يبدو أن الإشكالية الأكبر التي تواجه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في المرحلة المقبلة تتمثل في نزع سلاح الفصائل الموالية لإيران، والتي تمكنت خلال العقد الماضي من بسط نفوذها على المشهد العراقي سياسيا واقتصاديا وعسكريا، مستغلة الدعم الإيراني وتراجع الدور الأمريكي في العراق من جهة، وظهور تنظيم "داعش" وسيطرته على بعض المدن العراقية.
وعلى الرغم من تعهد الزيدي في أكثر من مناسبة بأولوية نزع سلاح الفصائل وحصره بيد الدولة، إلا أن الآراء حول خطواته انقسمت بين من يرى جدية الدولة العراقية في هذا الأمر بسبب الضغط الأمريكي الذي أصبح على المحك، وبات يهدد استمرار الدولة والنظام السياسي القائم حاليا، وبين آخرين يشككون بقدرة الزيدي على النجاح في هذا الأمر، ولا سيما مع تمسك إيران بسلاح أتباعها في العراق وعدم السماح لهم بالتخلي عنه بسهولة، على اعتبار أن الساحة العراقية هي الساحة الخارجية الإيرانية للمناورة والضغط على الولايات المتحدة بعد انتهاء الدور الإيراني في سوريا وتراجعه في لبنان واليمن.
وفي أحدث التصريحات لرئيس الوزراء العراقي، أعلن الزيدي أن حكومته تستهدف إنهاء وجود السلاح خارج إطار الدولة بحلول الـ 30 من أيلول المقبل، وهو موعد يتزامن مع استكمال انسحاب آخر القوات الأمريكية من العراق، مؤكدا أن العراق لم يعد بحاجة إلى ما يسمى سلاح المقاومة بعد انسحاب القوات الأمريكية في أيلول المقبل.
ويرى مراقبون أن ملف حصر السلاح لم يعد قرارا عراقيا، بل أصبح قرارا أمريكيا، لضرب إيران، وفي المقابل تسعى إيران لعدم التنازل عن هذا السلاح بسهولة ودون مقابل.
ومطلع حزيران الجاري، أعلن الزيدي تشكيل لجنة لفك ارتباط فصيلين مسلحين من هيئة الحشد الشعبي ضمن خطة لحصر السلاح بيد الدولة، وذلك خلال لقائه وفدين من حركة عصائب أهل الحق، وكتائب الإمام علي، عقب إعلانهما فك الارتباط بالحشد الشعبي وتسليم السلاح للدولة العراقية.
فصائل ترفض وأخرى توافق
ومع توجه العديد من الفصائل لحصر سلاحها وقبولها بفكرة نزعه استجابة للضغوط الدولية التي تواجه العراق، إلا أن 6 فصائل عراقية بحسب بياناتها وتصريحاتها الإعلامية أعلنت تمسكها بسلاحها، وهذه الفصائل هي كتائب سيد الشهداء وحركة النجباء، وكتائب حزب الله، وسرايا أولياء الدم وأصحاب الكهف، فضلا عن ما تسمى كتائب كربلاء، وهي الفصائل التي كانت منخرطة في ما تطلق على نفسها "المقاومة الإسلامية في العراق"، بحسب ما أفاد القيادي في حزب الله أبو مجاهد العساف.
وكان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر قد أعلن في أواخر أيار الماضي فك ارتباط سرايا السلام عن التيار الصدري، ودمجه ضمن مؤسسات الدولة.
ولغاية الآن، ما تزال ملامح وآلية حصر سلاح الفصائل بيد الدولة غير واضحة، فالسلطات العراقية لم توضح الجهات التي سيتم نزع سلاحها، وإذا ما كان الحشد الشعبي ضمن الجهات التي سيتم نزع سلاحها، أم أن حصر السلاح سيشمل الفصائل المنضوية في الحشد، كما من غير الواضح الجهة التي ستتسلم سلاح الفصائل، وما إذا كانت ستسلم لوزارة الدفاع أو الداخلية أم أنها ستبقى ضمن هيئة الحشد الشعبي، وهي ذات الجهة التي ترتبط بها الفصائل طيلة العقد الماضي.
نزع شكلي ورفض إيراني
في هذا السياق، رجح المحلل السياسي مصطفى العبيدي أن يكون نزع سلاح الفصائل العراقية ولا سيما الولائية منها نزعا شكليا لا فعليا، مستبعدا أن تتخلى عن سلاح فصائلها بالعراق بهذه السهولة.
وقال العبيدي في حديث لشبكة "الساعة": إن "إيران عملت طيلة العقدين الماضيين على إعداد وتهيئة الفصائل المسلحة الموالية لها، وخلقت لهم نفوذا عسكريا وسياسيا، وبالتالي لن تتخلى طهران عن السلاح العراقي التابع لها بشكل سريع، بل سيظل ورقة ضغط تناور بها إيران في أهم الساحات التي تبقت لإيران بعد تراجع نفوذها في المنطقة خلال العامين الماضيين".
وأضاف: أن "الفصائل العراقية التي أعلنت عن تسليم سلاحها لن تتخلى عنه كليا وإنما ستعمد إلى نوع من المراوغة مع الولايات المتحدة للإبقاء على سلاحها"، مبينا أن "العنوان الأبرز لاضطرار بعض الفصائل للإعلان عن قبولها حصر السلاح بيد الدولة يتمثل بالقبول الشكلي لتجنب الضغوط الأمريكية لأنها تدرك أنها ستدخل في مواجهة مع الولايات المتحدة في حال إصرارها على التمسك بسلاحها".
ونوه إلى أن "رئيس الوزراء الحالي غير قادر على نزع السلاح وإنهاء نفوذ الفصائل، لأنها تمتلك القدرة على الإطاحة به لما تملكه من نفوذ داخل مفاصل ومؤسسات الدولة كافة"، مشيرا إلى أن "ملف نزع السلاح يتوقف على جدية واشنطن في تفكيك الفصائل المسلحة وملاحقة قادتها وهو أمر مستبعد في المرحلة الحالية، وبعيد عن الأولويات الأمريكية في المنطقة والعراق تحديدا"، لافتا إلى أن "واشنطن اتخذت إجراءات لنزع السلاح وتقليص دور الفصائل لكن تلك الإجراءات غير كافية ولا تنسجم مع النفوذ الهائل للفصائل المسلحة في العراق".
وأكد العبيدي أن أي محاولات لنزع السلاح لن تنجح في العراق إذا لم تتضمن إنهاء الدور السياسي والعسكري للفصائل المسلحة، ووقف النفوذ المالي وملاحقة قادة الفصائل ومحاسبتهم وإبعادهم عن المشهد وإعادة هيكلة الحشد الشعبي من جديد بشكل يتضمن تسليم قياداته بشكل كامل لضباط الجيش العراقي ابتداء من أمراء الأفواج صعودا إلى المراتب العليا، ودمج المقاتلين عبر نقلهم بين الألوية لضمان إنهاء البعد العقائدي والتنظيمي الميليشياوي الذي يبسط نفوذه على الحشد الشعبي".
مراوغة لتجنب الضغوط الأمريكية
ويتفق إلى حد كبير مع ما سبق الباحث في الشأن السياسي غانم العابد، الذي أوضح أن الفصائل لن تتخلى عن سلاحها بشكل كلي رغم إعلان بعضها تسليم سلاحها للدولة، مشددا على أن لجوء الفصائل إلى الاتفاق مع الحكومة على نزع السلاح جاء خشية خسارة نفوذها السياسي الذي حققته طيلة الفترة الماضية.
وقال العابد في حديث لشبكة "الساعة": إن "الحكومة العراقية توصلت إلى اتفاق مع الفصائل وخاصة المنضوية في الحشد الشعبي على تسليم السلاح إلى الدولة، خاصة مع قرب انتهاء مهام التحالف الدولي في أيلول المقبل، وتحول العلاقة مع الولايات المتحدة إلى علاقة شراكة ثنائية".
وأضاف: أن "الفصائل اتفقت مع الحكومة على تسليم السلاح الثقيل مع الإبقاء على الصواريخ والمسيرات بناء على توجيهات مسبقة من إيران"، مبينا أن "هذه الفصائل وبناء على تلك التوجيهات ستبقى تراقب المشهد لا سيما بعد اتفاق وقف الحرب بين واشنطن وطهران"، مشيرا إلى أن "الفصائل ليست لها القدرة على الدخول بصراع ومواجهة مباشرة مع واشنطن لأنها تدرك أن أي مواجهة ستفقدها نفوذها المسلح وحتى نفوذها السياسي لهذا لجأت إلى التهدئة والتوافق مع ما طلبته الحكومة نتيجة الضغوطات الأمريكية".
ورجح العابد أن "تكون الفصائل العراقية تحتفظ بسلاحها بشكل سري ولا سيما الطائرات المسيرة والصواريخ، في انتظار تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، إذ إن الكثير من الفصائل ستعود إلى استخدام هذا السلاح بناء على طلب وتوجيه إيراني".
والشهر الماضي، تعهد الزيدي بحصر السلاح بيد الدولة، عادا ذلك ينسجم مع الدستور والقانون ويعزز سلطة الدولة، ويسهم في دعم الأمن والاستقرار وترسيخ مشروع الدولة القوية القادرة على تحقيق تطلعات مواطنيها، حسب تعبيره.
وتعهد رؤساء الحكومات السابقة ابتداء من حيدر العبادي مرورا بعادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني بتطبيق شعار حصر السلاح بيد الدولة، إلا أن تلك الوعود تلاشت عندما اصطدمت بإرادة الفصائل التي ترى نفسها أقوى من سلطة الدولة والقانون، ومن خلفها إيران الراعية لسلاح الفصائل الولائية.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام