هيمنت مشاهد اقتحام المنطقة الخضراء وسط بغداد واعتقال عدد من المسؤولين الحكوميين والبرلمانيين بتهم تتعلق بالفساد وهدر المال العام على المشهد العام في العراق، وبات الطاغي في البلاد هو الحديث عن محاربة الفساد وملاحقة الفاسدين والمعركة التي بدأها رئيس الوزراء علي الزيدي بدعم من القضاء العراقي.

ويشكل ملف محاربة الفساد أولوية لدى الشارع العراقي، لا سيما وأن الفساد حرم الشعب العراقي من الاستفادة من مبالغ الموازنات الانفجارية طيلة السنوات السابقة، وتسبب بخلق طبقة من الأغنياء الذين يمتازون بالثراء الفاحش وهم من الطبقة السياسية والمسؤولين العراقيين والمقربين منهم.

وفجر يوم الأحد اعتقلت قوات عراقية مشتركة بأمر من الزيدي عددا من المسؤولين بتهم الفساد، وبحسب وكالة الأنباء العراقية الرسمية فإن الاعتقالات نفذت على خلفية اعترافات سابقة أدلى بها وكيل وزير النفط عدنان الجميلي المعتقل قيد التحقيق على خلفية قضايا تتعلق بالفساد.

وكشفت الوكالة الرسمية عن أسماء المتهمين بملفات الفساد الذين أُلقي القبض عليهم من أعضاء مجلس نواب والمسؤولين ، وهم كل من رئيس تحالف عزم عضو مجلس النواب مثنى السامرائي وعضو مجلس النواب زياد الجنابي، وعضو مجلس النواب بهاء النوري وعضو مجلس النواب محمد الكربولي وعضو مجلس النواب عالية نصيف وعضو مجلس النواب ومحافظ واسط السابق محمد جميل المياحي وعضو مجلس النواب حسن الخفاجي وعضو مجلس النواب عبد الرحمن اللويزي وعضو مجلس النواب مضر الكروي وعضو مجلس النواب هند العباسي وعضو مجلس النواب محمد فرمان الشاهر، وعضو مجلس النواب بشرى القيسي وعضو مجلس النواب السابق محمد الصيهود ووكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع علي معارج.

وبحسب مصادر عراقية فإن الحملة شملت مسؤولين ونوابا آخرين لكن لم يتم القبض عليهم وأبرزهم النائب حسين مؤنس عن حركة حقوق التابعة لكتائب حزب الله العراقي.

اللافت في حملة الزيدي الأخيرة، أنها الأوسع في العراق منذ عقدين في ملف محاربة الفساد وأنها طالت شخصيات كبيرة في المشهد السياسي من جهة، وأنها شملت من جهة أخرى مسؤولين من أحزاب وكتل مختلفة متجاوزة البعد الطائفي في هذه الحملة.

وعقب الحملة، نقل الإعلام الحكومي تصريحات عن رئيس الوزراء أكد فيها أنه لن يتوانى عن ملاحقة الفاسدين والمتورطين في التجاوز على أموال الدولة.

ويأتي التحرك الحكومي في ملف محاربة الفساد في ظل وضع اقتصادي ومالي خطير يمر به العراق، على خلفية توقف صادراته النفطية لعدة أشهر جراء غلق مضيق هرمز بسبب الحرب الأمريكية – الإيرانية، وبالتالي قد تكون عملية الاعتقالات الأخيرة حركة اضطرارية لجأت لها الحكومة بسبب الضغط المالي وضغط توقف صادرات النفط، فضلا عن الضغوطات الأمريكية على العراق في هذا المجال.

ولكن ما يثير الشكوك والشبهات بحملة الزيدي ضد الفاسدين هي أنها لم تشمل أي من كبار المتهمين بالفساد والذين يعرفون داخليا بـ "حيتان الفساد"، وشملت أدوات الفساد دون المنظومة التي ترعى الفساد أو تحميه أو تستفيد منه، أما الأمر الثاني المثير للشكوك في حملة الزيدي هي أنها لاقت مباركة من أبرز المتهمين بالفساد وهدر المال العام وهو رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، كما أنها حظيت بمباركة قيادات في الإطار التنسيقي الذين استخدموا السلاح في عمليات الفساد وسرقة الأموال وتهريب جزء كبير منها لإيران.

وتفاعل الشارع العراقي مع عملية إلقاء القبض على المتهمين بسرقة المال العام والفساد، وأكد مدونون أن الحملة يجب أن تعقبها محاكمات علنية أمام الشعب ليكون الفاسدين عبرة لغيرهم، كما كتب الإعلامي علي الخالدي. 

وعلى الرغم من التأييد الواسع للحملة، إلا أن البعض يراها غير كافية، فالعراق لا يحتاج إلى ليلة واحدة لملاحقة الفاسدين والقبض عليهم، ولكنه يحتاج إلى ألف ليلة لاعتقالهم، وهو ما كتبه الإعلامي العراقي عدنان الطائي.

عراقيون آخرون يرون أن الحملة هذه لن تطال سوى صغار الفاسدين، ولم تصل إلى كبار المتورطين بالفساد، فالصحفي المختص بكشف ملفات الفساد زياد السنجري كتب على منصة "إكس" أن الحملة لم تشمل سوى الأسماك الصغيرة بعيدا عن الحيتان الكبيرة، وأكد أن مكافحة الفساد لا تقاس بعدد الموظفين الذين يقدمون للمحاكم، وإنما بقدرة الدولة على الوصول إلى من صنع منظومة الفساد وحماها واستفاد منها.

في حين كتب الإعلامي العراقي عثمان المختار أن حملات ملاحقة الفاسدين في البلاد ستكون بلا معنى وبلا أهمية إذا لم تشمل أصحاب السلاح وقادة الميليشيات الذين استخدموا السلاح في القتل الطائفي والسرقة والفساد.

من جانب آخر يرى الخبير في الشؤون الاقتصادية زياد الهاشمي أن حملة ملاحقة الفاسدين في العراق لم تكن لتنفذ لولا توقف الصادرات النفطية الذي وضع الحكومة العراقية في وضع اقتصادي محرج، وأشار إلى أن الفساد في الحكومات السابقة كان مسكوتا عنه لاعتبارات سياسية ومصلحية وكانت السرقات مستمرة ومتوسعة مع استمرار تصدير النفط وتحقيق عوائد مالية مستمرة.

وشدد الهاشمي على أن حملة الزيدي الأخيرة رغم أهميتها ما تزال دون مستوى الطموح، مبينا أن التركيز على أدوات الفساد والسرقة لا يكفي، وإنما يجب أن يشمل رعاة الفساد لأنه الأنفع والأهم للحكومة، مؤكدا أن بقاء رعاة الفساد في مأمن من المساءلة والحساب والعقاب فإن ظاهرة الفساد ستبقى تستنزف الدولة.

في حين، يرى الباحث السياسي مجاهد الطائي أن ما حصل فجر اليوم وبات يعرف بأحداث ليلة الخضراء لم يخلوا من شبهات الاستغلال السياسي في تصفية وضرم الخصوم، ورجح الطائي أن يكون المستهدف من حملة الزيدي هو رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، وأشار إلى أن هذا الاستهداف يأتي بمباركة من قوى الإطار التنسيقي على اعتبار أن السوداني قد ألحق بهم الضرر خلال الانتخابات الأخيرة وما قبلها.

وكأحد صور التفاعل العراقي مع حملة محاربة الفساد في البلاد، أعلنت نقابة المحامين العراقيين مقاطعة المعتقلين بقضايا الفساد وعدم قبول التوكل للدفاع عنهم.