انطلق في العراق قطار تشكيل الحكومة برئاسة المكلف من قبل قوى الإطار التنسيقي علي الزيدي بعد خلافات وأزمة سياسية استمرت لـ 5 أشهر، وسط آمال شعبية بأن تكون الحكومة المقبلة قادرة على تجاوز الأزمة الحالية التي تواجه البلاد، ومخاوف من الإخفاق ولا سيما في إدارة العلاقات الخارجية مع الولايات المتحدة وإيران وانعكاس ذلك على الوضع العراقي سياسيا وأمنيا واقتصاديا.
وفي 27 نيسان / أبريل 2026، كلف الرئيس العراقي نزار آميدي، علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة، عقب توافق الكتلة النيابية الأكبر عددا، المتمثلة في الإطار التنسيقي، على ترشيحه لرئاسة مجلس الوزراء.
وجاء هذا التوافق بعد إعلان رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، ورئيس ائتلاف الإعمار والتنمية محمد شياع السوداني، انسحابهما من سباق الترشح، مما مهّد الطريق أمام الزيدي ليكون مرشح الكتلة الأكبر.
والاثنين الماضي أعلن الإطار التنسيقي اتفاق قواه السياسية على ترشيح الزيدي لهذا المنصب، عقب تجاوز البلاد المهلة الدستورية المحددة لتكليف رئيس الحكومة، مما أدخل العراق في حالة فراغ دستوري.
وتواجه الزيدي ومساعيه لتشكيل الكابينة الوزارية الجديدة جملة من التحديات والصعوبات، تتمثل بوضع حد للأزمة المالية والاقتصادية، والبحث عن مخرج للمشكلة التي تواجه العراق جراء توقف الصادرات النفطية لاعتمادها على منفذ وحيد وهو مضيق هرمز المغلق لغاية اليوم، وكذلك كيفية إخراج العراق من دائرة الصراع الذي اشتعل في المنطقة بين الولايات المتحدة وإيران وجر بعض الفصائل الشيعية الموالية لإيران للعراق في الحرب إلى جانب طهران، وقدرته على حل الفصائل المسلحة وإنهاء السلاح المنفلت وإعادة رسم العلاقات بالمحيط الخارجي والإقليمي خاصة مع حالة النفور العربي والخليجي من العراق بسبب انطلاق عشرات الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة من أراضيه باتجاه الدول الخليجية، فضلا عن إمكانية معالجة الملفات العالقة منذ سنوات والخاصة بحقوق المكون السني بخصوص إعادة النازحين إلى مناطقهم وخاصة جرف الصخر منزوعة السكان، وإنهاء ملف المعتقلين الأبرياء وتفعيل قانون العفو العام، وكذلك معالجة الملفات العالقة مع المكون الكردي بخصوص رواتب الموظفين والمستحقات المالية للإقليم.
ترامب يهنئ الزيدي
وعقب الإعلان عن تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية ترحيبها بهذا التكليف والذي جاء بعد ضغوط أمريكية أدت الى استبعاد نوري المالكي ودفعته الى التنازل عن الترشح.
وفي تطور مهم، تلقى الزيدي اتصالا هاتفيا من ترامب، قدم خلاله التهنئة، ووجّه له دعوة رسمية لزيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة، بحسب بيان لمكتب الزيدي.
وقال ترامب، عبر منصة "ثروت سوشيال": "نهنئ علي الزيدي على ترشيحه لمنصب رئيس وزراء العراق ونتطلع إلى علاقة جديدة قوية ومثمرة بين العراق والولايات المتحدة"، ومعرباً عن "تمنياته لرئيس الوزراء العراقي المكلف بالنجاح في تأليف حكومة خالية من الإرهاب وقادرة على تحقيق مستقبل أفضل للبلاد".
الفصائل أبرز مشاكل الزيدي المقبلة
في هذا الصدد، أكد الباحث في الشأن السياسي عبد القادر النايل أن صعوبات كبيرة تنتظر الزيدي في مرحلة ما بعد تشكيل الحكومة، على اعتبار أن تشكيل الكابينة الوزارية أمر متفق عليه وخاضع لنظام المحاصصة، مرجحا عدم تمكن الرئيس المكلف من معالجة الأزمات التي تواجه العراق ولا سيما فيما يخص إنهاء دور الفصائل المسلحة والسلاح المنفلت والنفوذ الإيراني كونه وصل للمنصب بتكليف من هذه القوى.
وقال النايل في حديث لشبكة "الساعة": إن "الزيدي يمتلك علاقة جيدة بالجانبين الأمريكي والإيراني، إذ أن تحركاته بدأت عام 2024 عندما استقطب دينيس إدوارد فلانري الذي كان المستشار المالي في السفارة الأميركية والذي عينه علي الزيدي منذ 2024 معاونا لرئيس مجلس إدارة مصرف الجنوب ، والذي دفعه إلى المشاركة في دعم حملة ترامب الانتخابية ماليا مما ساهم بشكل كبير في تسويق اسمه أمريكيا ، ومن جهة أخرى فهو مقبول من إيران لأنه من خلال شركة الأويس التي تجهز وزارة التجارة العراقية بمفردات البطاقة التموينية حيث يستورد من خاتم الأنبياء الإيرانية أغلب السلع الغذائية وهناك ارتياح كبير في التعامل معه".
وأضاف النايل: أن "الزيدي يعد مقربا من رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي الذي كان له الدور الأكبر في انتعاش شركات ومصرف الزيدي ماليا حيث كانت له الفترة الذهبية لتنفيذ مشاريع الدولة العراقية في الاستيراد ومزاد العملة، كما أن المكلف كان يتمتع ايضا بعلاقة وطيدة جدا مع محمد الحلبوسي رئيس البرلمان منذ الدورة الاولى له مما جعله يوسع علاقته العربية عبر بعض الاستثمارات".
وأشار النايل إلى أن "عملية تشكيل الكابينة الوزارية ليست صعبة لأنها مقسمة وفق نظام المحاصصة، حيث يحتفظ الإطار التنسيقي ب 12 وزارة والمجلس السياسي بـ 6 وزارات والكرد بـ 5 وزارات وكل وزارة لها 12 نقطة حسب حجم كل كتلة سياسية برلمانيا تأخذ حصتها وكذلك الهيئات الوزارية والأجهزة الأمنية"، لكنه أوضح أن "المشكلة التي ستواجه الزيدي ستبدأ بتقسيم الدرجات الخاصة وهذا يضعه أمام مشكلة أن الكتل السياسية ستختار له وزراءه وسيتعامل مع ذلك ليبقى نهج المحاصصة من يقود الدولة".
ولفت إلى أن "شروط الإطار التي وقع عليها الزيدي والالتزام بها ستبقى الفيصل في دعمه إذ تعهد الزيدي للإطار بالالتزام بقراراتهم الملزمة، متعهدا بتخليه عن فكرة تشكيل حزب سياسي أو خوض الانتخابات المقبلة."
ورجح النايل أن "تكون أمام الزيدي ملفات طويلة ساخنة أولها إنهاء الفصائل المسلحة واستلام سلاحها وإنهاء معسكراتهم في المدن منزوعة السكان قسرا كجرف الصخر، وإنهاء التعامل الاقتصادي وتهريب الدولار لإيران"، مشددا على أن "هذه الملفات صعبة لأن المكلف الزيدي لا يمتلك كتلة سياسية قادرة على دعمه في هذه القرارات الاستراتيجية فضلا عن الأزمة الاقتصادية والديون المستحقة لشركات المقاولات التي نفذت مشاريع في عهد السوداني الذي استلم ثلاث ميزانيات مالية ولم يعرف أحد أين ذهبت"، حسب تعبيره.
مهمة صعبة
من جهته، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة المستنصرية عصام الفيلي أن الصعوبات الكبرى التي تواجه الزيدي في المرحلة المقبلة تتمثل في تعامله مع وجود الفصائل المسلحة الموالية لإيران ورسمه لطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة ونجاحه في إبعاد العراق عن العقوبات الاقتصادية وضمان استمرار تدفق الدولار إلى العراق.
وقال الفيلي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الدعم الأمريكي لترشيح الزيدي هو أمر بديهي في بداية الأمر، كون الولايات المتحدة تدعم أي متغير بعيدا عن الإطار وإن كان اختياره من الإطار، وذلك جزء من استراتيجية التحفيز في البحث عن البدائل"، مبينا أن "واشنطن ستراقب عمل الحكومة المقبلة وسيكون تعاملها في أول الأمر بشكل إيجابي من خلال إطلاق شحنات الدولار إلى العراق، ولكنها ستبقى تراقب عمل الحكومة وستتخذ إجراءات تجاه ذلك الأداء مستقبلا".
وشدد الفيلي على أن "التحدي الأكبر أمام الزيدي يتمثل بملف الفصائل التي تريد واشنطن تفكيكها كجزء من استراتيجية تطويق إيران"، لكنه أشار إلى أن "تفكيك الفصائل وحلها وفك الارتباط مع الجانب الإيراني أمر في غاية الصعوبة وبعيد عن قدرة المكلف بتشكيل الحكومة خاصة وأن إيران تمتلك حضورا سياسيا واقتصاديا وعسكريا في العراق من جهة، كما أن الفصائل في العراق تؤمن بوحدة الساحات والعمل الإيديولوجي والعقائدي المرتبط بولاية الفقيه من جهة أخرى".
وتابع أن "أحد عوامل نجاح وفشل الزيدي في المرحلة المقبلة يكمن في قدرته على تجسير العلاقة مع الولايات المتحدة لضمان إبعاد العراق عن أي عقوبات اقتصادية ومالية، لكن هذا الأمر ووفقا للشروط الأمريكية مرهون بحل الفصائل، وهو أمر لا يمكن حله بشكل نهائي لأن الفصائل مؤمنة بالصراع العقائدي ووحدة الساحات ويخضع للبعد العقائدي أكثر من البعد الرسمي".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام