مع تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي، بدأ في العراق فصل جديد لما يعرف بمكافحة الفساد المالي والإداري المستشري في مؤسسات الدولة.

ونهاية شهر أيار الماضي، وجه الزيدي بتشكيل المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام، برئاسته وعضوية كل من رئيس ديوان الرقابة المالية ورئيس هيئة النزاهة، ليبدأ بعدها الإعلان عن الإطاحة ببعض المتهمين بسرقة المال العام وكان أبرزهم وكيل وزير النفط لشؤون التصفية (مدير عام شركة مصافي الشمال ومصفاة بيجي)، عدنان حمد حمود، بتهم تتعلق بقضايا الفساد، إضافة إلى مدير عام شركة كهرباء الوسط علاء سمير الجبوري، ومدير عام الخطوط الجوية العراقية مناف عبد المنعم بتهمة اختلاس أكثر من 115 مليار دينار عراقي.

وتمثل ملاحقة الفاسدين مطلبا شعبيا عراقيا منذ سنوات، فبسبب الفساد هدرت مئات مليارات الدولارات وهي مبالغ بحسب مختصين كافية لبناء دولة متقدمة تضاهي دول الخليج العربي في حال استغلالها بالشكل الصحيح، كما عانى العراق بسبب الفساد من الخروقات الأمنية طيلة سنوات وصولا إلى سيطرة "داعش" على أجزاء من البلاد، وبسببه أيضا انتشر السلاح المنفلت وتأسست امبراطوريات للفساد يحميها السلاح في وزارات الدولة المختلفة.

ويأتي حراك الحكومة لمكافحة الفساد في أحد الجوانب استجابة لضغوط أمريكية، إذ كشفت مصادر حكومية أنه جاء مع الضغوط والدوافع الخارجية الداعمة للإصلاح، إذ تواجه الحكومة العراقية ضغوطاً ودعماً من شركائها الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، التي تنظر إلى الفساد باعتباره أحد أبرز العوامل التي ساهمت في تعزيز نفوذ الجماعات المسلحة الموالية لإيران داخل مؤسسات الدولة العراقية، عبر شبكات اقتصادية ومالية معقدة استفادت من ضعف الرقابة وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية.

وأكد تلك المعلومات مدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن نزار حيدر الذي أشار إلى أن المبعوث الأمريكي سلم القضاء العراقي ملفًا يضم قائمة بـ 1000 شخصية سياسية رفيعة المستوى (من مدير عام فما فوق)، ممن تحوم حولهم شبهات فساد وتورط في سرقة أموال الدولة خلال السنوات الماضية.

وقال حيدر: إن "الملفات التي سلمها باراك ليست مجرد أسماء، بل هي وثائق دقيقة وموثقة تتضمن أرقامًا ووثائق وصورًا وفيديوهات، وحتى تفاصيل دقيقة عن أرقام تسلسلية لعملات الدولارات التي تم تداولها".

واعتبر حيدر أن الخطوة الأمريكية بشأن الفاسدين تهدف إلى إنهاء الدور السياسي للشخصيات المتورطة في الفساد وتجميد أموالهم، كجزء من استراتيجية أمريكية أوسع للتعامل مع الفساد والملفات الأمنية، وهي توجه أمريكي جديد ومباشر للضغط في ملفات الفساد والمساءلة القانونية في العراق".

ويأتي إعلان الزيدي تشكيل المجلس السيادي الأعلى لمكافحة الفساد مشابها لما أعلنه رؤساء الوزراء السابقين، الذين أعلنوا عبر تصريحاتهم الإعلامية حربا لا هوادة فيها على الفاسدين في بداية تسلمهم السلطة، غير أن تلك الوعود سرعان ما تحولت إلى شعارات لا قيمة لها، بسبب تكشف عمليات الفساد والسرقة بشكل مستمر ولغاية اليوم.

لكن المشكلة الحقيقية تكمن في جدية الحكومات المتعاقبة وجميع السلطات في العراق بتطبيق شعارات مكافحة الفساد على الأرض، فجميع حملات ملاحقة الفاسدين لم تطال أي من كبار المتورطين المتهمين بهدر وسرقة المال العام، كما يرى ذلك الباحث السياسي عادل كمال.

وقال كمال في حديث لشبكة "الساعة": إن "اللجنة التي شكلها الزيدي لمكافحة الفساد لا تختلف عن اللجان السابقة التي شكلها رؤساء الوزراء السابقين، فالجميع أطلق حملة مكافحة الفساد إعلاميا دون الملاحقة الحقيقية لكبار الفاسدين"، وبين أن "السبب في ذلك واضحا لجميع العراقيين، ويتمثل بأن زعماء العملية السياسية الذين شكلوا الحكومة ويقفون وراء تشكيل الهيئات والسلطات بمختلف مسمياتها هم نفسهم المتورطين بالفساد والمستفيدين منهم عبر وكلائهم وموظفيهم التابعين لهم".

وشدد كمال على أن "محاربة الفساد ستبقى شعارا إذا لم تطال كبار المتنفذين في الدولة العراقية من المتهمين بقضايا الفساد أو الذين يقودون كتلا سياسية تورط وزرائها ومسؤوليها بالسرقات وهدر الأموال، فيما استبعد قدرة الزيدي على الانتصار في معركة محاربة الفساد حتى وإن كانت نواياه صادقة في هذا الاتجاه لأن شبكة الفساد أو ما يمكن إطلاق مصطلح عليها (دولة الفساد) هي أقوى من الدولة العراقية الرسمية"، حسب تعبيره.

وبخصوص الحراك الحكومي في هذا المجال، يرى الباحث في الشأن السياسي مجاشع التميمي أن نجاح الزيدي في مكافحة الفساد يعتمد على 3 عوامل رئيسية، أبرزها عدم التراجع عند الاقتراب من الرؤوس الكبيرة المتورطة بسرقة المال العام.

وقال التميمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "نجاح الزيدي في تحقيق اختراق حقيقي بمجال مكافحة الفساد يتطلب 3 أمور: أولاً دعم سياسي مستمر من القوى الرئيسية وعدم التراجع عند الاقتراب من الرؤوس الكبيرة، وثانياً: استقلال القضاء والأجهزة الرقابية، وثالثاً إصلاح منظومة العقود والمنافذ المالية والإدارية التي تنتج الفساد يومياً".

وأضاف: أنه "من المبكر الحكم على حملة رئيس الوزراء علي الزيدي، لأن عمر الحكومة ما زال قصيراً، لكن المؤشرات الأولية توحي بأن الرجل يحاول إرسال رسائل مختلفة عن الحكومات السابقة، سواء عبر فتح ملفات عقود حكومية أو الحديث صراحة عن عدم الاكتفاء بصغار الفاسدين".

وأوضح التميمي أن "المعيار الحقيقي بنجاح الحكومة في هذا الملف ليس عدد اللجان أو المؤتمرات الصحفية، بل بعدد القضايا التي تصل إلى القضاء وتطال شخصيات نافذة تمتلك غطاءً سياسياً وحزبياً، وبين أن العراق شهد سابقاً حملات واسعة لمكافحة الفساد، لكنها اصطدمت بشبكات المصالح والنفوذ، لذلك بقيت النتائج دون مستوى التوقعات"، مؤكدا أن "الحكم النهائي في حملة الزيدي على الفساد لن يكون على الخطاب، بل بالإجابة على سؤال واحد وهو: هل ستشهد الأشهر المقبلة محاسبة شخصيات نافذة ومحمية سياسياً؟"، مشيرا إلى أنه "عند ملاحقة الشخصيات الكبيرة الفاسدة فقط يمكن القول إن العراق أمام حملة جدية، لا مجرد نسخة جديدة من التجارب السابقة".

وفي إشارة إلى اللجان والهيئات التي شكلتها الحكومات المتعاقبة لمكافحة الفساد والتي أخفقت جميعها في الوصول إلى الهدف المعلن، فإن حكومة عادل عبد المهدي شكلت عام 2018، المجلس الأعلى لمكافحة الفساد، واستند ذلك المجلس مسارا بيروقراطيا روتينيا ومخاطبات هادئة بين الدوائر الرقابية والقضائية، دون قوة تنفيذية مخصصة للمداهمات، واستهدف وزراء ومحافظين سابقين (مثل محافظ بابل ومحافظ صلاح الدين الأسبقين)، وتعمدت الحكومة إخفاء أسمائهم الصريحة إعلامياً، إلا أن تلك اللجنة وصفت بالضعف والعجز عن ملاحقة "الحيتان الحالية"، وحُلّ بعد ذلك المجلس تماماً مع اندلاع احتجاجات تشرين 2019 واستقالة الحكومة.

أما حكومة مصطفى الكاظمي فقد شكلت عام 2020، لجنة الأمر الديواني رقم (29) (بإدارة الفريق أول أحمد أبو رغيف) واعتمدت الأسلوب العسكري الأمني الصارم، والمداهمات الليلية التكتيكية، والاعتقالات الفورية والاحتجاز في مواقع خاصة، واستهدفت أحمد الساعدي (رئيس التقاعد الأسبق)، بهاء عبد الحسين (مدير كي كارد)، وشخصيات أخرى منهم محافظ نينوى الأسبق، وكان مصير هذه اللجنة الحل والإلغاء بقرار من المحكمة الاتحادية العليا في مارس 2022 بقرار بات قضى بعدم دستوريتها، وسط اتهامات وخروقات تتعلق بانتزاع الاعترافات بالقوة.

أما حكومة محمد شياع السوداني السابقة فشكلت الهيئة العليا لمكافحة الفساد والتي اعتمدت أسلوبا تفاوضيا قام على مبدأ "المال مقابل الحرية" واسترداد الكاش عبر الكفالات القضائية المشروطة، وكان أبرز الرؤوس المستهدفة رجل الأعمال نور زهير (المتهم الرئيسي في قضية أمانات الضرائب - سرقة القرن)، إلا أن هذه اللجنة لم تتمكن من استعادة أي مبالغ فعلية كبيرة من الأموال المسروقة، إذ لم تتجاوز المبالغ التي تحدثت حكومة السوداني استعادتها بقضية سرقة القرن فقط سوى أقل من 5% من المبالغ المسروقة، وبالتالي كان الفشل نتيجة هذه اللجنة، فيما واجهت الحكومة لغطاً شعبياً وسياسياً كبيراً بعد رفع الحجز عن بعض شركات المتهم الرئيسي وسفره للخارج وتخلفه عن جلسات المحاكمة.

أما حكومة الزيدي الحالية، فشكلت المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام، والتي اعتمدت أسلوب المباغتة الأمنية الصارمة والضبط الفوري بالجرم المشهود للمسؤولين الحاليين داخل منازلهم ومكاتبهم مع توثيق المضبوطات، وكان أبرز الرؤوس المستهدفة في الحملة الحالية عدنان الجميلي (وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية)، وعلاء سمير الجبوري (مدير عام توزيع كهرباء الوسط)، وأسفرت تلك العمليات عن ضبط ثروات كاش فلكية فورية (76 مليار دينار مع مدير الكهرباء، و11 مليون دولار و98 مليار دينار ونحو 40 عقاراً و3 كغم من الذهب مع وكيل النفط، إلا أن الحملة مستمرة في بدايتها وتحظى بزخم إعلامي وتأييد قضائي واسع، لا سيما بعد صدمة تنور الطين وحرق المليارات لإتلاف الأدلة.