بسرعة قياسية، تجاوزت "حملة الفجر" التي أطلقتها السلطات في بغداد سقفها المعلن، بوصفها مجرد حملة لملاحقة نواب ومسؤولين متورطين في ملفات الفساد.
ومنذ انطلاق العملية، برز سؤال يتردد في الأوساط السياسية: هل نحن أمام ضربة موضعية، أم تمهيد لمعركة كبرى ومؤجلة لكسر هيبة "السلاح المنفلت"؟ وذلك بحسب صحيفة "المدى".
وذكرت الصحيفة، في تقرير اطلعت عليه شبكة "الساعة"، نقلاً عن مصادرها، أن "تحديد مهلة قصيرة، بدلاً من تمديدها إلى نهاية العام، يحمل أكثر من رسالة في آن واحد؛ فهي موجهة إلى الرأي العام العراقي، وإلى القوى السياسية والفصائل المسلحة، كما أنها رسالة إلى إيران والدول التي ما زالت توفر غطاءً أو دعماً لحملة السلاح خارج مؤسسات الدولة".
وأضافت أن "الحكومة أرادت، من خلال هذا الإعلان، تثبيت التزامها أمام الولايات المتحدة، وخلق مناخ يمنح إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤشرات على أن دعمها للحكومة العراقية قد يفضي إلى نتائج ملموسة"، مضيفةً أن "بغداد تشتري الوقت والدعم الأمريكي حتى حلول أيلول، حيث تبدأ مرحلة الاختبار الحقيقي".
وأشارت إلى أن "معظم الفصائل المسلحة ترتبط، بصورة أو بأخرى، بأحزاب سياسية وبالحرس الثوري الإيراني، الأمر الذي يجعل مهلة أيلول مفترق طرق".
وتابعت: "إذا امتنعت تلك الفصائل عن تسليم أسلحتها، فإن الحكومة، برأيها، لن تكون مضطرة إلى البدء بالمواجهة العسكرية، بل ستلجأ إلى السلاح الأكثر تأثيراً، وهو ملفات الفساد".
وأردفت أن "غالبية هذه الجماعات متورطة، بحسب تقديرها، في ملفات فساد مالي وإداري وقانوني، وإن رفضها الانصياع لقرارات الدولة سيمنح رئيس الوزراء فرصة لتحريك تلك الملفات، لتتحول المواجهة من نزاع سياسي إلى معركة قانونية وقضائية تضع قادة الفصائل أمام فضيحة وطنية وسياسية" يصعب احتواؤها".
وأكدت أن "أي تمرد من الفصائل التي تعلن ولاءها للمرشد الإيراني على قرار الحكومة العراقية سيُفسَّر باعتباره مواجهة مباشرة مع الإرادة الأمريكية في العراق، الأمر الذي قد يدفع الولايات المتحدة، ومعها قوى إقليمية ودولية، إلى تقديم دعم أوسع لبغداد".
ويرى التقرير أن "مجرد إدراج هذا الاسم ضمن قوائم المطلوبين يحمل رسالة مباشرة إلى قادة الفصائل بأن ملفات الفساد لن تتوقف عند السياسيين أو الموظفين، بل قد تصل إلى قيادات الجماعات المسلحة نفسها".
ويعتبر أن "هروب المطلوب يكشف، في المقابل، عن وجود تسريب سبق تنفيذ الحملة، لكنه لا يقلل من أهمية الرسالة التي أرادت الحكومة إيصالها، ومفادها أن استخدام ملفات الفساد قد يكون المدخل لمواجهة الفصائل المسلحة بعيداً عن الصدام العسكري المباشر".
وبيّن أن "مكافحة الفساد تمثل، في هذه المرحلة، السلاح الأكثر فاعلية لتفكيك القوى التي عطلت بناء الدولة العراقية"، مشيراً إلى أن "نجاح هذا المسار قد يفتح الباب أمام إعادة بناء النظام السياسي"، محذراً من "قدرة القوى الإسلامية المسلحة على المناورة والالتفاف على القانون، مستفيدةً من خبرتها الطويلة في إدارة الصراع السياسي".
وشدد على أن "أي رفض من الفصائل لتسليم السلاح سيمنح مبرراً لاستمرار الوجود العسكري الدولي، وربما لتدخلات خارجية أوسع"، لافتاً إلى أن "نجاح الحكومة في إنهاء ظاهرة السلاح المنفلت سيجنب العراق هذا السيناريو، أما الإصرار على تحدي الدولة فسيضع الفصائل في مواجهة ضغوط عراقية وإقليمية ودولية متصاعدة".
وأوضح أن "ملف حصر السلاح دخل مرحلة مختلفة مع اقتراب تنفيذ اتفاقات إعادة انتشار قوات التحالف الدولي، وانتهاء وجودها في عدد من القواعد العسكرية، وهو ما يعني، برأيها، سقوط المبرر الذي استندت إليه الفصائل لسنوات تحت عنوان "مقاومة الاحتلال الأمريكي".
ولفت التقرير إلى أن "خروج قوات التحالف من قواعد مثل عين الأسد والحرير يضع الفصائل أمام استحقاق سياسي وأمني جديد، عنوانه الانتقال من منطق المقاومة إلى منطق الدولة"، معتبراً أن "استمرار وجود السلاح خارج المؤسسات الرسمية بعد ذلك التاريخ سيكون فاقداً لأي غطاء سياسي أو قانوني".
وأضاف أن "واشنطن تنظر إلى هذا الملف بوصفه الاختبار الأكثر حساسية للحكومة العراقية، إذ تربط توسيع التعاون مع بغداد بقدرتها على إنهاء ازدواجية السلاح، وتقليص نفوذ الفصائل المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس، وإبعاد الشخصيات المرتبطة بالتنظيمات المسلحة عن مواقع القرار داخل الدولة".
وزاد أن "التحولات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والعسكرية التي تواجهها طهران، قد تدفع القيادة الإيرانية إلى إعادة النظر في طبيعة علاقتها بالفصائل العراقية، والتخلي تدريجياً عن نموذج القيادة والسيطرة الذي أداره فيلق القدس لسنوات".
وأفاد بأن "تراجع قدرة إيران على توفير الدعم العسكري والمالي واللوجستي لتلك الجماعات سيؤدي، بصورة تلقائية، إلى إضعاف نفوذها داخل العراق، ويفتح الباب أمام انتقال العلاقة بين بغداد وطهران إلى الأطر الدبلوماسية التقليدية، بعيداً عن إدارة النفوذ عبر الفصائل المسلحة".
ويرى أن "نجاح الحكومة في الجمع بين مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة سيمثل نقطة تحول في مسار إعادة بناء الدولة العراقية، لأنه ينهي عملياً ظاهرة الدولة داخل الدولة، ويعيد احتكار قرار السلم والحرب إلى المؤسسات الدستورية".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام