظ على تقاليد المؤسسة وهيبتها".

ولفت التقرير إلى أن "هذه الإصلاحات واجهت تحديات داخلية وخارجية، فضلاً عن انتقادات سياسية وإعلامية، إلا أن المؤسسة القضائية واصلت، بحسب التقرير، مسارها الإصلاحي بعيداً عن الاستقطابات، واستطاعت ترسيخ صورة مؤسسة تعمل وفق القانون لا وفق موازين القوى".

وأكد أن "القضاء العراقي تميز عن بقية مؤسسات الدولة بعدم اعتماده نظام المحاصصة الطائفية أو العرقية، وهو ما ساعده على استعادة الثقة تدريجياً، وإبعاد الخلافات السياسية عن بنيته المؤسسية"، معتبراً أن "المؤسسة القضائية تمتلك قدرة ذاتية على تصحيح الأخطاء، إلا أن تحقيق العدالة الكاملة يبقى مرتبطاً بضمان استقلال القضاء وحمايته من أي تدخلات مستقبلية".

وفي تقييمه لمسار السنوات الماضية، خلص التقرير إلى أن "القضاء العراقي نجح في انتزاع قراره من نفوذ الأحزاب ومراكز القوى"، واصفاً ذلك بأنه "تطور غير مسبوق في التجربة العراقية ويستحق الدراسة مقارنة بتجارب إقليمية ودولية".

وأشار إلى أن "الدولة العراقية، بعد عام 2003، شهدت تغولاً واضحاً للسلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية عبر أدواتها المالية والإدارية والأمنية، إلا أن المؤسسة القضائية تمكنت، من كسر هذا المسار، مع الحاجة إلى مزيد من الإصلاحات التشريعية لترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات".

وختم التقرير بالقول إن "تعثر المؤسستين التشريعية والتنفيذية جعل الأنظار تتجه نحو القضاء باعتباره المؤسسة الأكثر استقراراً وقدرة على إنتاج الحلول"، لافتاً إلى أن "نجاحه في الإسهام بإنقاذ الدولة العراقية يبقى مرهوناً بالحفاظ على استقلاله، وتحويل الزخم الشعبي الداعم له إلى قوة مؤسسية تسهم في إصلاح بقية مؤسسات الدولة، وإقرار التشريعات المؤجلة، واتخاذ قرارات إصلاحية ضرورية للحفاظ على الدولة العراقية واستمرارها".