هيمنت مشاهد اقتحام المنطقة الخضراء وسط بغداد واعتقال عدد من المسؤولين الحكوميين والبرلمانيين بتهم تتعلق بالفساد وهدر المال العام على المشهد العام في العراق، وبات الطاغي في البلاد هو الحديث عن محاربة الفساد وملاحقة الفاسدين والمعركة التي بدأها رئيس الوزراء علي الزيدي بدعم من القضاء العراقي.
ويشكل ملف محاربة الفساد أولوية لدى الشارع العراقي، لا سيما وأن الفساد حرم الشعب العراقي من الاستفادة من مبالغ الموازنات الانفجارية طيلة السنوات السابقة، وتسبب بخلق طبقة من الأغنياء الذين يمتازون بالثراء الفاحش وهم من الطبقة السياسية والمسؤولين العراقيين والمقربين منهم.
وفجر يوم الأحد اعتقلت قوات عراقية مشتركة بأمر من الزيدي عددا من المسؤولين بتهم الفساد، وبحسب وكالة الأنباء العراقية الرسمية فإن الاعتقالات نفذت على خلفية اعترافات سابقة أدلى بها وكيل وزير النفط عدنان الجميلي المعتقل قيد التحقيق على خلفية قضايا تتعلق بالفساد.
وكشفت الوكالة الرسمية عن أسماء المتهمين بملفات الفساد الذين أُلقي القبض عليهم من أعضاء مجلس نواب والمسؤولين ، وهم كل من رئيس تحالف عزم عضو مجلس النواب مثنى السامرائي وعضو مجلس النواب زياد الجنابي، وعضو مجلس النواب بهاء النوري وعضو مجلس النواب محمد الكربولي وعضو مجلس النواب عالية نصيف وعضو مجلس النواب ومحافظ واسط السابق محمد جميل المياحي وعضو مجلس النواب حسن الخفاجي وعضو مجلس النواب عبد الرحمن اللويزي وعضو مجلس النواب مضر الكروي وعضو مجلس النواب هند العباسي وعضو مجلس النواب محمد فرمان الشاهر، وعضو مجلس النواب بشرى القيسي وعضو مجلس النواب السابق محمد الصيهود ووكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع علي معارج.
(واع) تنفرد بنشر أسماء المتهمين بملفات الفساد الذين القي القبض عليهم من أعضاء مجلس نواب ومسؤولين بناء على اعترافات الجميلي pic.twitter.com/pOJ3l8sEtl
— شبكة الإعلام العراقي (@iraqmedianet) June 28, 2026
وبحسب مصادر عراقية فإن الحملة شملت مسؤولين ونوابا آخرين لكن لم يتم القبض عليهم وأبرزهم النائب حسين مؤنس عن حركة حقوق التابعة لكتائب حزب الله العراقي.
اللافت في حملة الزيدي الأخيرة، أنها الأوسع في العراق منذ عقدين في ملف محاربة الفساد وأنها طالت شخصيات كبيرة في المشهد السياسي من جهة، وأنها شملت من جهة أخرى مسؤولين من أحزاب وكتل مختلفة متجاوزة البعد الطائفي في هذه الحملة.
وعقب الحملة، نقل الإعلام الحكومي تصريحات عن رئيس الوزراء أكد فيها أنه لن يتوانى عن ملاحقة الفاسدين والمتورطين في التجاوز على أموال الدولة.
ويأتي التحرك الحكومي في ملف محاربة الفساد في ظل وضع اقتصادي ومالي خطير يمر به العراق، على خلفية توقف صادراته النفطية لعدة أشهر جراء غلق مضيق هرمز بسبب الحرب الأمريكية – الإيرانية، وبالتالي قد تكون عملية الاعتقالات الأخيرة حركة اضطرارية لجأت لها الحكومة بسبب الضغط المالي وضغط توقف صادرات النفط، فضلا عن الضغوطات الأمريكية على العراق في هذا المجال.
ولكن ما يثير الشكوك والشبهات بحملة الزيدي ضد الفاسدين هي أنها لم تشمل أي من كبار المتهمين بالفساد والذين يعرفون داخليا بـ "حيتان الفساد"، وشملت أدوات الفساد دون المنظومة التي ترعى الفساد أو تحميه أو تستفيد منه، أما الأمر الثاني المثير للشكوك في حملة الزيدي هي أنها لاقت مباركة من أبرز المتهمين بالفساد وهدر المال العام وهو رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، كما أنها حظيت بمباركة قيادات في الإطار التنسيقي الذين استخدموا السلاح في عمليات الفساد وسرقة الأموال وتهريب جزء كبير منها لإيران.
وتفاعل الشارع العراقي مع عملية إلقاء القبض على المتهمين بسرقة المال العام والفساد، وأكد مدونون أن الحملة يجب أن تعقبها محاكمات علنية أمام الشعب ليكون الفاسدين عبرة لغيرهم، كما كتب الإعلامي علي الخالدي.
نطالب بأن تكون أي محاكمة للفاسدين علنية وموثقة أمام الشعب
— علي الخالدي - Ali al-Khalidi (@alialkhalede) June 28, 2026
لتكون عبرة ودرس لكل من تسول له نفسه سرقة أموال الشعب
فهذا أقل ما يمكن أن يخفف غليل المظلومين
وعلى الرغم من التأييد الواسع للحملة، إلا أن البعض يراها غير كافية، فالعراق لا يحتاج إلى ليلة واحدة لملاحقة الفاسدين والقبض عليهم، ولكنه يحتاج إلى ألف ليلة لاعتقالهم، وهو ما كتبه الإعلامي العراقي عدنان الطائي.
ليلة واحدة لا تكفي
— عدنان الطائي (@adnanaltia) June 28, 2026
بغداد بحاجة الى الف ليلة وليلة
عراقيون آخرون يرون أن الحملة هذه لن تطال سوى صغار الفاسدين، ولم تصل إلى كبار المتورطين بالفساد، فالصحفي المختص بكشف ملفات الفساد زياد السنجري كتب على منصة "إكس" أن الحملة لم تشمل سوى الأسماك الصغيرة بعيدا عن الحيتان الكبيرة، وأكد أن مكافحة الفساد لا تقاس بعدد الموظفين الذين يقدمون للمحاكم، وإنما بقدرة الدولة على الوصول إلى من صنع منظومة الفساد وحماها واستفاد منها.
النظام الحالي في العراق لم يُبنَ على أسس إصلاح حقيقي، بل على قاعدة فاسدة جعلت الفساد جزءًا من بنيته. وما نشاهده اليوم ليس حربًا شاملة على الفساد، بل في كثير من الأحيان مجرد التضحية بأسماك صغيرة جرى تسمينها ورعايتها حتى يحين موعد تقديمها قرابين لحماية حيتان الفساد الكبيرة، فيما… pic.twitter.com/V9rnJaj97y
— زياد السنجري (@zeyad_alsenjary) June 28, 2026
في حين كتب الإعلامي العراقي عثمان المختار أن حملات ملاحقة الفاسدين في البلاد ستكون بلا معنى وبلا أهمية إذا لم تشمل أصحاب السلاح وقادة الميليشيات الذين استخدموا السلاح في القتل الطائفي والسرقة والفساد.
أي حملة ضد الفساد في العراق لا تشمل شبل الزيدي، وريان الكلداني، وأبو آلاء الولائي، بلا معنى
— عثمان المختار (@othmanmhmmadr) June 28, 2026
من جانب آخر يرى الخبير في الشؤون الاقتصادية زياد الهاشمي أن حملة ملاحقة الفاسدين في العراق لم تكن لتنفذ لولا توقف الصادرات النفطية الذي وضع الحكومة العراقية في وضع اقتصادي محرج، وأشار إلى أن الفساد في الحكومات السابقة كان مسكوتا عنه لاعتبارات سياسية ومصلحية وكانت السرقات مستمرة ومتوسعة مع استمرار تصدير النفط وتحقيق عوائد مالية مستمرة.
وشدد الهاشمي على أن حملة الزيدي الأخيرة رغم أهميتها ما تزال دون مستوى الطموح، مبينا أن التركيز على أدوات الفساد والسرقة لا يكفي، وإنما يجب أن يشمل رعاة الفساد لأنه الأنفع والأهم للحكومة، مؤكدا أن بقاء رعاة الفساد في مأمن من المساءلة والحساب والعقاب فإن ظاهرة الفساد ستبقى تستنزف الدولة.
🔴 لولا إغلاق المضيق، وتعطل بيع النفط، وتدهور الإيرادات المالية للحكومة العراقية، ربما ما كنا لنرى مثل هذه الحملة لمطاردة سراق المال العام في العراق!
— زياد الهاشمي (@ziadalhashimi) June 28, 2026
🔴 طوال فترة الحكومات العراقية السابقة، كان الفساد مسكوتاً عنه لاعتبارات سياسية ومصلحية، وكانت السرقات مستمرة، بل تتوسع، مع…
في حين، يرى الباحث السياسي مجاهد الطائي أن ما حصل فجر اليوم وبات يعرف بأحداث ليلة الخضراء لم يخلوا من شبهات الاستغلال السياسي في تصفية وضرم الخصوم، ورجح الطائي أن يكون المستهدف من حملة الزيدي هو رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، وأشار إلى أن هذا الاستهداف يأتي بمباركة من قوى الإطار التنسيقي على اعتبار أن السوداني قد ألحق بهم الضرر خلال الانتخابات الأخيرة وما قبلها.
انتقام سياسي أم محاربة الفساد؟
— مجاهد الطائي (@mujahed_altaee) June 28, 2026
من خلال الإطلاع على اسماء المسؤولين الذين تم اعتقالهم في الحملة الموجهة ضد الفاسدين وما قبلها؛ يتضح أن هناك خيط يجمعهم جميعا وهو الارتباط بالسوداني…
السوداني خالف الإطار وشكل حزب وتحالفات سنية سلطوية اقتصادية، وتقاسم الامتيازات مع الفاسدين الصغار… pic.twitter.com/BMhWxzSVDH
وكأحد صور التفاعل العراقي مع حملة محاربة الفساد في البلاد، أعلنت نقابة المحامين العراقيين مقاطعة المعتقلين بقضايا الفساد وعدم قبول التوكل للدفاع عنهم.
أعلنت نقابة المحامين العراقيين رفضها الدفاع عن المتهمين بقضايا الفساد، مؤكدة أن موقفها يأتي انطلاقًا من مسؤوليتها الوطنية والأخلاقية، معربة عن دعمها الكامل للإجراءات القضائية والأمنية الرامية إلى ملاحقة الفاسدين واستعادة هيبة الدولة وترسيخ سيادة القانون.
— الساعة (@alssaanetwork) June 28, 2026
وأكدت النقابة، في بيان،… pic.twitter.com/hzQWXTSb84
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام